ليلة رأس السنة الجديدة التي نستمتع فيها دائمًا، حيث نتابع مشاهد الاحتفالات على التلفاز بانتهاء عام شاق أخيرًا بكل أزماته و صراعاته وبقدوم عام جديد على أمل أن يحمل لنا الأفضل، جاءت مختلفة تلك المرة مع رسالة من الفضائيين!

ليلتها، وحدت كل القنوات الفضائية بثها وأعلنت عن خبر عاجل يفيد بوصول استجابة غير معلومة المصدر بعد لأحد الإشارات الراديوية التي بُثت من الأرض منذ سنوات عديدة للبحث عن حضارات ذكية خارج الكرة الأرضية، وسيتم التصرف وفقًا للبروتوكول المتفق عليه في مثل هذه المواقف. ولا داعي للهلع!

لا تقلق؛ فلم يكن هذا خبرًا حقيقيًا _على الرغم من أنه قد يحدث يومًا ما_ لكن تخيل أن يطرأ مثل هذا الأمر علينا فجأة! كيف ستتصرف الحكومات حول العالم؟ كيف سنتصرف نحن كشعوب؟ هل سنهلع ونثير الشغب ونلوم الحكام على إرسالهم تلك الإشارات لما يُحتمل أن نتعرض له من أخطار بسببها؟ أم سنرحب بالأمر ونسعد لوجود مخلوقات أخرى في هذا الكون الشاسع؟! عزيزي القارئ: لا أعلم كيف ستشعر حينها لكن لا أخفي عليك الأمر فأنا شخصياً سينتابني الذعر والخوف فوراً.

هل نحن هنا الوحيدون؟

رجل ينظر في الأفق ليلًا

منذ آلاف السنين يلح باستمرار سؤالٌ واحدٌ كلما نظرنا للنجوم، ولم نجد له إجابة حتى الآن وهو: هل نحن نعيش وحدنا في هذا الكون على الرغم من عدد النجوم والكواكب اللا نهائي فيه؟ أم أن هناك غيرنا في مكانٍ ما؟!

كلما توسعنا في اكتشاف الكون وأدركنا حجمه الهائل، استحوذت فكرة محاولة التواصل وإرسال رسالة إلى تلك الكائنات الفضائية المحتمَل وجودها على عقول العديد من العلماء.

في أوائل القرن التاسع عشر اقترح أحد علماء الفلك الأستراليين أن نبعث للفضائيين أيًّا كانت أماكنهم برسائل واضحة تفيد بأننا هنا، وذلك عن طريق حفر خنادق ضخمة في الصحراء الكبرى على شكل أشكال هندسية، ثم بعد ذلك يتم ملؤها بكيروسين لإشعالها!

بالرغم من أنه فكرته لم تتحقق، إلا أننا مع تطور التكنولوجيا يومًا بعد يوم تمكّنا بالفعل من إرسال إشارات من الأرض لأكثر من موقع في الفضاء الواسع لعلها تصل لمقصدها يوماً ما.

رسالة أريسيبو- The Arecibo Message

رسالة أريسيبو للفضائيين

إحدى أهم تلك المحاولات رسالة أريسيبو، وهي إشارات راديوية مُشفرة تم إرسالها عام 1974 من مرصد أريسيبو بالولايات المتحدة الأمريكية من قِبل فريق من العلماء، من بينهم فرانك دريك وكارل ساجان، لتكون وجهتها الرئيسة هي Messier 13، وهي تجمع كبير من النجوم على بعد 25 ألف سنة ضوئية!

بالفعل كما قرأت! يستغرق وصولها إلى هناك 25 ألف سنة إذا كانت الإشارة تسير بسرعة الضوء لكننا لا نعلم من _أو ما_ يمكن أن يلتقطها حتى ذلك الحين، فهي إشارات ذات شدة مرتفعة، أعلى من الإشارات الراديوية القادمة من الشمس ب 10 مليون مرة!

