عندما يصوّب الحديث عينيه نحو هاروكي موراكامي -الكاتب والمترجم الياباني- الذي تُرجمت أعماله لأكثر من 50 لغةٍ من بينها العربية فإننا نجدُ تناسقًا غريبًا سواءً أكان في آراءِ المعجبين أو المشككين في موهبته، فإن جميعهم دون استثناءٍ يتفقون على أنّ أعمال موراكامي تمتازُ بغرابةٍ ممتزجة ببساطة الأحداث وواقعيتها.

ولم تخلُ حياة الكاتب العالميّ من الغرابة التي تعكسها رواياته على الدوام، وتتمثل هذه الغرابة في كونِه دخل عالم الكتابة بالصدفة البحتة بعدما انتهى من دراسة الدراما. وقد تقاطع طريقه مع الدراما فيما بعد كثيرًا، حيث حوّلت كثير من أعماله إلى أفلامٍ وآخرها كان فيلم Drive My Car المحوّل عن قصة موراكامي القصيرة التي عُنونت بنفس الاسم وضمّها كتاب Men without Women.

وفي مقالي اليوم، سآخذكم في جولةٍ سريعة لنلقِي نظرة خاطفة على رواياتٍ خمس قد أبدى موراكامي إعجابه الشديد بهنّ على مدارِ مقابلاته في السنين الماضية، فهل أنتم مستعدون؟

جاتسبي العظيم The great Gatsby

”كانوا أناسًا مهملين، يحطمون الأشياء ثم يستديرون ويدعون الآخرين ينظفون القاذورات التي خلفّوها..“

يقول موراكامي أنه إذا اضطُرّ إلى اختيار كتابٍ واحد فقط يعني له الكثير فسيقوم باختيار هذه الرواية بلا تردد أو تفكير. وأضاف أنه لولا رواية فيتزجيرالد هذه لما كان كتب نوع الأدب الذي يكتبه اليوم، بل وربما ما كان ليعرفَ طريقه للكتابة أبدًا.

غلاف رواية جاتسبي العظيم The great Gatsby

نُشرت هذه الرواية لأول مرة عام 1925، أما أحداثها فتعود بنا للخلف خمس سنواتٍ قبل ذلك التاريخ، حيث بدايات عصر موسيقى الجاز في أمريكا وتنفسها الصعداء بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. أما عن الشخصيات، فهناك جاتسبي، بطلُ الرواية، وهو شابٌ ثلاثينيّ يقطن قصرًا في إحدى ضواحي نيويورك، ويمتلك ثروةً لم يرثها بل صنعها، وتتلقفه الشائعات من كل جانبٍ عن مصدرِها.

تمثل هذه الرواية الحُلم الأمريكيّ في أعمق صوره وأكثرها صدقًا، فتقول مجلة التايمز عنها:

”ليست فقط رواية مثيرة ومحطمة للقلوب، إنها أيضا واحدة من أكثر الروايات التي كُتبت تمثيلًا لجوهر أمريكا“.

الإخوة كارامازوف The brothers Karamazov

غلاف رواية الإخوة كارامازوف The brothers Karamazov

”لا يكمُن سرّ الوجود البشري في البقاء على قيد الحياة فحسب، بل في العثور على شيء يعيش المرءُ من أجله..“

يقول موراكامي أن معظم الكتّاب يصبحون أضعف وأضعف مع تقدمّهم في السن ولكن دوستويفسكي لم يفعل. بل ظلّ يكبُر ويتعاظم أسلوبَه أكثر فأكثر. لقد كتب الإخوة كارامازوف في آخر خمسينياته، وبالنسبة لموراكامي فهذه الرواية لا مثيل لها.

