"أنت تكذب" عبارة ذات وقعٍ ثقيلٍ على أذن من تقال له، لتراه ينتفض مستهجنًا نعته بالكاذب، فلا يوجد أحدٌ يقبل على نفسه هذه الصفة حتى وإن كان شخصًا كاذبًا بالفعل فإنه يفضل نكران ذلك. لكنك قد تلجأ للكذب في يومٍ من الأيام لغايةٍ ما، على الرغم من أنك مخلوقٌ بفطرة مُحبةٍ لقول الحقيقة، عندها سيتدخل جسدك لكشف صحة ما تقوله في سبيل إبعادك عن هذا الفعل، لأن للكذب أضرار قد لا تعرفها.

من هذا المنطلق أتى اعتبار الكذب على أنه عادة سيئة، فكذبة هنا وكذبة هناك، وتجد نفسك غارقًا في بحر هذا الفعل السيء حدَّ الإدمان، لتبدأ حينها معاناتك مع النتائج السلبية الظاهرة في حياتك، لدرجة أن تقف أمام المرآة لترى إن كان أنفك قد أصبح طويلًا كأنف بينوكيو نتيجة الكذب المستمر.

وما توصلت إليه الدراسات العلمية أن الكذب قد لا يطيل أنفك لكن قد تسرق من قدراتك العقلية.

هل تعلم أن من أضرار الكذب أنّه يجهد دماغك؟

صورة لأثر الكذب على الدماغ

قد لا تكون سمعت هذه المعلومة من قبل كحال الآخرين، ولن يخطر في بالك أن اختلاف الكلام قد يؤثر على عمل الدماغ، فقد أثبت العلماء أن قول الحقيقة لا يتطلب من الدماغ بذل أي مجهود، على عكس الكذب الذي يحتاج منه عملًا أكثر.

توضح جينيفر فينديما، وهي متخصصة في علم الأعصاب من جامعة ساوث كارولينا الموجودة في كولومبيا، أنه خلال الكذب تعمل منطقة قشرة الفص الجبهي الموجودة في الدماغ بشكلٍ أكبر من المعتاد، وهي التي تعد بمثابة قرص تخزين مؤقتٍ للمعلومات كونها تخزنها لفترة قصيرة، إضافةً إلى أن هذا الجزء الدماغي مسؤول عن التخطيط وإيجاد الحلول للمشكلات وضبط النفس أيضًا.

عن العلاقة بين هذه المهام والكذب؛ تُبيِّن أن دماغك يعمل على توظيفها في سبيل الاستمرار بالفعل دون فضح كذبك، فهو من يساعدك على تذكر تفاصيل ما تتكلم به كي تجده قابلًا للتصديق وتتمكن من الرد على أي تساؤلٍ متعلقٍ به، هذا ما يجعل دماغك يستهلك طاقة أكبر من قوتك الذهنية.

وتأكيدًا على ذلك؛ فقد استمرت الأبحاث العلمية التي اتفقت على الفكرة ذاتها في استنتاج مزيدٍ من المعلومات عن أضرار الكذب، كان أبرزها ما نشر عن إحدى الدراسات التي أجريت في بلجيكا خلال عام 2015، وأفضت إلى فكرة جديدة وهي أن الدماغ يصبح أبطأ وأكثر عرضةً للخطأ حينما ينتقل الإنسان بأقواله بين الكذب والحقيقة.

في حين أن أبحاث جينيفر فينديما عادت مجددًا، لتوضح أن عبء عمل العقل خلال الكذب سيكون أثقل بكثير مما هو عليه في العادة، وذلك سيسبب استهلاكًا أكثر للقوة الذهنية وبالتالي عدم القدرة على أداء مهامٍ عقليةٍ أخرى كحل مسألةٍ رياضية مثلًا.

كذلك نوهت فينديما إلى خطورة الاستمرار في الكذب الذي سيتحول إلى استنزافٍ يوميٍّ لطاقة الدماغ معيقًا إياه عن التفكير، ليترتب على ذلك نتائجُ سلبيةٌ مع مرور الزمن. فكن حذرًا يا عزيزي.

