يأتي الصباح ليبشرنا بيوم جديد، ويدفعنا للتفاؤل والخروج من أسرتنا والبدء بأنشطتنا المعتادة مهما كانت، يتساءل أغلبنا إن لم يكن جميعنا عن الأسباب التي تجعلنا نمضي في نهارنا وننهي أيامنا يومًا بعد يوم، نذهب إلى العمل أو إلى مدارسنا وجامعاتنا، نجهز وجبات الطعام مع عائلاتنا، ونمارس الأنشطة التي نعتقد أنها مهمة وضرورية لتكون حياتنا أفضل، وبعدها نعود للنوم ليأتي صباح جديد وتعاد الكرة مرة أخرى.

هنا تمامًا يبدو التساؤل الآتي مشروعًا: ما الذي يجعلنا نقبل على الحياة بنشاط وتفاؤل؟

على هذه الأرض ما يستحق الحياة، هذا ما يقوله شاعرنا العظيم محمود درويش، ليؤكد أنه على الرغم من كل الصعاب؛ لا بد أن يكون هناك سبب كافٍ للحياة والاستمرار فيها، ولا بد أن يكون هناك ما يدفعنا حقًا لمتابعة أنشطتنا المختلفة، وللتمسك بكل التفاصيل المتعلقة بحياتنا، ولذلك إليكم أهم الأسباب التي قد تجعلنا نقبل على الحياة بنشاط وتفاؤل:

الحب

يدفعنا الحب للشعور بقيمة الحياة، فنقبل عليها بكل طاقاتنا ونقوم بإنجاز مسؤولياتنا بكل سعادة، فأجمل ما في الحياة أن نحب وأن نكون محبوبين، وعندما نحصل على الحب يصبح للحياة معنىً وقيمة، ونغدو أكثر راحةً وقوة، فالحب "أشد أنواع السحر فاعلية" كما يقول ستاندال، وهذا يجعل من الحب الطريقة التي تفتح الأبواب والنوافذ المغلقة، ويعطينا المعنى.

إذًا؛ عندما نتحد مع شخص ما في الحياة بمشاعر مشتركة، والمقصود هنا ليس الحب بين الجنسين فقط، وإنما جميع أنواع الحب والمحبة، كمحبة الأسرة والأصدقاء والحبيب، كلها تدفعنا للشعور بطاقات هائلة تنمو داخلنا وتعطينا القدرة على مواجهة أكبر الصعوبات وأكثرها تعقيدًا.

المشاعر الإيمانية

غالبًا ما يدفعنا الإيمان بالله إلى الشعور بالمسؤولية تجاه أي قرار نتخذه في حياتنا، فالإنسان المؤمن يخشى الله، وفي خشيته هذه يعلم أن عليه أن يكون إنسانًا قويًا ومسؤولًا، ولذلك فهو يقبل على الحياة بكل طاقاته كي يرضي خالقه ويحقق المغزى من حياته.

وعليه نجد المؤمن ينطلق في الحياة ويبذل قصارى جهده في العمل والدراسة وغيرها، لأن في ذلك تأكيدًا على إيمانه وعلى محبته للخالق وصلته به، فيشعر هذا المؤمن بالرضا والتسليم، وهذه المشاعر تعطي الإنسان معنى للحياة وتدفعه كل يوم كي يشعر بقيمة ما يفعله طالما أن هناك من سيقرر إن كان فعله جيدًا أم لا، وطالما أن الآخرة التي سيحاسب فيها الإنسان على أفعاله موجودة، لأن وجود الآخرة ينهي شعور اللاجدوى الذي قد يجعل الإنسان يفقد الرغبة بالاستمرار، وهذا طبعًا لا ينطبق على دين دون آخر، وإنما نراه في الأديان والعقائد كافة.

