منذ زمن بعيد حاول عالم الاجتماع والاقتصاد ثورشتاين فبلن في كتابه The Theory of the Leisure Class وضع نظرية عامة تفسر تصرفات أفراد الطبقات المترفة في زمنه، بما في ذلك السلوك الاستهلاكي والمظاهر الجمالية الخارجية والجاذبية الجسدية.  

إلا أن الدراسات في هذا الصدد لم تتوقف عند النتائج التي توصل إليها فبلن، والتي كانت تجنح نحو ما هو اقتصادي أكثر مما هو اجتماعي، وبعده بزمن طويل جاء عالم الاجتماع الفرنسي وحاول قراءة وتحليل ظاهرة مشابهة «ملكة الذوق» وتحديد مدى التأثيرات الطبقية في ذوق الفرد، وقد أفرد للظاهرة كتابًا مخصصًا هو كتاب «Distinction : A Social Critique of the Judgement of Taste».

لكن ما هو جديد وأكثر تحديدًا أن يتم الربط بين الطبقة الاجتماعية وبين الصحة الجسدية والجاذبية؛ إذ تفترض دراسة جديدة نُشرت في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي Journal of Personality and Social Psychology أن هناك فرصة جيدة لمعرفة ما إذا كان شخص ما غنيًا أم فقيرًا بمجرد النظر إليه، أي من خلال النظر إلى وجهه فقط، ولنتذكر أن بيير بورديو كان يرى أنه من الممكن تحديد الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها المرء بمجرد النظر إلى حذائه!

تقول آر. ثورا بيورنسدوتير؛ طالبة الدراسات العليا في جامعة تورنتو والمؤلف المشارك للدراسة سالفة الذكر: 

لقد تم إثبات العلاقة بين الرفاهية والطبقة الاجتماعية؛ من خلال الأبحاث السابقة

 عمومًا، يميل الأشخاص الذين يملكون المال إلى العيش حياة أكثر سعادة وأقل قلقًا مقارنة بمن يكافحون من أجل تغطية نفقاتهم. لقد أثبتت الباحثة وفريقها أن "هذه الاختلافات في الرفاهية تنعكس في الواقع على وجوه الناس".

ربما يتسرع البعض باستنتاج أن الطبقة الاجتماعية هي المحدد الفعلي والوحيد لمدى كون المرء صحيحًا من الناحية الجسدية أو حتى جذابًا جنسيًا، أو قد يظن آخرون أن الأغنياء أكثر جاذبية جسديًا من الفقراء، والحقيقة أن الحق خلاف ذلك.

فالعامل الحاسم، كما سنبين بعد قليل، إنما يتمثل في نمط الحياة؛ فالناس الذي يعيشون حياة خالية أو منخفضة المعاناة من المرجح أن يصبحوا أكثر جاذبية جسديًا، وطالما أن الأغنياء يعيشون، في العادة، حياة منخفضة التوتر بمعدل أعلى من الفقراء، فإنهم يكونون أكثر جاذبية وصحة.

وبناءً على ذلك، إذا كانت الأسرة الفقيرة قادرة على تقليل مقدار التوتر في حياتها وحياة أطفالها، فإن الطفل الفقير سيظل يجني فوائد الجاذبية الجسدية المتزايدة التي تأتي من عيش حياة أقل ضغطًا.

اقرأ أيضًا: كيف تصبح رجلًا جذابًا؟

الصحة والثروة والجمال

هذه العوامل الثلاثة (الصحة، والثروة، والجمال) تتقاطع وتتلاقى في نفس الوقت، ويمكن أن نجد بينها تجاذبًا أو تنافرًا، لكن من المستحيل الخروج بنظرية عامة أو إطلاق حكم عام، ولكن حين نقصر الأمر على ظاهرة محددة قد يمكننا الخروج بنُسالة فكرية، تمكّننا من التعمق والفهم.

فلنقصر حديثنا إذًا على الصحة الجسدية للأطفال ومدى تأثير الانتماء الطبقي ومعدل الثروة على صحة الأطفال ونشاطهم. والملاحظة العامة تقول إن الأطفال المنحدرين من عائلات أكثر ثراءً يتمتعون بصحة جسدية ونشاط بدني أكثر بكثير مما هو لدى الأطفال الفقراء. 

بالطبع هذه ليست مصادفة؛ إذ يمكن أن يُعزى المظهر الأفضل دائمًا لهذه المجموعة من الأشخاص إلى أسلوب حياتهم؛ حيث يتيح الثراء لهؤلاء الأطفال أن يعيشوا حياة تكون في كثير من الأحيان أقل إرهاقًا بكثير من أولئك الذين يعانون من الفقر أو من الدخل المنخفض.

لا يواجه الأطفال الأثرياء، أيضًا، انعدام الأمن الغذائي، ولا يشعرون أبدًا بالوصمة الاجتماعية أو القلق الناجم عن افتقارهم إلى نوع معين من الملابس، ولا يتعرضون أبدًا للنزاعات داخل الأسرة التي تأتي من الضغط المالي.

