يميل الإنسان بالفطرة إلى التساؤل حول الحقيقة، فالعقل الذي يمتلكه كل منا يدفعنا للتفكير بكل ما يحيط بنا، ويؤسس لرغبة المعرفة وخوض غمار المجهول، هذا المجهول الذي استطاع الإنسان أن يقلص منه عبر تاريخه الطويل.

لقد مرت محاولات الإنسان الطويلة في الحصول على المعرفة بمراحل متعددة، فالإنسان لا يستطيع تحصيل الحقيقة بشكلٍ مباشر، إذ لا يمكن الوصول لليقين دفعةً واحدةً، سواء كان اليقين الذي نتحدث عنه يقينًا دينيًا أو علميًا أو فلسفيًا أو غير ذلك.

واليقين "لفظةٌ تدل على الحالة التي يستقيم فيها الذهن كلما أدرك الإنسان شيئاً، واعتقد بأن إدراكه مطابق للشيء بعينه، وبأن الشيء لا يمكن أن يكون إلا هكذا أي كما أدركه".

ولكن هل يمكننا حقاً الوصول إلى اليقين، وكيف يتم ذلك؟

يظهر الشك أثناء محاولة الإجابة عن التساؤل السابق، إذ لا يمكن الوصول إلى حقيقةٍ ما قبل المرور بمرحلةٍ يشعر فيها الإنسان بالشك حولها، ويخبرنا التاريخ عن ذلك بوضوح تام، فها هو النبُّي إبراهيم في أثناء بحثه عن حقيقة وجود الله، استشعر بأنه لا بد من وجود قوة خلقت السماوات والأرض، وسعى بالبحث والتمحيص للوصول إلى معرفة هذه القوة، فاعتبر أن النجم هو الله ولكنه عاد فشك بذلك لأن النجم إلى زوال، وبعدها انتقل من شك إلى آخر حتى وصل إلى يقين أن الله لا يمكن أن يكون نجماً أو قمراً أو شمساً أو صنماً أو شيئاً يرى بالعين المجردة، إنه لا مثيل له لم يلد ولم يولد، وهذا اليقين كان أعلى درجات المعرفة الإيمانية لديه.

شكٌ مطلق… ويقينٌ لا يمكن الوصول إليه

لا بد أن ننتبه إلى أن الشك قد اتخذ شكلين رئيسين في التاريخ الفكري للإنسان، فقد اعتبر بعض المفكرين والفلاسفة من أمثال السفسطائيين أنه يستحيل الوصول إلى الحقيقة، فاليقين ضرب من الخيال، ولذلك فقد نادوا بالشك المطلق الذي يعني أن الإنسان مقياس جميع الأشياء، وهذا يعني أن الحقيقة نسبية، ومتبدلة، وغير قابلة للتعميم، وقد كان هذا النوع من الشك بمثابة رفضٍ صريحٍ للمعرفة الكلية، وقبولٍ بالمعرفة الجزئية التي تتغير تبعاً للأشخاص والظروف.

إذاً شك السفسطائيون بإمكانية المعرفة بحد ذاتها، واعتبروا أن المعرفة الذاتية ممكنة، أما المعرفة الموضوعية فهي مستحيلة، وأن الحقيقة الوحيدة هي أنه ما من يقين يمكن الوصول إليه، وخير ما قيل في ذلك جاء على لسان جورجياس:

لا يوجد شيء، وإذا كان هناك شيء فالإنسان قاصر عن إدراكه، وإذا فرضنا أن إنساناً أدركه فلن يستطيع أن يبلغه لغيره من الناس

وعليه يمكننا تلخيص ما سبق عن الشك المطلق فيما جاء بالموسوعة الفلسفية العربية بأن: المعرفة الموضوعية الصادقة مستحيلة، فلا سبيل للبرهان على العالم المحسوس، ولا أساس لصدق القوانين التجريبية في العلوم الطبيعية، أي أنه ما من يقين يمكن إدراكه.

شكٌ منهجي… مراجعةٌ للذات ووصولٌ لليقين

في مقابل ذلك، ومع تطور أدوات الإنسان، وتحديداً نتيجة الاكتشافات العلمية التي استطاع الإنسان الوصول إليها، ظهر الشك بوصفه مرحلة سابقة للوصول إلى الحقيقة، ويعتبر الفيلسوف الفرنسي ديكارت عراب هذ الفكرة، فالشك لديه هو أول خطوة لليقين، ولذلك سماه بالشك المنهجي، وهذا يعني أننا نتبع طريق الشك بوصفه أحد خطوات المنهج العلمي، ومن خلاله فقط نستطيع فرز ما توصلنا إليه من معارف، واختيار الأكثر دقةً ونبذ ما دونه.

وعليه فقد حاول ديكارت أن يصل لليقين من خلال الشك، فشك بالحواس وبمعطيات العالم الحسي أولاً، معتبراً أن المعرفة التجريبية التي نكتسبها عن طريق الحواس لا يمكنها إيصالنا إلى اليقين، فهي تخدعنا في كثير من الأحيان، وشك بالعالم من حوله، ولكنه لم يشك بشيء واحد وهو حقيقة أنه كائن يفكر، وأن التسلسل المنطقي للتفكير سيؤدي بشكل طبيعي للوصول إلى اليقين العلمي وحتى الديني.

من ناحية أخرى يخبرنا التاريخ الإسلامي عن علماء ومفكرين انطلقوا من الشك للوصول إلى اليقين، فها هو الجاحظ في كتابه الحيوان ينطلق من بديهية أساسية ألا وهي عدم التسرع في إطلاق الأحكام حول الأخبار التي تصلنا، وهذا جعله يضع خطوات أساسية توصلنا لليقين، أولها عدم التسليم بخبرٍ ما وعدم تكذيبه، وهذا يشبه قولنا بالتوقف عن إطلاق الحكم لنقوم خلال ذلك ببحث مواطن الضعف والقوة في معالجة الخبر بهدف الوصول إلى اليقين المطلوب.

اليقين ارتفاع الشك

هذا ما يقوله المتصوف الشهير الجنيد، ليؤكد كما الكثير من أتباع المذهب الصوفي، أسلوب الشك بوصفه أول مراتب الوصول إلى اليقين، وهذا جعل معرفة الله والإيمان به مرتبطاً بالشك العقلي الذي يتبعه المتصوف ويسير على خطاه، ليصل في مرحلة ما إلى الإيمان المطلق، فإشراقة الله في القلوب تبدأ بشك عقلي يفضي إلى يقينٍ نهائي.

رغم كل ما سبق؛ يبقى اليقين حلماً ليس في متناول الإنسان، وهدفاً يسعى إليه كي يشعر بالسكينة والطمأنينة سواء في المسائل الإيمانية، أو في تحصيل المعارف العلمية. وإن كان الإنسان لا يستطيع اليوم التثبت من الحقائق العلمية بشكل نهائي، تبدو المسائل الإيمانية اليوم أقل عرضة للشك، فاليقين بوجود الله أمرٌ يعزز الطمأنينة والراحة القلبية، ويدفع الإنسان للاستمرار ويعطي للحياة معنىً يقاوم من خلاله صعوبات الحياة كافةً.

المراجع:

  • يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، مصر، 2012.
  • معن زيادة وآخرون، الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1986.

اقرأ أيضًا: النوستالجيا المُدمِّرة… كيف يقتل الحنين إلى الماضي الناجين من الحروب؟