في هذه الرواية وعلى عادة دوستويفسكي التي لم يخرج عنها منذ أن خطّ قلمه الورق أنّ كل كلمة، كل التفاتة، كل إشارة لها موقعها من الحدث وستجبرك على العودة إليها لربط كل الأحداث وتوصيل كل النقاط ببعضها البعض. روايةٌ يصفها قراؤها جميعًا بأنها ثقيلة أدبيًا وتحتاج نوعًا خاصًا من التركيز ولكنها ممتعة ومشوقة في نفس الوقت. وربما هذا المزيج الذي استطاع دوستويفسكي خلقه في الإخوة كارامازوف ومن قبلها في الجريمة والعقاب هو ما جعل موراكامي يعجز عن إيجاد مثيلٍ لها.

الوداع الطويل The long goodbye

غلاف رواية الوداع الطويل The long goodbye

” أن تقولَ وداعًا يعني أن تموتَ قليلا“

”فيليب مارلو كان شخصية شندلر الخيالية ولكنه كان وما زال حقيقيًا بالنسبة لي“
-هاروكي موراكامي

ويضيف موراكامي قائلًا أنه يترجم ما يحب قراءته وقد ترجمَ روايات رايموند شندلر لأنه يحب أسلوبه كثيرًا ويراهُ استثنائيًا وقد قرأ هذه الرواية فوق الخمس مرات دون أن يشعر بذرةِ ملل، بل وفي كل مرةٍ كانت تنكشفُ له تفصيلةً قد غفا عنها في المرة التي سبقتها.

هذه الرواية هي الأكثر خصوصية لكاتبها فقد قام شندلر بكتابتها في الأيام الأخيرة لزوجته وهي تودّعه وداعًا طويلًا وتودّع معه الحياة. فقد كان لمرضِها وموتها فيما بعد بليغَ الأثر عليه وربما كان السبب الأساسي لخروج الرواية وهي تحفّها المشاعر الصادقة والقوية النابعة تمامًا من قلبِ الكاتب ومتجهة مباشرةً لقلبِ القارئ.

وهي تُعتبر رواية بوليسيّة تشويقيّة مع كثيرٍ من اللفتات الإنسانية. فقد لاحظ أغلب القرّاء أن في الروايتين اللتين سبقتاها، واللتين كان بطلهما هو مارلو نفسه، أن تركيبتهما البوليسية كانت أقوى ولكن في هذه الرواية، أظهر مارلو ولاءه نحو صديقه مرتين. ظهرت مشاعر مارلو نحو صديقه و مساندته له في محنته كصديقٍ أكثر منه محقق.

القلعة The Castle

”كيف أصبحت الشخص الذي أنا عليه؟ هل أنا نفسي فعلًا، أم صنع مني الآخرون الشخص الذي أنا عليه الآن؟“

صادف موراكامي أعمال فرانز كافكا لأول مرةٍ عندما كان صبيًا في الخامسة عشر من عمره وكان أول عمل تتقاطع طرقه مع موراكامي هو رواية القلعة التي أصابته بصدمةٍ هائلة فقد بدا له ذلك العالم الذي وصفه كافكا في روايته بدقة متناهية حقيقيًا وغير واقعيّ في آنٍ واحد، وقع موراكامي في غرامِ ذلك المزيج، وسحره من بعدها عالم كافكا الذي وجد نفسه عالقًا فيه فجأة ولم يستطع الخروج منها حتى الآن.

ويضيف جيريمي آدلر -أحد أهم المتخصصين في أدب كافكا- قائلًا: ”إن كافكا معلمٌ كبير، نصوصه لا تشيخ أبدًا ولا تصدأ، فهي تخاطب خبرات سرمديّة. كما كان قادرًا على جعل كل ما هو شخصيّ يبدو كونيا، فعلى سبيل المثال لو وصف شخصًا تائهًا في زِحام كان بمقدوره أن يشبّع صورته ويعطيها حقها بالكامل“.

غلاف رواية القلعة The Castle

نُشرت هذه الرواية عام 1926، ويعتبر كثير من النقاد أن رواية ”القلعة“ هي أجمل أعمال كافكا، ويبدو جليًا أنه كان فيها أشدّ انفعالًا مما كان عليه في رواياته الأخرى. فقد شيّد كافكا هذه الرواية بإحكامٍ وإتقان، تمامًا كما شيّد قلعته أو بالأحرى روايته الأخيرة قبل أن يُفارق الحياة، ويُودّع الورقة والقلم.

