ظهر مؤخرًا جدري القرود كعدوى نادرة الحدوث لكنها خطيرة مشابهة لفيروس الجدري الذي تم القضاء عليه مسبقًا وبناءً عليه توقع التطعيم ضدّه، وسط حالةٍ من التأهّب الصحيّ العالميّ في حالة عودة ظهور جائحة الجدري من جديد، وخوف متزايدٍ من تكرار سيناريو مشابهٍ لجائحة كوفيد.

ما هو جدري القرود؟

هو مرض فيروسي حيواني المنشأ (ينتقل إلى الإنسان عن طريق الحيوانات) مع أعراض مشابهة جدًا لتلك التي شوهدت في الماضي لدى مرضى الجدري، على الرغم من أنّها أقل خطورة من الناحية السريرية.

يتبع فيروس جدري القردة لتنميط الحمض النووي DNA وينتمي إلى جنس Orthopoxvirus من عائلة Poxviridae. تم تسجيل نوعين من الفصائل الجينيّة المتميّزة لفيروس جدري القرود إحداها وسط إفريقيا (حوض الكونغو) والأخرى غرب إفريقيا.

غالبًا ما يظهر بالقرب من الغابات الاستوائية المطيرة، وقد ظهر مؤخرًّا بشكلٍ متزايد في المناطق الحضرية. حيث تشتمل الحيوانات المضيفة على مجموعة من القوارض والرئيسيات غير البشرية.

بداية ظهوره في الماضي وحقيقة انتشاره اليوم

تم التعرّف على جدري القرود لأوّل مرة في البشر في عام 1970 في جمهورية الكونغو الديمقراطية في صبيّ يبلغ من العمر 9 سنوات في منطقة تمّ فيها القضاء على الجدري في عام 1968. منذ ذلك الحين، تمّ الإبلاغ عن معظم الحالات في المناطق الريفيّة والغابات المطيرة في حوض الكونغو، ولا سيّما في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مع تزايد تسجيل إصابات بشريّة في جميع أنحاء وسط وغرب إفريقيا.

يعدّ جدري القرود مرضًا ذا أهميّة كبرى بالنسبة للصحة العامّة العالميّة لأنّ تأثيره لا يقتصر فقط على بلدان غرب ووسط إفريقيا، بل يشمل بقية بلدان العالم. في عام 2003، كان أوّل انتشار لجدري القرود خارج إفريقيا في الولايات المتحدة الأمريكية وكان مرتبطًا بالاتصال بكلاب البراري الأليفة المصابة.

تم إيواء هذه الحيوانات الأليفة مع فئران مستوردة من غامبيا بالإضافة إلى حيوان الزغيبة القادم من غانا. أدّى هذا التفشّي إلى تسجيل أكثر من 70 حالة إصابة بجدري القرود في الولايات المتحدة، كما تمّ الإبلاغ عن جدري القرود عند المسافرين من نيجيريا إلى إسرائيل في سبتمبر 2018، إلى المملكة المتحدة في سبتمبر 2018، وديسمبر 2019، وأيار 2021 وأيار 2022، إلى سنغافورة في أيار 2019 ، وإلى الولايات المتحدة الأمريكية في يوليو ونوفمبر 2021.

لكن ما يحصل حاليًا في شهر مايو 2022، يشكّل سابقة غير معهودة من خلال تسجيل حالات متعددة من الإصابة في العديد من البلدان غير الموبوءة مسبقًا كالبرتغال وإسبانيا وأخيرًا ظهوره في بريطانيا التي تشهد حاليًّا أكبر انتشار لجدري القردة على الإطلاق، مع تسع حالات مسجّلة رسميًّا.

من النادر مشاهدة هذا الفيروس في بريطانيا، إذ تمّ ربط معظم الحالات المسجّلة بالسفر إلى أجزاء أخرى من العالم التي تشهد انتشارًا أكبر للفيروس، وخاصّة بلدان غرب إفريقيا.

طرق انتقال العدوى

على عكس فيروس كورونا، لا يمكن لجدري القرود أن ينتشر بسهولة بين السكان لأنّه يتطلّب اتصالًا وثيقًا للغاية.
عادةً ما ينتقل الفيروس من قارض أو حيوان صغير يتبع للثدييات إلى الإنسان. مع ذلك، يمكن أن ينتشر فيروس جدري القرود من خلال ملامسة سوائل الجسم، أو تقرّحات الجدري أو الأغراض الشخصية للمصاب مثل الملابس والفراش الملوثة بالفيروس.

يمكن أن ينتشر أيضًا من شخص لآخر من خلال الرذاذ التنفسي، وفقًا لمركز السيطرة على الأمراض.

كما أضافت منظمة الصحة العالمية (WHO) أنّ هناك خطرًا ضئيلًا لانتشار الفيروس من شخص مصاب في حال التزام المخالطين له ببروتوكولات العزل والحماية. حيث يقدّر خطر إصابة شخص مخالط لمريض يعيش معه بنسبة 10 في المائة فقط.

أعراض جدري القرود

تبلغ فترة حضانة جدري القرود حوالي أسبوع إلى أسبوعين، ويستمرّ المرض عادةً لمدّة تتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع، ويتعافى معظم الأشخاص من تلقاء أنفسهم.