حقيقة تأثير بينوكيو على الأنف

بينوكيو وأنفه الطويل

يفترض أنك سمعت قصة بينوكيو الدمية التي اشتهرت بطول أنفها نتيجة كذبها الدائم. ومن هنا أتى ما يسمى (تأثير بينوكيو)، فمن غير المعقول أن يطول أنفك كلما كذبت وإلّا لكانت هناك نتائج كارثية على مظهر ممتهني الكذب، إنما أتت الحقيقة لتوضح أن الإنسان أثناء تفوهه بالكذب، تزداد درجة حرارة منطقة ما حول الأنف مع العضلة الموجودة في زاوية العين الداخلية، وذلك حسب دراسة تجريبية أجرتها جامعة غرناطة بتقنية التصوير الحراري.

إذًا فلتعلم أن طول أنفك سيكون بخير عندما تكذب لكنه قد يكشفك بحرارته، قد لا تكون هذه أخطر أضرار الكذب لكنّها ستفضحك فكن حذرًا.

للكذب أضرار أخرى

لن تقتصر آثار الكذب على الجسد فحسب، بل هناك آثارٌ سلبيةٌ أخرى تندرج ضمن المفهوم الاجتماعي والنفسي، حسب ما توصلت إليه فيكتوريا تالوار التي تعمل في جامعة ماكجيل كطبيبة مختصة بالطب النفسي، إن غالبية الناس لا يحبون الكاذب ويعدّونه غير جدير بالثقة، وهذا ما سينعكس سلبًا على علاقاته ويجعله شخصًا منبوذًا من الآخرين، حتى وإن كان يكذب بغرض المجاملة. فعلى سبيل المثال عندما تمدح أحدًا ما بشكلٍ متكررٍ فإنه يجد مديحك بالنهاية بلا معنى نظرًا لاستمراره، مما يقلل من قيمتك لديه ويفقدك المصداقية.

لماذا نلجأ إلى الكذب؟

بمجرد أن تدرك ضرر الكذب عليك سيتبادر إلى ذهنك تساؤلٌ بديهيٌ هو "لماذا نلجأ إلى الكذب؟" ولماذا نستسهل الكذب على قول الحقيقة؟ وغيرها من الأسئلة التي تصب في ذات الفكرة. إذا فكرت وبحثت قليلًا في هذا الأمر ستجد أن هناك أسبابًا كثيرةً تدفعك للكذب عوضًا عن الصدق، إليك أبرزها:

التخلص من العقاب

يملك الجميع هذا الدافع بصرف النظر عن العمر، وهو إخفاء حقيقة ما فعلوه هربًا من العقوبة، ما يجعلهم يلجؤون لقول الأكاذيب التي من المحتمل أن تكون خطيرة على أطراف القصة. فمثلًا حينما تتهم شخصًا آخر بالسرقة بينما تكون أنت الفاعل ستعرضه إلى تلقي العقوبة ظلمًا، هذا ما سيعود على الطرفين بنتائج لا تحمد عقباها.

إخفاء الفائدة أو المنفعة

من الممكن أن تكذب في موقفٍ من المواقف عندما تعرض عليك مكافأة أو منفعة مادية لقاء ذلك، فهنا ستجد مصلحتك هي الأهم دون الاكتراث إلى نتائج ما تفعله.

حماية النفس

ربما تتعرض للخطر أو الأذى جرّاء أمرٍ ما، فتضطر للكذب كي تنجو بنفسك، ويعد هذا الفعل مبررًا نوعًا ما فسلامتك هي الغاية الأولى والأخيرة، وكما يقال: الغاية تبرر الوسيلة.

الرغبة في وجود الخصوصية

من منا لا يحب أن يحتفظ بأمورٍ خاصةٍ به تندرج تحت مسمى الخصوصيات؟ لكنْ هناك كثير من الأشخاص الفضوليين ممن تتملكهم الرغبة في معرفة كل شيء عنك بأدق التفاصيل، هذا ما يجعلك تلجأ إلى استخدام الكذب أثناء تعاملك معهم بغية المحافظة على أسرارك الخاصة.