تم إرسال الرسالة مرة واحدة فقط لمدة أقل من ثلاث دقائق، تحتوي رسالة أريسيبو على مخططات تمثل المجموعة الشمسية وموقع الأرض فيها والأعداد الذرية لبعض العناصر الكيميائية كالهيدروجين والأوكسجين والكربون وكذلك على رسم يمثل شكل الإنسان وتركيب DNA، أي أنها رسالة توفر دليلًا جيدًا وكافيًا للعثور علينا لأي كائن يستطيع فك شفرتها.

منارة في المجرة

منارة في المجرة

حالياً مع تطور التقنيات؛ نشر فريق من العلماء تحديثًا على أريسيبو لجعلها تحمل أكبر قدر من المعلومات، أطلق عليها العلماء "منارة في المجرة" أو "Beacon in the galaxy".

تحتوي هذه الرسالة على تفاصيل أكثر؛ كرسمٍ مفصّل للفرق بين شكل الذكر والأنثى، وخريطة لسطح الأرض، وشرح مبسّط لتركيب الكرة الأرضية ومكوناتها.

الرسالة الجديدة ما زالت قيد المراجعة، ولذلك لم يتم بعد تحديد المكان الذي ستنطلق إليه في الكون، لكن يرجح العلماء القائمون عليها أن يتم إطلاقها لمنطقة على بعد 13 ألف سنة ضوئية من مركز مجرة درب التبانة؛ حيث يُعتقد حسب بعض الأبحاث التي نُشرت من قبل أن احتمالات وجود الحياة فيها أكثر من المناطق الأخرى.

وسيلة واحدة ليست كافية

قرصا ذهب على مسباري فويجر 1 و2، يحملان رسالة للفضائيين

لم تكن الإشارات الراديوية أداتنا الوحيدة في التواصل مع الكائنات الفضائية، حيث إن فويجر 1 و2، وهما المسباران المنطلقان من كوكب الأرض في عام 1977 لاستكشاف المجموعة الشمسية، ما زالا يعملان بكفاءة حتى اليوم ويمضيان في طريقهما لخارج المجموعة الشمسية.

المسباران محملٌ كل منهما بقرص ذهبي يحتوي على أصوات متنوعة من كوكب الأرض كمقطوعات موسيقية من أماكن مختلفة من الأرض و أمثلة لأصوات الطبيعة كالمطر والرياح وأصوات بشرية تحيي الفضائيين بلغات مختلفة مع صور عديدة للأرض والمجموعة الشمسية ككل. حتى الآن فويجر 1 و2 هما أبعد جهاز من صنع الإنسان تم إطلاقه من الأرض، ولو تم إيجاد أحدهما في يوم من الأيام، سيعلم من يجده أي الحضارات قامت على صنعه وإرساله، وأننا لا نحمل لهم غير السلام.

ماذا لو تلقى "أحدهم" واحدة من تلك الرسائل؟

فضائيين

هل تعلم أنه حدث موقف مشابه لهذا نسبياً من قبل؟ حيث إنه في عام 2017 رصد مرصد أريسيبو إشارة راديوية غريبة، ويبدو أنها تصدر من منطقة حول نجم من نوع القزم الأحمر يسمى Ross 128 يقع على بعد 11 سنة ضوئية فقط! مما أثار الشك بأنها قد تكون رد فعل على رسالة أريسيبو المرسلة في السبعينيات من نفس المرصد.

أحدثت تلك الإشارة ضجةً كبيرة في الوسط العلمي، وانتشر خبرها باسم "!Wierd Signal"، ولكن بعد الملاحظات الدقيقة مراراً وتكراراً تبين أن مصدر تلك الإشارة ليس النجم، بل أحد الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض. ولأن المرصد حساس جداً يتسبب ذلك في جعل أي إشارة، حتى لو كانت أرضية، تُحدث تشويشًا كما حدث في هذه المرة.

