منذ انطلاق أول رحلة فضاء في العالم 12 أبريل 1961 وعلى متنها المواطن السوفييتي يوري غاغرين، تحوّل الأمر إلى سباق في استعراض القوة بين واشنطن وموسكو ثم الدول الأوروبية والصين فيما بعد. ومع المليارات التي تكلّفها كل رحلة زادت الانتقادات التي تسأل عن فوائد رحلات الفضاء، الأمر الذي اعتبره الكثير من المواطنين، سواء في أمريكا أو غيرها، مجرد استعراض قوة لم يعودوا في حاجة فعلية إليه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

لكن وخلال 60 عامًا فقط من نجاح الإنسان في استكشاف الفضاء تبيّن أن هناك مجموعة فوائد ضخمة عادت على كوكب الأرض فعليًا من هذه الرحلات والتي لا تزال تعد في بدايتها، ليتوقع الخبراء بعد اكتشافات جديدة أن ثروات الفضاء واستغلالها جيدًا يمكن أن يجعل كل إنسان على الأرض يمتلك الملايين وربما المليارات من الدولارات.

التعدين في الفضاء والعثور على المعادن النفيسة

لم يبدأ استخدام المعادن الفضائية مع رحلات الاستكشاف البشرية، بل قبلها بقرون عدة بعد استخدام شظايا النيازك التي تتساقط على الأرض في صناعات مختلفة، ولكن شكّل الأمر نقلة كبيرة للغاية مع رحلات الفضاء واكتشاف كميات كبيرة من النيكل والحديد والبلاتين والكوبالت وغيرها بشكلٍ متفرّق سواءً على القمر أو على المريخ أو في الكويكبات الصغيرة.

ليتطوّر الأمر تمامًا مع الكويكب "سايكي 16" (Psyche 16) الممتلئ بمعادن تصل قيمتها المبدئية إلى 700 كوينتيلون دولار، أي 700 مليون مليار دولار، فبعد النجاح في تصويره من بعيد، خططت ناسا لزيارة هذا الكويكب بحلول عام 2026 ولا سيما بعد نجاح التعدين على كواكب أخرى ومناطق متفرقة في الفضاء مثل القمر.

والكوينتيلون عبارة عن رقم واحد وبجواره 18 صفرًا، وهو رقم شديد الضخامة يمكن أن يجعل كل فرد على كوكب الأرض في غاية الثراء إذا تم تقسيمه ليحصل كل فرد على 93 مليار دولار.

بالطبع قد يقول شخص إن الثروات المتساوية يمكن أن تؤدي إلى انهيار تام لاقتصاد كوكب الأرض الذي يبلغ بشكل إجمالي نحو 75.5 تريليون دولار، وهو بالطبع مبلغ زهيد للغاية مقارنة بثروات كويكب سايكي 16 وغيره من كويكبات فضائية، ولكن من ناحية أخرى فإن نجاح التعدين ونقل ما سوف يتم استخراجه إلى الأرض من الممكن أن يستغرق عشرات السنوات قبل أن يكون حقيقة واقعة.

وفي حين يؤكد العلماء أن اكتشاف الكويكب سايكي تم بالفعل في عام 1852 على يد عالم الفلك الإيطالي أنيبال دي غاسباريز وسُمي تيمنًا بالشخصية الأسطورية اليونانية Psyche، إلا أن استغلاله والتعدين عليه قد لا يكون بالسهولة التي يتصورها البعض رغم العائد الاقتصادي الضخم المتوقع منه.

البروتينات والدواء

هناك أزمة بروتين طاحنة على كوكب الأرض، فالحيوانات والطيور التي تعد المصدر الأساسي للبروتين تتغذى على النباتات والمساحات الخضراء التي تتقلص بدورها بشدة لتلبية حاجة التضخم السكاني لأماكن على سطح الأرض.

حتى مع التطور الكبير في مجال الهندسة الوراثية لتسريع عملية نمو النباتات وتقليل الهدر إلا أن الأزمة لا تزال مستمرة، لتنجح ناسا من خلال استغلال ظروف فضائية في تصنيع مسحوق بروتين عالي الجودة من الماء والمغذيات والفيتامينات وثاني أكسيد الكربون.

فمن المعروف أن نسبة ثاني أكسيد الكربون نادرة للغاية في الغلاف الجوي للأرض حيث يشكل مع غازات متنوعة أخرى ما نسبته أقل من 1%، وأي زيادة فيه تشكِّل خطرًا حقيقيًا على الإنسان.

ليس هذا الحال في الفضاء الخارجي، إذ ترتفع نسبة هذا الغاز في غلاف كوكب الزهرة وكوكب المشترى إلى 95%، وفي حين لم يكن لهذا الأمر أهمية ما في وقت سابق، إلا أن نجاح ناسا في تصنيع طعام حقيقي منه جعلت الأمر يأخذ شكلًا مذهلًا للغاية.

