ماذا إذا حصلت معجزة وسافرت بالزمن للوراء وقتلتَ جدك دون أن تدري؟ سينتهي أمرك، لكن ماذا إذا ذهبت للمستقبل وقامت حرب في نفس المكان الذي ذهبت إليه؟ سينتهي أمرك أيضًا، لا أريد إحباطك، لكن أُبين لك أنّ السفر عبر الزمن له سلبيات أيضًا، نعم تبدو الفكرة خيالية، لذلك راح كُتاب الخيال العلمي يؤلفون قصصًا وروايات حول الآلات الزمنية العجيبة التي تقود البشر إلى زمن مختلف، حتى ظهرت بعض النظريات العلمية التي تؤكد أنّ هذه الفكرة قد تحصل نظريًا.

هل تعرف من الذي خرج بتلك النظريات؟ بالطبع، العبقري "ألبرت أينشتاين". دعنا نفهم الأمر جيدًا من خلال تقريرنا هذا. 

مفارقة الجد: هل يمكنك قتل جدك قبل ولادة أبويك؟ 

ظهرت فكرة السفر عبر الزمن منذ وقت طويل، وراح الكُتاب والأدباء يتفننون في تأليف القصص والروايات، وأوحت لهم أخيلتهم سرد قصص، يستطيع أبطالها التحكم بمجريات الأحداث وحتى تغيير التاريخ. لكن، ماذا يمكن أن يحصل إذا وجد البشر بوابة زمنية تأخذهم للماضي حقًا؟ حسنًا، تأمل القصة التالية: 

يُحكى أنّه، كان هناك فتى مغامر مشاكس فضولي يُدعى "سليم"، وجد آلة غريبة، فدفعه فضوله لتشغيلها، وشعر أنها تسحبه بسرعة مجنونة، لم يُدرك ماذا حصل، فقام من فوره يلعن الآلة، قاصدًا بيته، لكن لاحظ شيئًا غريبًا، لقد تغيّر العالم من حوله، إنها نفس المنطقة، ولكن لم تكن كذلك.

لم يُدرك صاحبنا المشاكس أنه استخدم آلة الزمن التي سحبته إلى الماضي 60 عامًا، أي قبل ميلاده هو وأبويه، امتص الصدمة وأدرك ما جرى، وخاف من هول الموقف، وهرول نحو الآلة ليعود إلى زمنه، لكن الفضول الذي بداخله قال له: "اذهب واستكشف الماضي أولًا"، فراح المغامر يستكشف مدينته قديمًا. 

بينما كان صاحبنا يتجول في شوارع مدينته وقعت عيناه على رجل يشبهه إلى حد ما، دقق النظر فيه، فارتاب الرجل، فذهب إليه سليم، وأخبره قصته، بالطبع لم يصدق، وتشاجرا، وانتهى الأمر بمقتل الرجل دون قصد، لكن المشكلة أنّ ذلك الرجل هو جد سليم! ولسوء الحظ، لم يكن قد تزوج بعد، ما يعني أنّ سليم سيُضطر أن يظل حبيس الماضي، فقد أصبحت ولادته مستحيلة. ومن هنا ظهرت "مفارقة الجد". 

(ملاحظة: هذه قصة من وحي خيالي، ربما تكون قد استمتعت بها أو لا، لكن الغرض منها عرض مشكلة منطقية لا أكثر.) 

ومفارقة الجد، هي مسألة فلسفية في الأساس، لكن عند التدقيق في أمرها جيدًا، سنجد أنها قد تكون كارثة، فلو حصل وتمكن الإنسان من العودة إلى الماضي واستطاع التحكم بمجريات الأمور، لما استقر التاريخ البشري على أي شيء، فهناك العديد من الأحداث التي أخبرنا بها التاريخ بعدما حصلت وشعرنا بالأسى عليها، مثلًا، لو كانت لدي إمكانية للعودة بالزمن للوراء، لمنعت "سيف الدين قطز" من الذهاب مع "الظاهر بيبرس" الذي خطط لقتله، ولحذرت "مي زيادة" من الوثوق في ابن عمها الذي قادها إلى مستشفى المجانين، ولذهبت إلى "عباس ابن فرناس" وأخبرته أنّ حلمه صار حقيقة، واستطاع البشر التحليق في السماء بل وذهبوا للقمر. لكن، لو حصل ذلك، لتغيرت أحداث قد تكون فارقة في التاريخ ككل، تمامًا كـ"أثر الفراشة". لكن لحظة، هناك سؤال مهم.. 

