كيف تقاطعت أقدار سجناء “دروز بلغراد” و ” The way Back”؟

1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

يُوصَف السجن بمقبرة الأحياء.إن لم تمُت فيه جسديًا ،ستموت فيه روحيًا، والداخل إليه لا يُشبه الخارج منه أبدًا. هذه التجربة الإنسانية الصعبة نقلتها لنا أعمال أدبية وسينمائية كثيرة في محاولة لتوثيق معاناة الإنسان المسجون، ورصد الحياة في ذلك المكان المجهول.

في هذا المقال، جمعت لكم بين عملين مختلفين. أحدهما روائي والآخر سينمائي يصور كل منهما تفاصيل عن السجن والموت والحرية…

حكاية “حنا يعقوب” و” يانوش بوزنك”

“أين أنا في حبس الهرسك أم في قلعة بلغراد؟..لماذا أموت في هذا المكان من دون أن أرى زوجتي وابنتي وبيتي مرة أخرى؟ خرجت في الصبح أبيع بيضًا والشمس لم تطلع من وراء جبل صنين بعد، قبل عشر سنوات قبل 11 سنة قبل 12 سنة..”

هذه باختصار هي حكاية “حنا يعقوب”، بائع البيض اللبناني المسيحي .الذي خرج ذات صباح من عام 1860 ليبيع البيض على رصيف الميناء في نفس الوقت الذي كان فيه الضابط المسؤول عن ترحيل 550 دُرزيًا -اتُهموا بارتكاب مجازر ضد المسيحين-  يبحث عن أي شخص يُكمل عِدة المساجين حتى لايشك أحد بأن الباشا  قد أخذ رشوة وعفى عن واحد منهم.

نفس صورة الضابط  يُعاد تجسيدها في المشهد الافتتاحي من فيلم “طريق العودة  The way Back”.  إذ يظهر الضابط هذه المرة في بولندا  أثناء الحرب العالمية الثانية وهو يطلب من” يانوش بوزنك” أن يُوقّع على ورقة الاعتراف بالتُهم المنسوبة إليه ، ثم يُجبره على الاستماع لشهادة زوجته ضده. وكما لم يُمنح “حنا ” الفرصة لقبول أو رفض طلب الضابط ،لم يتمكن “يانوش” من الدفاع عن نفسه.

ليُرَّحل الأول إلى “بلغراد” كسجين بديل في سجون الإمبراطورية العثمانية ، ويُنقل الآخر إلى”سبيريا”  ليُستغلّ كـ يَد عاملة رخيصة لدى الاتحاد السوفيتي، إذن فكلاهما قد وقعا ضحية  لنظامين فاسدين يريدان ترهيب الأعداء وحفظ الولاء بأي طريقة ممكنة.

بين المشيْ إلى السجن والمشيْ نحو الحرية

يتتبع كل من الفيلم والرواية  السجناء في رحلتهم الطويلة. ففي حين اختار “يانوش” ورفاقه المشي نحو الحرية، اقتيد “حنا يعقوب” وإخوته المزعومون إلى المنفى. ورغم اختلاف الوجهة و نقطة الانطلاق إلا أن ظروفهم ومعاناتهم قد تشابهت أحيانًا وتطابقت أحيانًا أخرى.

فبعد ترحيلهم تم رميهم  في سجون  مظلمة وباردة ،مليئة بالقمل والعفن ،مكتظة بعشرات المساجين الآخرين المكدّسين فوق بعضهم البعض ، بلا أكل ولا أماكن لقضاء الحاجة فيها.   مُعرَّضين في كل وقت  للضرب والإهانة ومستغلين في الأعمال الشاقة في المناجم والبساتين والطرقات.

“أيها السجناء انظروا حولكم وسترون بأن سجنكم ليس بالأسلحة أو الكلاب أو الأسلاك الشائكة.

إن سجنكم هو “سيبيريا”، و الطبيعة هي سجّانكم وهيَ لا ترحم !

ومن الظروف المادية السيئة والمعاملة البشرية الوحشية ، إلى الظروف الطبيعية القاسية، فالمشي نحو السجن والحرية كانا في غاية الصعوبة.اضطر خلالها السجناء إلى  تسلق جبال تُغطيها الثلوج والغابات الكثيفة،و قطع الوديان والهضاب والصحاري.  مشوا ليلاً ونهارًا فتعاقبت عليهم  العواصف الثلجية والزوابع الرملية، باتوا في العراء،شربوا من ماء الأمطار والأنهار، أكلوا الدود والثعابين والأعشاب ولحاء الأشجار، وأَكلَهم البعوض والذباب..

                          ” ياللعجب بعد كل ماواجهناه تُعطّلنا حشرات صغيرة !(الفيلم)

عبروا قرى وبلدات لم يعرفوا يوما بوجودها، سمعوا لُغات كثيرة، احترقت وجوههم ،تشققت شفاههم وأصابعهم، وانتفخت وتقرّحت أرجلهم من السير المنتواصل.. وقبل أن تقضي هذه الرحلة قضى العديد منهم نحبه  إما من  البرد والجوع أو الحر والعطش والتعب.

