عندما تتراكم ضغوط العمل على ظهرك، وتتثاقل هموم الحياة الروتينيّة على كاهلك، وسط إلحاح أطفالك وتهافت أصواتهم الصاخبة، ستعلن طواعيةً عن حاجتك الملحّة لقسطٍ من الاسترخاء. تحزم أمتعتك، تتكاتف وأطفالك، شادّاً رحالك إلى أحضان الطبيعة، رامياً بمرساة سعادتكم في أعماق مياه البحر فهل سمعت يومًا عن الغرق الجاف؟

مياه البحر؛ تلك البدعة الخلّاقة التي تأسر عينيك في لمعان مياهها، تجذبك بصفاء زرقتها، وتغريك ببياض زبدها، فتسلم نفسك لتهادي أمواجها، نائمًا بين حناياها لتعيدك إلى شطّها منتعشًا ومنتشيًا.

لكن ماذا لو تربّص في قلب تلك الطبيعة الساحرة قاتلٌ صامت بيده القدرة على خطف الأرواح وسلبها بهجة المهد ليعيدها جسدًا هامدًا إلى اللحد.

الغرق الجاف شيطانٌ له من اسمه نصيب

يعدّ الغرق سببًا رئيسيًا لحدوث الوفاة بين الأطفال دون سن الخامسة، لا سيما في المناطق التي يسهل فيها الوصول إلى الشواطئ وحمّامات السباحة. حيث تشير الدراسات إلى أنّ الغرق الجاف قد يكون مسؤولًا عن 10_15% من هذه الحالات.

على الرغم من أنّ الغرق الجاف مصطلحٌ غير دقيق طبيًّا، إلا أنّ بعض الباحثين والأطباء لا يزالون يستخدمونه في إشارةٍ منهم إلى اختلاطات الغرق وحالاته التي لا يصل فيها الماء إلى الرئتين، إذ يتسبّب الماء بتشنّج انعكاسي في الحنجرة والطيات الصوتية وما يعقبها من إطباق في الشعب الهوائية، ليحول دون وصول الهواء إلى الرئتين. حيث إنّ الماء سيكتفي بإحداث هذه التشنّجات دون قدرته على دخول الرئتين، لذلك اصطلح على توصيف هذه الحالات بالغرق الجافّ.

الغرق الجاف والغرق الرطب وجهان لعملةٍ واحدة

قد يتمّ الغرق بإحدى آليتين، إمّا بالآليّة الجافّة أو الرطبة. يكمن الفرق بينهما أنّ الغرق الجاف كما ذكرنا سابقًا يحدث عندما يستنشق الطفل الماء من خلال الأنف أو البلعوم، فيتسبّب بتشنّجٍ في مجرى الهواء وصعوبة في التنفس، دون وصول الماء إلى الرئتين بسبب هذا التشنج الانعكاسي للحبال الصوتية. إذ تظهر أعراضه بشكلٍ صارخٍ معلنةً حالة الطوارئ.

أمّا بالنسبة للغرق الرطب أو الثانوي أو المتأخّر، فيحدث عندما يستنشق الطفل الماء إلى رئتيه، ممّا يتسبّب بحدوث التهابٍ وتورّم في النسيج الرئوي يدعى بالوذمة الرئويّة. من الممكن أن تحدث هذه الوذمة بعد ساعات أو حتّى أيّامٍ من حادثة الغرق الأولي. حيث يعود سبب الوفاة في هذا النمط إلى امتلاء الأسناخ الرئوية بالسوائل ما يمنع دخول الأوكسجين ويعيق حدوث المبادلات الغازية الدمويّة.

اقرأ أيضًا: دليلك للنجاة من غرق سفينة في عرض البحر.. خطوات بسيطة وحاسمة تنقذ حياتك.

الأسباب الكامنة وراء حالات الغرق الجاف

تتنوّع الأسباب التي توقع الشخص في مصيدة هذا الغرق المخاتل منها:

  • الذعر من السباحة وحدوث التشنّج خلالها.
  • تعاطي الكحول أو المخدرات قبل النزول إلى الماء.
  • صدمة على الرأس أثناء الغوص أو السباحة.
  • حالات الطوارئ الطبية كالنوبات القلبيّة، أو انخفاض سكر الدم.
  • وضعية الاستحمام الخاطئة عند غسيل الرضع، وانصراف انتباه الآباء عن الأطفال الأكبر سناً الذين يدفعهم حماسهم للقفز غير الواعي في الماء.