هل يمكننا السفر عبر الزمن إلى الماضي حقًا؟ 

منذ عدة قرون، جاء عالم الفيزياء الإنجليزي "إسحاق نيوتن" بنظرية الجاذبية الأرضية، التي تفترض أنّ الأجسام كبيرة الكتلة، تجذب الأخرى الأقل كتلة، ما يفسر سبب دوران الأرض وغيرها من الكواكب حول الشمس أو سقوطنا إلى الأرض عند القفز. وافترض نيوتن أنّ الزمن والمكان مطلقين، بعبارة أخرى، مهما حصل، سيظل الزمن ثابتًا في أي نقطة في الكون، والمكان مستويًا، ما يعني أنّ الكون مستقيم. ظلت هذه النظرية قائمة بثبات إلى أن جاء العبقري واسع الخيال "ألبرت أينشتاين" بنظريات النسبية وأثبت أنّ الجاذبية وهم من صنع نيوتن ليس إلا. 

أدرك أينشتاين أنّ الزمان والمكان نسبيان وليسا مطلقَين كما ادعى السيد نيوتن، ووضع مفهوم الزمكان، وهو دمج بين كلمتين (الزمان + المكان)، وترجع تلك النسبية إلى أنّ الزمكان مرن وليس مستقيمًا، أي يمكنه الانحناء، تمامًا كنسيج أو قطعة قماش عادية، ضع كرة كبيرة في المركز، ثم ضع بعض الكرات الصغيرة من عند حافة النسيج، ستُلاحظها تتحرك نحو الكرة الكبيرة، وذلك بسبب الانحناء لا بسبب الجاذبية

نسيج الزمكان

افترض أينشتاين أنّ الزمكان متماسك، وكل منهما يؤثر على الآخر، والجسم المتحرك، يمر عليه الزمن أبطأ من الثابت في موضعه. ولكي يستطيع المرء السفر عبر الزمن إلى الماضي، عليه التحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء (علمًا بأنّ سرعة الضوء = 299892458 متر/ثانية).

كلما تحرك الجسم بسرعة تقترب من سرعة الضوء، يحصل تمدد للزمن، إلى أن تُصبح سرعة الجسم مساوية تمامًا لسرعة الضوء، فيتوقف الزمن، لكن لا شيء في الكون أسرع من الضوء أصلًا، بحسب نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين! ما يعني أنّ العودة للوراء نظريًا ممكنة، لكن عمليًا، مستحيلة. وقد تحدث عالم الفيزياء الإنجليزي "ستيفن هوكينغ" عن ذلك، حتى إنه عبر عن السفر إلى الماضي بطريقة ساخرة. 

وقال هوكينغ في إحدى ندواته عام 2012: "لدي دليل تجريبي بأنّ السفر عبر الزمن غير ممكن"، ففي عام 2009، قرر عقد حفلة في منزله لاستقبال المسافرين عبر الزمن، وأرسل الدعوات بعد الحفلة بيوم، لكن لم يأتِ أحد إلى حفلته، وخرج من ذلك إلى أنه لو كان السفر عبر الزمن ممكنًا أو في المتناول، لجاء الناس إلى الحفلة من المستقبل، لكن لم يحصل ذلك. 

مع ذلك، نستطيع التماس الماضي حولنا، فقط انظر إلى السماء ليلًا، سترى السماء كسجادة مُرصعة بالنجوم المضيئة التي تُضفي على السماء أناقة وجمالًا، لا أود أن أكسر بهجتك بهذا المشهد الساحر، لكن في الحقيقة، إنّ كل تلك النجوم التي تراها يا عزيزي قد ماتت منذ ملايين أو مليارات السنين، وما نراه ليس سوى ضوءٍ متبقٍّ منها سافر عبر الزمكان حتى وصل إلينا وزاد سماءنا جمالًا. ربما لتؤنس وحدتنا ليلًا أو تُذكرنا أنها كانت في مكان ما من ذلك الكون السحيق يومًا ما، وتُرسل لنا رسالة بأنّ الفناء قادم، لكن الأثر يدوم. 

مفارقة التوأم: هل رأيت توأمًا في أعمار مختلفة؟ 

حسن وحسين، توأمان، وُلدا عام 2050 في القاهرة الكُبرى، كان الأول بسيط الأحلام، قرر دراسة الهندسة، وعاش حياة بسيطة، أما عن حسين، فقد كان مغامرًا، تمامًا مثل سليم، قرر دراسة علوم الفضاء وسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واستطاع الالتحاق بوكالة ناسا كرائد فضاء. وفي عام 2080، استطاعت ناسا ابتكار مركبة فضائية، تستطيع السفر في الكون بسرعة تُعادل سرعة الضوء! وطلبت إجراء تجربة سفر بالمركبة بالقرب من نجم ألفا القنطور (Alpha Centauri)، الذي يبعد عن الأرض مسافة 4.35 سنة ضوئية، وتقدم حسين لخوض التجربة، وجاء يوم الانطلاق وودع أخاه ثم سافر. 

