دأبت الفلسفة عبر تاريخها أن تبتعد عن الحياد، فالحياد يمثّل اللاموقف وقد يعدّه الكثيرون نوعًا من السلبية، فألّا تتخذ موقفًا يعني أنك في الوسط، وهذا يناقض المنطق التقليدي والفلسفات الكلاسيكية. مع ضرورة التنويه إلى أن الفلسفة المعاصرة على يد الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل قد تطرقت لفكرة التوقف عن الحكم، ولكن ليس بمعنى الحياد وإنما بمعنى الوقفة المؤقتة كمرحلة من مراحل المنهج الفينومينولوجي.

ومع التطور العلمي المتلاحق، بدأت طبيعة المعرفة تتغير، ولم يعد البحث عن اليقين المعرفي هدفًا بحد ذاته، وأصبح من غير الممكن امتلاك حالة معرفية عليا، وصار لزامًا على المفكرين والباحثين إيجاد مفاهيم جديدة ونظرياتٍ تتماشى مع حجم التغييرات التي يفرضها العلم، والتي قد تصل أحيانًا إلى تغيير لحظي وآني.

ضمن هذا الواقع جاءت نظرية النيوتروسوفي بوصفها مثالًا حيًا للابتعاد عن اليقين الفلسفي، والبحث عن الحقيقة المطلقة، فما هو معنى النيوتروسوفي؟ وما هي أهم تطبيقاته؟

معنى النيوتروسوفي ومكانه بين الشك واليقين الفلسفي

هو فرع جديد معاصر في الفلسفة، ويمثل نظرية وضعها باحث الفلسفة الأمريكي وعالم الرياضيات فلورنتين سمارنداكه، تنطلق هذه النظرية من اعتبار أن كل فكرة تحمل برهان صدقها كما تحمل برهان كذبها في الوقت نفسه.

هذه النظرية تضعنا أمام اعتقاد أن كل فكرة تحتمل التأويل، فالاحتمالات مفتوحة وليس ثمة وجودٌ ليقين مطلق في الأحكام، وخاصة المنطقية منها، وهذا يجعل للحياد مكانة وقيمة، ويؤسس له وجودًا في واقع ليس فيه أي فرصة لليقين.

أما لغويًا فمصطلح نيوتروسوفي مشتق من Netro والـــذي يعنــــي محايــــد Neutral والثــــاني Sophia والــذي يعنــي باليونانيــة حكمــة ليصبح المعنى الكامل الفكر المحايد، أو الفلسفة المحايدة.

قدم سمارنداكه نظريته هذه في العام 1995م، ليؤسس لنظرية الاحتمال التي بدأت مع ميكانيكا الكم، والتي انطوت على لايقين مرتبط بطاقة وكمية حركة الجسيمات.

اقرأ أيضًا: الفلسفة العدمية

سمات النيوتروسوفي:

يحدثنا الدكتور صلاح عثمان في كتابه (الفلسفة العربية من منظور نيوتروسوفي) الذي كتبه بالشراكة مع سمارنداكه عن مجموعة من سمات النيوتروسوفي، ويلخصها بما يأتي:

  • تقترح النيوتروسوفي قضايا ومبادئ فلسفية جديدة.
  • تعمل على تأويل غير القابل للتأويل.
  • تناقش مفهوم اللاتحديد الذي يكتنف عالمنا المعاصر.
  • تقيس مدى استقرار الأنساق غير المستقرة.
  • تسعى لنشر السلام بين الأفكار المتعارضة.

شعارات النيتروسوفي وعلاقتها بالشك واليقين الفلسفي:

تنطلق النيوتروسوفي من اعتبار أن الكل ممكن، وحتى ما نجده مستحيلًا يحتمل الحدوث في وقت ما وفي ظرف ما، وهذا يعني دراسة الفلسفة الدينامية أي الطريق اللامتناهي لأي فكرة.

وليتم شرح هذه الفكرة بدقة أكثر لا بد أن ننطلق من ديالكتيك هيغل الذي يتحدث عن القضية ونقيضها والمركب منهما، ليأتينا ماركس فيحدثنا عن التأكيد والنفي، ومن ثم نفي النفي، لننتقل مع فلسفتنا الجديدة إلى حياد القضية، فإن كان لدينا القضية /ص/ ونقيضها، فإننا هنا نتحدث عن حياد /ص/.

اقرأ أيضًا: المثالية بين الفلسفة و الواقع.

بعض تطبيقات النيوتروسوفي:

أولًا – قانون الاتزان:

ينطلق هذا القانون من فكرة أنه كلما زادت /أ/ فإن نقيضها ينقص، وهذا يفسر بالعلاقة الآتية:

/أ/ . نقيض/أ/ يعطي كـ أي حياد /أ/
وبعبارة أخرى يمكن القول: كل شيء * اللاشيء يعطي ثابت عام

مضمون هذه العلاقة أننا نجعل من المفاهيم الفلسفية رياضية، فالمادية والمثالية كلاهما يخلقان في المجتمع ثابتًا أساسيًا وهذا الثابت يمثل الحياد بالنسبة لكل منها، وهذا ما يجعل المجتمعات تستمر فعليًا.