بحسب هيئة خدمات الصحة في الولايات المتحدة (UKHSA) تشتمل الأعراض الأوليّة على ما يلي:

  • الحمى.
  • القشعريرة.
  • التعب.
  • الصداع.
  • آلام العضلات وآلام الظهر.
  • ضخامة الغدد اللمفاوية.
  • طفح جلدي مميّز، يبدأ غالبًا على الوجه قبل أن ينتشر في جميع أنحاء الجسم، بما في ذلك الأعضاء التناسلية.

وفقًا لمنظمة الصحّة العالميّة، يمكن أن تكون الأعراض خفيفةً أو شديدة، كما يمكن أن تكون الآفات شديدة الحكة أو الإيلام.

التشخيص

يشمل التشخيص التفريقي السريري الذي يجب مراعاته أمراض الطفح الجلدية الأخرى، مثل جدري الماء والحصبة والتهابات الجلد الجرثوميّة والجرب والزهري والحساسية المرتبطة بالأدوية. يمكن أن يكون اعتلال العقد اللمفاويّة أثناء المرحلة البادرية من المرض سمةً سريريّة لتمييز جدري القرود عن جدري الماء.

يعدّ تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR) الاختبار المخبري المفضّل نظرًا لدقته وحساسيته. لهذا الغرض، تؤخذ العينات التشخيصيّة المثلى لجدري القردة من الآفات الجلدية المشاهدة كالحويصلات والبثور والقشور الجافة.

عادةً ما تكون اختبارات PCR غير حاسمة بسبب قصر مدّة الإصابة بالفيروس بالنسبة لتوقيت جمع العينات بعد بدء الأعراض. لذلك يجب تقديم معلومات دقيقة عن المريض مع العينات بما في ذلك: تاريخ ظهور الحمى، تاريخ ظهور الطفح الجلدي، تاريخ جمع العينات، الحالة الحالية للفرد (مرحلة الطفح الجلدي) والعمر.

العلاج

لا يوجد علاج محدّد لجدري القرود، لكن يوجد لقاح لمنع تطور المرض.

ينبغي تحسين الرعاية السريريّة لمرضى جدري القرود بشكلٍ كامل للتخفيف من الأعراض والتحكّم بالمضاعفات ومنع العواقب طويلة المدى، من خلال: تقديم السوائل والطعام للمرضى للحفاظ على الحالة التغذوية المناسبة.

معالجة الالتهابات البكتيرية الثانوية

تمّ ترخيص العامل المضاد للفيروسات المعروف باسم tecovirimat الذي تم تطويره لمرض الجدري من قبل الجمعية الطبية الأوروبية (EMA) لجدري القرود في عام 2022 بناءً على بيانات من الدراسات التي أجريت على الحيوانات والبشر. لكنّه ليس متاحًا على نطاق واسع حتّى الآن.

اللقاح ضد جدري القرود

تمّ إثبات فعاليّة التطعيم ضد الجدري من خلال العديد من الدراسات القائمة على الملاحظة ليكون فعّالًا بنسبة حوالي 85٪ في الوقاية من جدري القرود. بالتالي قد يؤدّي التطعيم المسبق ضد الجدري إلى مرض أكثر اعتدالًا. يمكن العثور على دليل على التطعيم المسبق ضد الجدري على شكل ندبة في أعلى الذراع.

في الوقت الحالي، لم تعد لقاحات الجدري الأصلية (الجيل الأول) متاحة لعامّة الناس. قد يكون بعض العاملين في المختبرات أو العاملين الصحيين قد تلقّوا لقاحًا حديثًا للجدري لحمايتهم في حال التعرّض لفيروسات الأورثوبوكس في مكان العمل.

لقد جرت الموافقة على لقاح جديد قائم على مستضدّ مضعف معدّل (سلالة أنقرة) للوقاية من جدري القرود في عام 2019. يتألّف هذا اللقاح من جرعتين لكن ما زال توفره محدودًا.

إنذار المرض

يتعافى معظم الناس تمامًا في غضون شهر، ولكن يمكن أن يكون قاتلًا في بعض الحالات. إنّ معدّل الوفيات غير معروف بدقّة حتّى الآن. ويُعتقد أنّه يتراوح بين واحد و 10 في المائة.

مع ذلك، فإنّ الأطفال معرّضين لخطر أكبر من البالغين. كما قد يؤدّي جدري القرود أثناء الحمل إلى مضاعفات خطيرة كجدري القرود الخلقي أو حدوث الإملاص.

إنّ زيادة الوعي بعوامل الخطر وتثقيف الناس حول التدابير التي يمكنهم اتخاذها لتقليل التعرض للفيروس يمثّل الاستراتيجية الرئيسية للوقاية من جدري القردة. حيث ما تزال الدراسات العلميّة جاريةً لتقييم جدوى وملاءمة التطعيم للوقاية من جدري القردة ومكافحته.

المراجع: 1،2

اقرأ أيضًا: شبابنا الأكثر إصابة به…سماعة طبية جديدة تكشف قصور القلب في 15 ثانية