ظل حسن ينتظر عودة أخيه المغامر لمدة 20 عامًا، وقد بدأ الشيب يظهر في شعره، وفي يوم الاثنين 7 مارس 2100، وصلته رسالة بهبوط أخيه على الأرض من جديد، وينتظره للقائه، هرول الأخ المشتاق لتوأمه وما إن دخل ورآه، حتى جحظت عيناه من فرط الذهول، إنّ أخاه ما زال شابًا ثلاثينيًا، بينما هو قد خط الشيب رأسه، حصل ذلك ببساطة لأنّ الوقت قد مر بطيئًا على حسين، وفقًا للنسبية الخاصة. 

هذه ببساطة مفارقة التوأم، التي تُوضح فكرة السفر عبر الزمن للمستقبل، وهذا ما فعله حسين، لقد سافر للمستقبل وعمره أصغر من الحقبة الزمنية التي عاد فيها للأرض. (بالمناسبة، هذه قصة توضيحية لمفارقة التوأم من وحي خيالي أيضًا، هل أعجبتك؟) 

هيا إلى عام 2130: ما رأيك في رحلة إلى المستقبل؟ 

أوضحت منذ قليل أنّ سرعة الضوء ثابت كوني، ويصعب تخطيها، بل يصعب الوصول إليها أصلًا، لكن لنفترض أنه قد حصلت معجزة علمية وصنعت ناسا أو غيرها مركبة فضائية تستطيع السفر بسرعة تُعادل سرعة الضوء، وقررت مجموعة من المغامرين تجربة هذه المركبة للدوران حول الأرض لمدة أسبوع مثلًا في عام 2030، علمًا بأنّ هذه الرحلة بسرعة الضوء تعادل حركة المركبة حول الأرض 7.5 مرات خلال ثانية واحدة. مذهل، أليس كذلك؟ 

يمر الزمن على الأشخاص داخل المركبة عاديًا، والحقيقة أنه يمر على سكان الأرض بصورة عادية بالنسبة لهم. بعد انتهاء الرحلة، عاد المسافرون إلى الأرض بعد أسبوع بالنسبة لهم، لكن كان قد مر 100 عام. وبذلك سافروا عبر الزمن للمستقبل. وقد ثَبُت أنّ السفر للمستقبل أو التقدم على الحاضر بقليل يمكن عمليًا، في تجربة أجراها عالمان في عام 1971، وهما: جوزيف هافل وريتشارد كيتنغ. 

استخدم العالمان ساعات ذرية فائقة الدقة، ووضعاها في رحلات جوية مختلفة حول العالم، وكانت هناك ساعة مرجعية معهم في المختبر، بعد هبوط الطائرات من الجو إلى الأرض، قارنوا الساعة المرجعية بالساعات في الطائرات الأخرى، ولاحظوا أنّ الأخيرة كانت مختلفة عن بعضها وعن الساعة المرجعية في التوقيت فعلًا. بالطبع سرعات تلك الطائرات لم تكن كبيرة، ولكنها على أي حال أسرع من وسائل النقل الأرضية التي نستخدمها في العادة. 

هناك طريقة أخرى: السفر عبر الثقوب الدودية 

يتميز الزمكان بالمرونة -كما ذكرت- وهذا يعني أنه يمكن الانحناء، وهذه فكرة الثقوب الدودية التي تفتح بوابة يُطلق عليها اسم "جسر أينشتاين"، عند المرور عبرها ينتقل الإنسان من زمان إلى آخر، تمامًا مثل عبور الضوء من خلال النفق في هذه الصورة. 

السفر عبر الزمن عبر الثقوب الدودية 

لكن مهلًا، الأمر ليس بتلك السهولة، إذ لم يتم العثور على ثقب دودي حقيقي حتى الآن، ولكن تنبأت به النسبية العامة منذ ما يزيد عن قرن، ويضع عليه العلماء أملًا كبيرًا في تحقيق حلم السفر عبر الزمن. 

يقول مَثلٌ مصري: "اللي فات مات"، بمعنى أنه يصعب استعادة الماضي وتصحيح وضع ما، في نفس الوقت، هناك من يريدون السفر للمستقبل واستكشاف ما يحصل هناك. لكن لدي سؤال فضولي بعض الشيء. إذا كان السفر عبر الزمن ممكنًا، لماذا لم يزرنا أحد من المستقبل بعد؟ وإذا حصل، هل ستكون الحياة شيقة أم فوضى؟ 

اقرأ أيضًا: إذا كان العيش على أسطح الكواكب الأخرى حلمًا بعيد المنال.. لماذا ينفق البشر مليارات الدولارات في أبحاث الفضاء؟