ما زال هناك جدل بين أطراف المجتمع العلمي حتى هذا اليوم حول التصرف الصحيح في حالة وصول الرد من الخارج، فالبعض يرى أن نرد على الرسالة والبعض الآخر ضد ذلك تمامًا

هذا ما صرح به دكتور جون إليوت، أحد العلماء المنظمين والمشاركين في شبكة الأبحاث الخاصة بالبحث عن الحياة الذكية خارج الأرض (SETI) في إنجلترا، كما أضاف إنه أيًّا كان القرار، فهو لن يكون ناتجًا عن رأي شخص واحد فقط؛ فحسب السياسة العامة لـ SETI، لابد أولاً أن يتم التأكد من كون الإشارات المستقبَلة هي فعلًا رسالة فضائية وليست مثل الحوادث السابقة المشابهة، ثم يتم الإعلان للعامة بشكلٍ واسع لتكون هناك فرصة لكل الأشخاص حول العالم لفهم ما حدث، ثم بعد ذلك تكون هناك استشارات دولية جماعية قبل إرسال أي رد.

قد تصبح العواقب وخيمة!

بالرغم من تشجيع الكثير من العلماء لاستمرار محاولات التواصل مع الكائنات الفضائية لما قد يعود علينا من فوائد كثيرة، كأن يجعلنا نحسن من كفاءة الحياة على الأرض ونستفيد من حضارتهم الذكية، إلا أنّ بعض العلماء يحذّرون من كل هذا، كالعالم الكبير ستيفن هوكينج الذي صرّح بأنه يجب علينا أن ننظر لأنفسنا فقط لنرى كيف يمكن أن تتطور الحياة الذكية إلى شيء لا نحب أبداً أن نقابله! وقارن مواجهتنا بالفضائيين بمثل ما حدث عندما واجه كريستوفر كولومبس الأمريكيين الأصليين حيث لم تجرِ المقابلة بشكلٍ جيد إلى حدٍ ما!

نحن لا نعلم ما ستكون عليه طبيعة هؤلاء الفضائيين، هل سيكونون ودودين؟ أم سيحاولون تخريب موطننا الوحيد ويكونون سببًا لإنهاء الحياة بأكملها على سطح الأرض كما نرى في الأفلام؟ ولكن بالرغم من ذلك؛ فقد فات أوان التراجع، فنحن نعلن عن أنفسنا بكل وضوح وصخب منذ سنوات عديدة، وإن كان هناك من فضائيين فلا بد أنهم قد عرفوا مكاننا الآن!

لننزل إلى أرض الواقع قليلاً، ما هي الاحتمالات الفعلية لوصول أي من تلك الرسائل لوجهتها؟

نحن نبث الكثير من الرسائل الراديوية قصداً على مدار نحو 50 عامًا، ومن غير قصد منذ اكتشاف وانتشار الموجات الراديوية بصفة عامة من نحو قرن؛ فلو كان بالفعل يوجد أي حضاراتٍ ذكية في محيطنا على نفس مستوانا من التطور التكنولوجي، لكانوا التقطوا تلك الإشارات بالفعل، وربما كانوا يحاولون التواصل معنا، لكن في المجمل وبما أنه لم يصلنا أي شيء حتى الآن، فإن احتمالية حدوث ذلك ضئيلة وفقًا لإجماع العلماء، بمن فيهم المؤيدون لنظرية وجود حضارات ذكية غيرنا في الكون، ولكن لم يوقفهم ذلك عن المحاولة، إلى أن يصلوا في النهاية للإجابة عن السؤال الأزلي الوجود: هل نحن وحيدون في الكون؟

المصادر: 1, 2, 3, 4, 5, 6

اقرأ أيضًا: تفسير العوالم المتعددة لميكانيكا الكم: ما له وما عليه وهل انتهت معضلة التفسير حقًّا؟