                                ” هكذا سنموت إذًا ، بلا رصاص على الطريق !(الرواية)

حلم العودة وواقع اللقاء

بعد عقود من السجن ،والجوع والبرد والألم، والخوف واليأس والظلام ،والتعب والقسوة والموت… انتهى الجحيم.

 ” من هؤلاء؟ دروز بلغراد .يقولون أنهم جاؤوا مشيًا على الأقدام من بلغراد إلى هنا بلا أكل وبلا راحة !

في الرواية، قضى “حنا يعقوب” 12 عاما متنقلاً من قبوْ عكا إلى قبوْ قلعة بلغراد. ومنها إلى أقبية البوسنة والهرسك ،بلغاريا وكوسوفو و الجبل الأسود .أين تمكن من الهرب والركض بعيدًا حتى التقى بقافلة الحج التي أقلّته إلي اسطنبول ثم إلى سوريا .. وبعد أن عاش وحيدًا تحت الأرض بلا اسم أو هوية وصل أخيرًا الى بيروت.

                        ” من أين أتيتم؟ من سيبيريا. وكيف وصلتم إلى هنا؟ سيرًا على الأقدام.”

وفي الفيلم ، قضى” يانوش “خمسون عاما منفيًا من بولندا .إذ لم يستطع الرجوع إليها إلاّ بعد تحرّرها من قيضة الشيوعيين عام1989. ومع أنه كان يعلم ذلك إلاّ أنه استمر في المشي من سيبيريا  إلى بحيرة بايكال إلى منغوليا ثم الصين ومنها الى التبت وعبر جبال الهملايا وصولا للهند.

إن ما أبقى  “حنا “و”يانوش” على قيد الحياة ومنحهم القدرة على  الاستمرار في المشي والركض طوال تلك المدة. هي تلك الخيالات التي كانوا يرونها في أشد اللحظات صعوبة ،إذ يحلم “حنا” بزوجته وابنته  التي يراها قد كبرت وكلما  حاول أن يتخيل وجهها يعجزعن ذك .ويرى “يانوش”  نفسه وهو يقترب من باب بيته وكلما حاول أن يفتحه يتبدد الحلم.

تتكرر هذه الأحلام كثيرا لتتحول في نهاية الفيلم والرواية إلى واقع. في مشهد تطابقت أحداثه يدفع كل من “حنا يعقوب” و”يانوش بوزنك” باب منزله بيده، يفتحه ،يدخل بلا صوت إلى البيت ليرى زوجته صغيرة جميلة كما تركها قبل أن يرحل وكأن الزمن توقف. كلاهما يحتضن زوحته ويبكي…

بين إقدام يانوش واستسلام حنا

مع كل هذه النقاط المشتركة بين رواية “دروز بلغراد” وفيلم  “The way Back”، نجد اختلافا جوهريًا بين الشخصيات المحورية. فبطل الفيلم ” يانوش بوزنك”(جيم ستارجس) فكّر وخطط للهرب من السجن مباشرة بعد دخوله إليه،وهو من قاد رفاقه بعيدًا عن ذلك المكان.رعاهم وأبقاهم متماسكين ، كان قويًا ولم يفكر يومًا بالاستسلام، مردّدًا دائمًا :”عليَّ أن أعود إن توقفت الآن سيضيع كل شئ .. سأواصل السير فحسب لن أتوقف.. سأظل أمشي حتى  ينتهي الامر”.

بينما كان بطل الرواية” حنا يعقوب” شخصا مستسلمًا لم يستطع رفض طلب الضابط في المرة الأولى كما لم يستطع الدفاع عن نفسه في المرة الثانية التي سجن فيها بسبب سرقته لبيضة. كان ضعيفًا يحتاج إلى الرعاية ولأن الدروز تسببوا في سجنه فقد أشفقوا عليه وشعروا بالذنب والمسؤولية  تجاهه :“أنت مثل الخروف الذي أنزله الله من السماء إلى النبي إبراهيم كي لا يُضحي بإبنه…إننا نُعاقب لأننا جلبناك إلى هنا”.

 

هذه المقارنة بين رواية “دروز بلغراد” للكاتب اللبناني ربيع جابر و فيلم “ذا واي باك” للمخرج الاسترالي “بيتر وير”  منحتنا الفرصة  لمعرفة تلك القصص غير المحكية من تلك الأمكنة والأزمنة البعيدة عن الإنسان المظلوم ،معاناته وعذاباته وجعلتنا نُدرك بأن هناك تجارب إنسانية مهما اختلف سياقها التاريخي والثقافي والاجتماعي  والسياسي والزماني والمكاني… فإن أثرها يكون موحدًا.

 

 

.

 

 

 

1

شاركنا رأيك حول "كيف تقاطعت أقدار سجناء “دروز بلغراد” و ” The way Back”؟"

أضف تعليقًا