أعراض وعلامات الغرق الجافّ

ستظهر أعراض الغرق الجاف في غضون ساعة بعد الخروج من الماء. قد يتبدّى تشنّج الحنجرة الخفيف بصعوبةٍ في التنفّس، أو قد يكون شديداً لدرجة منع دخول الأوكسجين إلى الرئتين وخروجه منهما. لذا تشمل الأعراض التي يجب مراقبتها وأخدها بعين الاعتبار ما يلي:

  • صعوبة التنفس أو التحدّث مع الإحساس بألم صدري
  • تغيّر الحالة العقلية للطفل وملاحظة سلوك غير اعتيادي
  • سعال
  • التعب والميل للنعاس
  • جلد شاحب أزرق

نتيجة لهذه الآلية الفيزيولوجية وانطلاقاً من هذه الأعراض قد يجد طفلك صعوبةً في التحدث والتعبير عمّا يشعر به، لذلك من المهمّ جداً مراقبته بعنايةٍ بعد خروجه من أحواض السباحة والتأكّد من سلامته.

اقرأ أيضًا: لمحبي المغامرات البحرية.. أقوى أفلام مغامرات بحرية دارت أحداثها في قلب المحيط.

وسائل التشخيص

في حال تعرّض الطفل لحادثة غرق فمن المهمّ أن يقوم الطبيب بفحصه على الفور، لا سيما إذا لوحظت عليه علامات الشدّة كصعوبة في التنفس، أو الشعور بالتعب بشكلٍ غير طبيعي. لتشخيص الغرق الجاف سيجري الطبيب العديد من الفحوصات الطبية لتقييم التنفس بما في ذلك:

  • صورة شعاعية بسيطة للصدر لتحرّي وجود أي سوائل في الرئتين.
  • اختبار الإشباع الأوكسجيني الذي يحدّد مستوى الأوكسجين في الدم.
  • التحقق من أسباب الضائقة التنفسية ونفي حدوث الوذمة الرئوية.

بناءً عليه سيتمّ تقييم درجة خطورة الحالة وإقرار العلاج المناسب لها على الفور.

التدابير والعلاج

من المهمّ ملاحظة أنّ مقدار الإصابة الناجمة عن الغرق تعتمد على المدة المنقضية دون أوكسجين، لذلك في حال وجدنا الشخص الذي تعرض لحادثة غرقٍ يعاني من سعال أو صعوبة في التنفس مصحوبةً بمظهر شاحب مزرق، وجب حصوله على رعاية طبية إسعافيّة.

بينما يكون فريق الرعاية الطبية في طريقه لتقديم المساعدة، حاول إبقاء الطفل هادئاً حتّى تسترخي عضلات مجرى الهواء لديه ويهدأ تشنج حنجرته. بعد وصول المسعفين تتمّ مراقبة الطفل وبدء العلاج وفقاً لذلك. في حال كان الطفل في حالة حرجة نتيجة نقص الأكسجين سيهرع الأطباء إلى إجراء الإنعاش القلبي الرئوي CPR، أو حتى الاستعانة بأنبوب تنفسي (تنبيب الرغامى). بمجرّد استعادة الطفل لوعيه ينقل إلى المستشفى للقيام بمزيدٍ من الفحوص والمراقبة.

درهم وقاية خير من قنطار علاج

كما ذكرنا تعد أحداث الغرق وشبه الغرق من الأسباب الرئيسيّة للوفاة بين الأطفال؛ والتي يمكن حدوثها في غضون دقائق قليلة، لذا لتفادي خطر هذه الحوادث المأساوية يمكنك اتباع بعض الإجراءات مثل:

  • الابتعاد عن عوامل الخطر وتعليم الأطفال السباحة جيّداً.
  • الإشراف ومراقبة الأطفال عن كثب حين تواجدهم في الماء أو بالقرب منه.
  • توافر معدات السلامة، والتأكد من ارتداء الأطفال لسترة النجاة والواقيات الأخرى.
  • الإسعافات الأولية كالقيام بال CPR عند الحاجة.

قد يكون مصطلح الغرق الجاف مصطلحاً مضللاً لدى البعض، ولكن على أيّة حال يجب على الآباء أخذ أي حادثة غرق أو شبه غرق على محمل الجدّ، فكما يقول بيل غيتس "العلاج من دون التفكير في الوقاية عبءٌ لا يمكن تحمّله".