باعتقادي أنه كذب مبرر نوعًا ما، فهو غير مؤذٍ للآخرين وأفضل من أن تكون فظًا مع الأشخاص المتطفلين على حياتك.

زيادة عنصر التشويق للحديث

يكذب بعض الأشخاص أثناء سردهم للأحاديث دون مبررٍ سوى زيادة الإثارة والتشويق فيما يتكلمون عنه، أي كما يقال في بلادنا العربية (زيادة البهارات للحديث)، وعادةً ما يمنحهم هذا الكذب طاقةً للتحدث وقتًا أطول مما لو تكلموا الحقيقة فقط.

بغرض المجاملة

معظمنا يستخدم الكذب وسيلة للمجاملة والتهرب من قول الحقيقة عندما لا يكون مضطرًا إليها، وذلك بقصد عدم إزعاج الطرف الآخر، مثلًا كأن تقول لأحدهم إن لباسه جميلٌ ومناسب لحضور حفلة ما، بينما رأيك يقول عكس ذلك، ولكنك لست مضطرًا لإحراجه بحقيقة ما تُسره عن الموضوع.

كيف تتخلص من الكذب وأضراره؟

حينما تُسقط المقولة التي يتداولها الناس عادةً (كل شيءٍ يزيد عن حده ينقلب إلى ضده) على فكرة الاستمرار بالكذب، ستستنتج أن لذلك نتائج سلبية وربما تكون كارثية، فإن كنت تعاني من هذه المشكلة، لا تقلق؛ يوجد خطوات عديدة تخلصك من الكذب وتوابعه، إليك أهمها:

الاعتراف بالمشكلة

إنه لأمرٌ جيدٌ أن تعترف بمشكلتك التي تعاني منها، فالاعتراف بوجودها هو الخطوة الأولى للتخلص منها، لذلك يمكنك أن تلجأ لشخصٍ تثق به وتتحدث معه بصراحة مطلقة حتى يساعدك في التخلص من الكذب ولا داعي للخجل أبدًا.

اقنع نفسك بضرر الكذب

بمجرد أن تفكر قليلًا بعواقب الكذب على حياتك من كافة النواحي، فإن هذا سيقنعك بضرورة الابتعاد عنه كي لا تفسد حياتك، فمن المؤكد أنك ترغب بالحياة المستقرة والخالية من المشاكل، لذلك عليك بقول الحقيقة.

حاول معرفة سبب لجوئك للكذب

لكل فعل في هذه الحياة سببٌ كامن وراءه، لهذا فكر جيدًا بحقيقة دوافعك للكذب، وما هي غايتك الرئيسية منه؟ عندها ستتمكن من التصالح مع ذاتك والتخلص من تلك الدوافع بغية الابتعاد عن الكذب، وتذكر جيدًا هذه المقولة (إذا عُرف السبب بطل العجب).

اعترف بكذبتك

من الممكن أن تعترف بالكذبة لحظة وقوعها وأمام من تكذب عليه، فذلك سيخلصك من تأنيب الضمير الذي يلحق بك، إضافةً لتعاطف من يتعامل معك ومسامحتك عند الكذب أيضًا.

ومن الممكن أن تحصل على مساعدته للتخلص من الكذب وأضراره. صحيحٌ أن هذا الحل قد يسبب لك الإحراج، لكنه يجعلك تفكر مرارًا وتكرارًا قبل قول أي كذبة.

وأخيرًا، عليك بتعويد نفسك على قول الحقيقة بعد أن تقتنع بضرورة الابتعاد عن الكذب لما له من آثار سيئة عليك وعلى الآخرين، فلا بأس أن تضع نفسك مكانهم وتتخيل أن أحدهم يكذب عليك، يا ترى كم ستتأثر في هذه الحالة وتجد نفسك مخدوعًا؟ إذًا فلتعتد على قول الصدق باستمرار مهما كلف الأمر.

اقرأ أيضًا: دليلك للتعامل مع الفضولييلولا خصالهم السيئة لمتنا جميعًا…لماذا نحتاج الأشرار في حياتنا؟