الرغبة في مواجهة الموت

يخاف الإنسان من الشعور بالعجز، من المرض، ومن فقدان القدرة، فيندفع مقبلًا على الحياة بكل طاقاته في محاولة منه لمواجهة الموت، فعلى الرغم من معرفته اليقينية بأنه لن يستطيع إيقاف الموت، إلا أنه يعتقد أن مثابرته في الحياة وإقباله عليها يجعل الموت بعيدًا عنه، وهذه سمة الناس الإيجابيين الذين يرون أن حياتهم امتدادٌ للسابقين، وأنهم امتدادٌ لمن يأتون بعدهم، ولذلك فعليهم أن يواجهوا الموت بالحياة، وألّا يفقدوا الحيلة ويستمروا بالمحاولة علّهم لا يموتون، وهذا لا يعني عدم الموت بالمعنى الحرفي، وإنما عدم الموت من خلال الامتداد، أي من خلال أبنائهم وأحفادهم، ومن خلال ما ينجزونه خلال حياتهم.

مجابهة الفراغ والملل بالتفاؤل

يقول أحد المراهقين: إن شعوره بالملل والفراغ يدفعه كل يوم لمغادرته سريره، في محاولة منه ليقتل هذا الملل فيقبل على الحياة بنشاطٍ كبير ويمارس الألعاب والرياضات ويذهب إلى المدرسة ويزور الأصدقاء كي يعطي لحياته معنى.

إذًا؛ يخاف الكثير من الشباب اليوم من الوقوع في أسر الملل، هذا الشعور القاتل الذي يؤثر علينا تدريجيًا، مما يجعلهم يجاهدون لتخفيف وطأته من خلال خلق المعنى، وهذا لا يتم إلا إذا قرر الشخص النهوض من سريره وممارسة كافة الأعمال الممكنة لإثبات جمالية الحياة، ولذلك تراهم يتعارفون ويبنون الصداقات وينجزون الأعمال وينجحون ويتفوقون.

تجنب الضغط الأسري

عندما نكون صغارًا ويأتي موعد ذهابنا إلى المدرسة، نخرج من أسرّتنا بصعوبة، لأن أسرتنا لن تسمح لنا بالبقاء نائمين، وكي لا نعاني من تأريقهم لنا ننهض بكل قوةٍ لنتابع حياتنا اليومية، ولنثبت لهم ولأنفسنا بأننا أقوياء وقادرين على مواجهة الحياة بسعادة وتفاؤل.

في الحقيقة قد يؤدي هذا الضغط إلى نجاحات عظيمة وسعادة غير متوقعة، وقد يؤدي أحيانًا إلى فشل كبير فيما إذا ازداد الضغط وكان قاسيًا جدًا.

أخيرًا؛ لا بد لنا من التأكيد بأن كل ما سبق قد لا يكون شاملًا لما يدفعنا للاستمرار في حياتنا، وبالرغم من ذلك فإن الأسباب الخمسة السابقة قد تكون الأكثر شمولًا، ومع ذلك يبقى لنا حق التفكير بأسبابٍ أخرى، وربما يكون من المهم أن نحاول فهم ذواتنا وتحديد ما يدفعنا حقًا للاستمرار، ومهما كانت هذه الأسباب لا بد أن نعرف بأن الحياة تستحق الاستمرار، فنحن موجودون فيها شئنا أم أبينا، وستمر أيامنا بجمالها وبؤسها، ولذلك قد يكون من الأفضل أن نجد لها معنىً ونتابع من النقطة التي يشرق فيها ذلك المعنى في قلوبنا كنور يدفعنا كل يوم للمتابعة، ويعطينا القدرة في الحصول على لحظات السعادة مهما كانت مؤقتة، تلك السعادة التي قد نستمدها من فرح من يحيطون بنا، ومن ضحكات الأطفال ومحبة الأصدقاء والنجاحات التي نحققها في حياتنا.

اقرأ أيضًا: هل أنت متفائلٌ أم متشائم؟ دع هذا الاختبار لمارتن سيلجمان في علم النفس الإيجابي يحكم