 علاوة على ذلك، يتم منح هؤلاء الأطفال إمكانية الوصول إلى الأشياء الممتعة التي يريدونها، وجميع أنواع المرح والأنشطة والهوايات والإجازات التي تمنح الكثير من الراحة النفسية التي تنعكس، بطبيعة الحال، على الصحة الجسدية.

يؤدي النقص النسبي في التوتر والقلق الاجتماعي إلى انخفاض الكورتيزول لدى هؤلاء الأطفال. ومن المعروف أن الكورتيزول هو هرمون التوتر، ويتم إطلاقه في أي نوع من المواقف المجهدة. هناك هرمونات توتر أخرى مثل الأدرينالين والنورأدرينالين، ومن المحتمل أن تلعب دورًا مهمًا أيضًا.

اقرأ أيضًا: السيكوباتية والحب … ما سرّ الانجذاب للمرضى النفسيين؟

الجاذبية الجسديةالتفسير البيولوجي

هناك سبب بيولوجي يفسر لماذا يؤدي وجود مستويات عالية من الكورتيزول إلى جعل الشخص غير جذاب جسديًا. بطبيعة الحال، إذا كان لدى هذا الشخص مستويات عالية من الكورتيزول، فهذا يعني أنه يواجه باستمرار انعدام الأمن الغذائي، أو يواجه باستمرار تهديدات جسدية لحياته، أو يتواجد باستمرار في موقف مرهق قد يكون ضارًا.

من الناحية البيولوجية، يتجنب الناس غريزيًا التكاثر مع هؤلاء الأشخاص؛ لأن هذا يعني أن فرص نجاح أبنائهم ستكون أقل بكثير. إذا كان الشخص يتضور جوعًا بالفعل أو يتعرض لأذى جسدي، فإن وضع الطفل في نفس الموقف لا يعني سوى إنتاج إنسان متردٍّ على كل الأصعدة النفسية والاجتماعية بل والجسدية أيضًا.

هذه الزيادة في الكورتيزول لها آثار جسدية ملحوظة. غالبًا ما يتسبب الكورتيزول في إفراط الناس في تناول الطعام. نظرًا لأن الكورتيزول غالبًا ما يتم إطلاقه بسبب الجوع أو انعدام الأمن الغذائي، فإن الاستجابة الغريزية للشعور بالتوتر هي غالبًا تناول الطعام.

 يؤدي هذا إلى زيادة الوزن، وهو مؤشر على انعدام الجاذبية الجسدية في المجتمع الحديث لأسباب متنوعة مثل كونه علامة على الإجهاد، ونقص ضبط النفس، وخيارات غذائية سيئة، ولكن أكثر من ذلك علامة على انعدام الصحة العامة.

يتجاوز تأثير الكورتيزول ذلك أيضًا؛ نظرًا لأنه الهرمون الذي يتم إطلاقه أثناء الإجهاد، فهذا يعني أنه مصمم بيولوجيًا بطريقة تزيد من احتمالية بقائك على قيد الحياة في المواقف العصيبة. إذا لم يؤدِّ إطلاق الكورتيزول الناجم عن الإجهاد إلى زيادة احتمالية بقائك على قيد الحياة، فلن يتم اختياره لصالحك، ما يعني أنه لن ينتقل عبر جيل إلى جيل لدرجة أن يصبح جانبًا أساسيًا من جوانب العقل البشري.

كما يمكننا أن نفهم أن هرمونات التوتر مصممة لزيادة احتمالية البقاء على قيد الحياة في المواقف العصيبة، فيمكننا إذن استنتاج الآثار التي قد تحدث على الجسم.

من المهم أن نلاحظ أن الكورتيزول يقلل من كثافة العظام عند مستويات عالية بما يكفي؛ لذلك من المحتمل ألا يكون التصلب المرئي على الوجه، مثلًا، ناتجًا عن إجهاد شديد، بل عن إجهاد معتدل ولكنه ثابت لا يتعارض مع امتصاص الكالسيوم.

الانتقاء الجنسي أو دائرة المترفين المغلقة

هنا تأخذ الحاجة المطروحة طابعًا اجتماعيًا أكثر؛ إذ يمكن أن نعزو سبب  تفوق الأطفال المنحدرين من أسر ذات مستوى عال من الرفاه والثراء إلى فكرة الانتقاء الجنسي.

فمن البديهي أن يكون لدى الأثرياء القدرة على اختيار رفقاء/ شركاء يتمتعون بجاذبية وصحة جسدية مرتفعتين.

وينتج عن هذا في الواقع أمرين: يتمثل الأول في كون الأطفال الناتجين عن مثل هذه الزيجات سيكونون على قدر عال من الصحة الجسدية، أما الثاني فهو أن مثل هذه الطبقة المترفة (على حد تعبير ثورشتاين فبلن) ستكون مغلقة أكثر على نفسها، لا تتزوج إلا من داخل محيطها، ولا تعرف عن المجتمع الخارجي المحيط بها شيئًا، تلك ظاهرة تستحق تأملًا ودراسة أكثر تعمقًا، لا سيما ونحن في عصر "الكومباوند".