ثانيًا - قانون نقيض الانعكاسية:

هذا قانون جديد في المنطق ينطلق من فكرة أن (أ) في مرآة ذاتها تتلاشى وتنتهي، وهذا يعني بمثال يرتبط بحياتنا اليومية، أن الزواج بين الأقارب سيؤدي إلى أمراض وراثية كارثية، وهذا يعني أن (أ) إذا تزاوجت مع (أ) ستؤدي إلى نتيجة مشوهة، وهذا ينفي فكرة أن الشبيه يعطي نتيجة إيجابية مع شبيهه.

ثانيًا – المنطق النيوتروسوفي بين اليقين والشك:

يتوصل سمارنداكه إلى منطق جديد يهدف إلى قياس الصدق والكذب واللاتحديد، وهذا الأخير هو ما يميز المنطق النيوتروسوفي عن المنطق المتعارف عليه في الفلسفة الكلاسيكية، والذي تعلمنا فيه أن الجملة الخبرية التي نستطيع الحكم عليها بالصدق أو بالكذب تتحول لتصبح قضية منطقية.

أما هنا فلدينا حكم ثالث هو اللاتحديد، وهذا يعني أنه لا يوجد صدق مطلق، ولا يوجد كذب مطلق فكل شيء نسبي، فنقول بأن عبارتنا صادقة بنسبة معينة يتم تحديدها حسب الموضوع المدروس.

ثالثًا – تطبيقات النيتروسوفي على الفكر العربي الإسلامي:

يتمثل هذا التطبيق بمحاولة الدكتور صلاح عثمان تطبيق النيوتروسوفي على الفكر العربي الإسلامي، من خلال تحليل الإشكاليات التي يهتم فيها، وبحث دلالة المصطلحين (حضارة عربية وحضارة إسلامية) وتحديد الفرق بينهما، مع تبيان إمكانية وجود استيعاب للاختلاف العقلي في مجالي علم أصول الفقة وعلم الكلام.

يضاف إلى ما سبق قوانين كثيرة كقانون التكميل الذي تسعى من خلاله /أ/ لتكتمل من خلال اجتماعها بما ليس /أ/ كاجتماع الرجل والمرأة في الحياة والحب والعلاقات، وهناك أيضًا قانون التأثير المنعكس الذي يعني أن الإفراط بقانون ما يؤدي إلى اختزال العمل والتقاعس في تطبيقه، وهذا موجود في حياتنا ونراه بشدة، فعندما تصر الأم وتجبر ولدها على الدراسة المستمرة فقد ينعكس هذا عليه سلبًا ويدفعه إلى التراجع والتقاعس والابتعاد عن النجاح وأحيانًا قد يؤدي للفشل.

وعمومًا ثمة الكثير من القوانين التي تطرحها النظرية النيوتروسوفية، وهذه القوانين قابلة للتطبيق في الحياة الاجتماعية وفي العلوم المختلفة كعلم النفس والاقتصاد وغيرها، وما نقصده حقًا من قولنا هذا، أن حياتنا المعاصرة تفرض كل يوم علينا قوانين جديدة تنفي اليقين الذي عاش الإنسان ضمنه آلاف السنين، لا بل تصل إلى حدود أعمق من ذلك، فالحياد لا يعني السلبية، إنه موقف بحد ذاته، وأحيانًا لا يكفي أن ندرس إمكانية تحقق فكرة ما، وإنما علينا أن نبحث عن شروط استحالتها، لربما نستطيع وقتها تجاوز هذه الشروط لخلق الإمكانية مجددًا.

إذًا مع النيوتروسوفي لا يكفي أن تعرف ذاتك لتعرف الآخرين، وإنما عليك أحيانًا أن تعرف الآخرين كي ترى ذاتك في مرآتهم، فالإنسان تابع ومتبوع في وقت واحد، وتطبيق العلاقات الرياضية على المفاهيم المتعلقة به لا يعني أبدًا أننا تغاضينا عن الروح، وإنما يعني أننا بدأنا برؤية جوانب لم نكن نراها سابقًا، فالروح والمادة، كيف وكم ممتزجان مع بعضهما بعضًا.

ومع النيوتروسوفي، كما يحق لنا التساؤل عن الأسباب التي تجعلنا بحاجة للفلسفة اليوم، يلوح في الأفق تساؤل آخر حول عدم حاجتنا للفلسفة في العالم المعاصر، وكل ذلك ينصب في الحقيقة لبناء فلسفة جديدة تراعي الحياد، وتؤسس لواقع يحترم التغيرات العلمية ويرافقها كي يناقش حيثياتها القيمية والأخلاقية تارة، ويثني على مجالاتها التطورية تارة أخرى.

فالحياة مركب من مادة ونقيضها وحياد، ويبقى ذلك في حيز التوقع وتبني التعددية حتى نجد نظرية جديدة تغير ما سبق وتعطينا نظرة أشمل عن الشك واليقين في الفلسفة والحياة.

المراجع:

  • سمارنداكه، فلرونتين، د.أمين، صلاح، الفلسفة العربية من منظور نيوتروسوفي، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2007م.
  • الجالي، د.زكريا منشاوي، صدق وكذب القضايا في المنطق النيوتروسوفي، المجلة العلمية بكلية الآداب، جامعة حلوان، العدد الثالث والثلاثون، يوليو 2019م.

اقرأ أيضًا: الشك ضرورة من ضرورات اليقين