فمثل مخفوق البروتين والزبادي تم إطلاق مسحوق سولين Solien، وهو مكوِّن عالي البروتين بنسبة 50% من تركيبته على الأقل مع 5-10% دهون و20-25% من الكربوهيدرات، وله شكل ومذاق مثل دقيق القمح ليدخل بالفعل في منتجات غذائية منذ عام 2021.

والمثير للغاية في مسحوق سولين أنه محايد الكربون ومن مصادر مستدامة تمامًا وإمكانيات التوسع في تصنيعه تبدو غير محدودة، إذ لا يحتاج إلا إلى الطاقة الشمسية وثاني أكسيد الكربون وعبر تقنية احتجاز الكربون ثم دمج الماء والمغذيات والفيتامينات سوف يصبح وجبة متكاملة.

وقد بدأت الفكرة في ناسا لتوفير غذاء مضمون لروّاد الفضاء دون قيود زراعية، ويؤكد العلماء أنه من الممكن تطوير الفكرة لتوفير البروتين الكامل في المناطق التي يستحيل زراعتها على سطح الأرض وتعاني من نقص البروتين، بالإضافة إلى التطور الواعد في صناعة الأدوية عبر الطريقة نفسها دون الاعتماد على مصادر أرضية إلى حدٍّ بعيد.

الإنترنت عبر الأقمار الصناعية

الإنترنت عبر الأقمار الصناعية

لم يعد الإنترنت من وسائل الترفيه فقط، فقد دخل فعليًا في كل مجالات الحياة، فمن التسوق الآمن للعلاج النفسي والفيزيائي إلى تعلم المهارات فضلًا عن تقريب المسافات بين الأقارب والأصدقاء في مختلف أنحاء العالم لتصبح الحاجة إليه ضرورية ولا غنى عنها في الألفية الثالثة.

ومع الاعتماد الكبير على الكابلات الأرضية والبحرية إلا أن استخدام الفضاء في توصيل البيانات وتعزيز الإنترنت يحقق تطورًا ملحوظًا، ما سوف يجعله قريبًا مثل الماء والهواء، أي مجانيًا تقريبًا من دون تكلفة تُذكر مع وصول سهل إلى جميع مناطق الكرة الأرضية مهما كانت بعيدة أو ذات طبيعة جبلية أو قطبية يصعب مد الأسلاك والكابلات بها مما يتيح المزيد من استكشاف تلك المناطق عبر إرسال بعثات آمنة مع ضمان وصول سهل لكل البيانات التي تحصل عليها أولًا بأول.

يُرجِّح الخبراء أن صناعة الفضاء العالمية يمكن أن تولِّد إيرادات تزيد عن تريليون دولار أو أكثر في عام 2040 أي بارتفاع 350 مليار دولار عن الرقم الحالي، وتأتي أهم الفرص الاستثمارية على الإطلاق من سرعة الوصول إلى الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية.

فالإقبال على طلب البيانات يتزايد بمعدل أُسيّ بينما تنخفض تكلفة الوصول إلى الفضاء بالتدريج سواء عبر استخدام صواريخ قابلة للإطلاق أكثر من مرة أو بخفض تكلفة الوقود وغيرها، مما سوف يؤدي في النهاية إلى انخفاض ملحوظ في تكلفة الوصول إلى الإنترنت في كل منطقة بالعالم.

هذا الوصول السهل في رأي الخبراء سيتسبب باعتماد الذكاء الاصطناعي بشكلٍ أكبر والاعتماد عليه وعلى السيارات ذاتية القيادة والواقع الافتراضي وغيرها مما يقلل التكلفة الإجمالية لكل هذه التقنيات لتصبح متوفرة أكثر لكل البشر.

الاستخدام في النقل

استخدام الفضاء في النقل

يمكن للطرود والشحنات الكبيرة أن تستغرق أسابيع وربما أشهرًا للانتقال بين مناطق مختلفة من الكرة الأرضية، ولكن صناعات الفضاء تشير إلى قفزةٍ واسعة في توفير الوقت والتكاليف الذي يستغرقه النقل عادة.

فبعد أن انخفض إنتاج الصاروخ الفضائي من 200 مليون دولار إلى 60 مليون دولار فقط، مع احتمالات لانخفاض حتى 5 مليون دولار فقط وإمكانية إعادة استخدامه أكثر من مرة، فإن نقل الشحنات الكبرى التي تتم عبر السفن الضخمة أو الطائرات يمكن أن تتم بسهولة كبيرة عبر الفضاء.

لذا لم يعد الاستثمار في الفضاء مجرد سباق قوة أو رفاهية أو تبديد أموال، بل هو فرصة للحياة والتطور والاستمرار على وجه الأرض، وسوف تجد الدول التي لا تستثمر في الفضاء وتضع قدمًا فيه نفسها تتدمر تلقائيًا مع انخفاض أي فرصة للبقاء على قيد الحياة.

اقرأ أيضًا: ردًا على الأستاذ الجامعي…هذا ما سيحصل لو فجرنا القمر بالنووي!