الوراثة

بالطبع هناك قدر كبير من الجاذبية الجسدية يخضع للصدفة وعلم الوراثة. ومع ذلك، حتى لو تم التحكم بهذه العوامل، فإن تأثير حياة الشخص وبيئته من المحتمل أن ينتج عنه تأثيرات مرئية على جاذبيته الجسدية.

إذا تم، على سبيل المثال، فصل توأمين متطابقين عند الولادة، ونشأ أحدهما في منزل مسيء ومجهد، بينما نشأ الآخر في بيئة ممتعة وخالية من الإجهاد، بعد أن تربى هذان الطفلان إلى سن الرشد، فمن المرجح أن يكون الطفل الأول قد تعرض لظروف مجهدة، وبالتأكيد ستكون الحياة الخالية من الإجهاد مختلفة، فضلًا عن كونها أكثر جاذبية بشكل واضح، عن تلك التي تتعرض لظروف وضغوط.

ومع ذلك، يمكن أن يكون هذا النقص في التوتر عند الرجال سيفًا ذا حدين من نوع ما. تنتج الحياة الخالية من الإجهاد ميزات ناعمة ومظهرًا لطيفًا. يُنظر دائمًا إلى هذا على أنه مظهر جيد للنساء، ولكن بالنسبة للرجال، يمكن أن يتسبب ذلك في ظهورهم بمظهر المخنثين أو قد يتم استبعادهم من دوائر الرجال.

إن مظهر العظام الناتئة، والأيدي الخشنة.. إلخ، الذي يعاني من ضغوط شديدة، وحياة عالية الصراع، ينتج عنه رجل متوحش ومهدد وخطير، ولكنه أيضًا رجل قوي وعدواني في ذلك. يُنظر إلى هذا على أنه جذاب جسديًا؛ لأنه على الرغم من عيشه في هذه الحياة المجهدة، إلا أن هذا الرجل قد نجا من هذه المصاعب.

هذا يعني بطبيعة الحال أن هذا الرجل قد حارب من أجل نفسه، ودافع عن نفسه، على الرغم من ظهور علامات واضحة على تعرضه للتهديد والتعرض للخطر، فإن حقيقة أنه نجا من هذه الأحداث ستجعله بدوره أكثر جاذبية لأولئك الذين يبحثون عن رفيق؛ لأنهم يستطيعون الاستدلال على أن هذا الرجل لديه القدرة على القتال والدفاع عن نفسه، حتى في أوقات الشدة.

التلوث والظروف البيئية الخطرة

ولعل التعرض للملوثات البيولوجية والعوامل البيئية الأخرى من العوامل التي يمكن أن يكون لها تأثير ضار في صحة الإنسان. 

نظرًا لأن الجاذبية الجسدية تعني أن تكون علامة على الصحة البدنية وسهولة المعيشة، فإن هؤلاء الأشخاص يصبحون بعد ذلك غير جذابين بشكل واضح؛ بسبب الظروف الخطرة والضارة التي يتواجدون فيها.

من المرجح أن يتجنب الأغنياء العيش في مناطق فيها تلوث شديد، على الرغم من أن العديد من الفقراء والطبقة الوسطى يعيشون أيضًا بعيدًا جدًا عن المستويات الخطرة للتلوث. في حين أن هذا يمكن أن يكون ضارًا بالتأكيد بصحة شخص ما وبالتالي مظهره الجسدي، فإن التعرض الشديد لهذه المواد الكيميائية لا يفسر ظاهرة الجاذبية الجسدية الغنية في المناطق ذات النشاط الصناعي المنخفض.

إن الفكرة الأساسية المطروحة هنا هي محاولة لتسليط الضوء على التناقض الظاهري القائل بأن الأطفال والبالغين الأغنياء دائمًا ما يكونون أكثر جاذبية من غيرهم. لم يقتصر الأمر على هؤلاء الأطفال المشهورين والأنيقين في المدرسة، ولكن أيضًا الأطفال ذوي المظهر الحسن في المطلق.

إذا لم يكن للثروة أي علاقة بالجاذبية الجسدية، فإن الجاذبية الجسدية ستكون موجودة عند مستويات مماثلة في جميع المجالات، وهذا نادرًا ما يكون صحيحًا. يمكن للمرء أن يشطب هذا بالكامل بسبب الانتقاء الجنسي للأثرياء، لكن هذا لا يفسر قلة من الأطفال الأغنياء الذين ينتهي بهم الأمر إلى أن يصبحوا غير جذابين بشكل واضح.

يُظهر هؤلاء الأطفال أعراض ارتفاع الكورتيزول، مثل زيادة الوزن، والعدوانية. قد يشير هذا إلى أنه على الرغم من كونهم أغنياء، إلا أن هؤلاء الأطفال لا يزالون موجودين في بيئة مرهقة. بطريقة ما، هؤلاء الأطفال، على مدار شبابهم، من خلال الضغوط الخارجية أو الداخلية، لديهم باستمرار مستويات عالية بما يكفي من الكورتيزول وهرمونات التوتر الأخرى التي جعلتهم غير جذابين جسديًا.