فيلم Brooklyn .. عندما تصبح الغربة قدراً محتوماً

0

قدّم فيلم Brooklyn لوحة فنية مرهفة من أروع ما شاهدت في 2015، وهو مقتبس عن رواية بذات الاسم للكاتب الأيرلندي Colm Tóibín أصدرها عام 2009، ثم حولها المخرج John Crowley والكاتب Nick Hornby إلى فيلم لا يقلّ عنها جمالاً.

الفيلم عن الوحشة والغربة والخوف، عن الوطن والوطن البديل، والحيرة بين كل ما سبق، والقلب الذي يرغب في الاستقرار لكن لا يدري أين المستقر، كل هذا نراه بعيون إليش الفتاة الأيرلندية الشجاعة الخائفة، التي تركت خلفها المنزل والأهل والأحباب لتبدأ مستقبل في بلد الفرص بالولايات المتحدة، ولكن هل كان ذلك خياراً سهلاً؟

الغربة ليست اختيار

فيلم Brooklyn - الغربة

تبدأ الأحداث في إيرلندا، حيث إليش الفتاة الشابة التي تعمل كل يوم أحد في مخبز مدينتها مع سيدة عجوز شمطاء.

إليش لا يربطها بالمدينة سوى والدتها وأختها روز، فلا عمل تحبه، ولا مستقبل تهدف إليه، ولا حبيب أو زوج يدفعها للمكوث، لذلك كتبت لصديق عائلتها القس في الولايات المتحدة ليسهل لها الانتقال وبدء حياة جديدة هناك، لتبدأ رحلتها وحيدة.

في السفينة التي تنقلها عبر المحيط عرفت طعم الغربة والوحدة بين الركاب الآخرين المعتادين على هذه الرحلة الصعبة، تأخذ بيدها فتاة أخرى قامت بخطوة الهجرة منذ سنوات، تضع إليش أول أقدامها في بروكلين حي الفقراء والمهاجرين في نيويورك، وتبدأ تبحث لها عن مكان في هذا المجتمع المليء بالفرص والقسوة، تعاني من الوحشة في البداية، تشتاق لأهلها طوال الوقت، ولكن تمر الأيام وتبدأ في مد جذورها بالمكان، وتظهر على ملامحها ثقة وقوة الفتاة التي تستطيع الاعتماد على نفسها.

لكن يأتيها نداء من الوطن يدعوها لزيارته، ولا تستطيع سوى تلبيته، وهناك تجد إنها فريسة عوامل جذب في كلا الناحيتين، بين أمريكا المستقبل والفرص، وإيرلندا التاريخ والأسرة.

قدّم لنا فيلم Brooklyn حياة المهاجرين الأوائل في الولايات المتحدة، والصدمة الحضارية بين المدينة الصغيرة في إيرلندا ونيويورك، ومجتمع الفتيات الوحيدات الصغير اللواتي يحاولن الحصول على الاستقرار والنظر لبروكلين كوطن جديد.

التناغم بين طاقم التمثيل

فيلم Brooklyn - صورة حائط

أهم خطوات تحويل رواية رائعة إلى فيلم سينمائي على ذات المستوى هو اختيار الممثلين المناسبين للقيام بكل دور، والقدرة على التماهي مع خيال المؤلف الذي ألبس كل شخصية حلة معينة.

استوفي فيلم Brooklyn كل شروط اختيار طاقم ممثلين ممتاز بداية من بطلة الفيلم وحتى أصغر الممثلين دوراً، وهو من بطولة

Saoirse Ronan التي ترشحت من قبل لجائزة الأوسكار عن أول دورها في فيلم Atonement حينما كانت في العاشرة من عمرها، وترشحت عن دورها في فيلم بروكلين لجائزة الجولدن جلوب ربما كإرهاص لترشيحها لجائزة الأوسكار لهذا العام.

واحد من أهم عوامل جمال هذا الفيلم هو اختيار Saoirse Ronan في دور إليش، فرونان بعيونها الزرقاء الفاتحة وملامحها التي تشبهها ببطلات الأساطير الأيرلندية جعلتها ملائمة للدور وللزمان الذي تدور فيه أحداث الفيلم كذلك، واستطاعت التماهي مع التغيرات التي تحدث في شخصية إليش خلال الأحداث ما بين الفتاة التي تحلم بمستقبل أفضل، إلى أخرى طموح تبدأ في بناء شخصيتها، ثم المرأة التي يتنازعها الحنين بين الوطنين القديم والجديد.

شارك رونان ببطولة الفيلم Emory Cohen في دور الشاب الإيطالي الأصل الذي تعرفت عليه في نيويورك وساعدها على التأقلم أكثر مع مدينتها الجديدة، مع وعد لمستقبل مشترك، وDomhnall Gleeson في دور قصير بمشاهد قليلة ولكن أبدع خلالها ويصعب على المشاهد أن ينساها.

الإخراج والتصوير

فيلم Brooklyn - الإخراج والتصوير

قسم مخرج الفيلم John Crowley الأحداث إلى ثلاث أقسام واضحة، الأول في إيرلندا قبل هجرة إليش، حيث رجع لصور للبلاد في الخمسينات بعد الحرب العالمية الثانية ليقدمها بالطريقة المثلى، وغلبت على كادرات التصوير اللون الأخضر والميل للكأبة، ثم تتعدد الألوان في القسم الثاني من الفيلم الذي تقع أحداثه في بروكلين بالولايات المتحدة، لنشاهد نيويورك الخمسينات الحافلة بالأحداث والمرح، ثم القسم الثالث بعودة إليش مرة أخرى لإيرلندا، ولكن استخدم فيها كادرات تصوير ملونة وحميمية أكثر من تلك التي في القسم الأول من الفيلم، حيث رأت الفتاة بلدتها مرة أخرى بعيون الحنين والمحبة بعد الغربة، وبرع كراولي في التنقل بين هذه المناطق المختلفة، ليصنع صلة وصل بين الصورة في كاميرته ومشاعر بطلته.

ساهم بالطبع المصور Yves Bélanger في ذلك حيث ركز على تصوير المشاهد الأولى في شوارع إيرلندا المبللة بالمطر، ثم الكنيسة التي جلست فيها إليش تشعر بالبرد والملل، ثم انتقل إلى دفء الولايات المتحدة.

موسيقى فيلم Brooklyn

أضفت الموسيقى التصويرية على الفيلم جمال خاص، بالإضافة بالطبع للأغنية الإيرلندية الشعبية القديمة Casadh an tSúgáin التي قدمها المغني ذو الصوت الملائكي Iarla Ó Lionáird كخلفية للغربة التي تشعر بها إليش في لياليها الطويلة بالولايات المتحدة.

الكمال في الأزياء والمكياج

فيلم Brooklyn - الأزياء

تدور أحداث الفيلم في خمسينات القرن الماضي، ما استلزم عناية خاصة بالملابس والمكياج لتكتمل الصورة المثالية للفيلم، وقد تم هذه بأفضل شكل ممكن، لينسينا الفيلم على مدار 111 دقيقة إننا نعيش في القرن الواحد والعشرون.

يبقى في النهاية أن بروكلين فيلم دراما تاريخية ورومانسي يستحق المشاهدة، سواء لقصته التي تمس القلوب، أو لأبطاله البارعين، أو لإخراجه وتصويره، ومن المتوقع له النجاح – أو على الأقل التمثيل المشرف – في موسم الجوائز القادم.

تريلر فيلم Brooklyn

0