الحارس في حقل الشوفان The catcher in the Rye

” شعرتُ وكأنني أختفي شيئًا فشيئًا..“

”إنها قصةٌ مظلمة ومقلقة للغاية لقد استمتعت بها عندما كنت في السابعة عشر من عمري ولذلك قررت أن أترجمها، أتذكرها الآن على أنها رواية مُربكة ذات أسلوب قوي ويتخلله لمسة كوميدية. لا أعلم إن كان عقلي قد استوعب كل جوانبها حينها لكني الآن عندما أقرأها من جديد بعد مرور كل هذه الأعوام أرى أنها من أثقل الروايات التي كتبت “
-هاروكي موراكامي

نُشرت هذه الرواية لأول مرة عام 1951، وبطلُها هو هولدن كولفيلد، صبيٌ في السادسة عشر؛ أي أنه يصغُر موراكامي بعامٍ واحد حين قرأها للمرة الأولى. تجتاحُ هولدن حالةٌ من الحيرة والتخبط عندما يجدُ نفسه فجأةً قد غادر عالم الطفولة بكل ما فيه من لهوٍ وبراءة وأنه الآن يقف في منتصف عالم البالغين، حيث يركضُ كل من حوله خلف شيءٍ ما، فيجدُ نفسه يركضُ معهم دون أن يدري كنه ذاك الشيء الذي يركض خلفه.

غلاف رواية الحارس في حقل الشوفان The catcher in the Rye

في هذه الرواية، هولدن ليس بطلًا فقط، بل راويًا أيضًا. تعالج الرواية في أحشائها قضايا عدّة، مثل الهويّة والانتماء والخسارة والعلاقات البشرية بكل ما فيها من أمورٍ معقدة وبالأكثر تُناقش العزلة باستفاضة على امتدادِ صفحاتها. يضطر هولدن للتعامل مع كل هذه القضايا لأول مرة، ويُذكر نفسه كل حينٍ أنه لا يريد أن ينساقَ تمامًا وراء بهرجة ذاك العالم وأنه تمنى لو يظلّ صادقًا وبريئًا في عالمٍ مليءٍ -على حدّ تعبيره- بالمزيفين.

وقد اعترف سالينجر - مؤلف الرواية - في إحدى مقابلاته أن هذه الرواية تُعتبر شبه سيرة ذاتية.

ولأن بعض الروايات تشكلّـنا، تعيدُ ترميم ما دمرّه العالم داخلنا، تجعلنا نُعيد التفكير في كل ما يحيط بنا، نلتقطُ منها معلومة عابرة لتبقى حاضرة في أذهاننا للأبد، تبقينا دوما على درايةٍ بما على هامشِ الحدث بكل تفاصيله، فحين يتفاخر الجميع بمعرفتهم عن حدثٍ ما تكون أنت مُلمٌّ بكل جوانبه بالفعل لأن رواية ما قد مدّتك بها دون غيرك.

وهكذا، انتشلت الروايات الخمس التي ضمّتها الأسطر السابقة موراكامي من عالمه وأخذت تتنقل به داخل عالم كافكا تارة وعالم شندار تارةً أخرى، فإذ به يقرر خلق عالمه الروائيّ الخاصّ، فشقّ طريقه نحو الإبداع، وسرنا بدورنا في طريقنا الممهد للانبهارِ بإبداعاته المختلفة.

والآن، حانَ دورُك أنتَ لتخبرنا إن كان سبق وأن قرأت أيّ من تلك الروايات الخمس، وما أكثر عمل تحبه لموراكامي؟

اقرأ أيضًا: الزهرة التي قلبت هولندا رأسًا على عقب: ماذا تعرفُ عن جنون التوليب؟