فيلم Anomalisa .. عن رُعب الاعتياد والحياة المستمرّة بلا هدف

3

تنويه: يتعمّق المقال هذا في فيلم Anomalisa لذلك يوجد الكثير من تفاصيله في القسم الثاني، لمن لم يُشاهد الفيلم اقرأ حتى اخبرك بالتوقّف.. شاهد الفيلم، وعُدّ إلى هنا حتى تتمكّن من فهمه

ماهو الخوف الأكبر في حياة الإنسان؟ الخوف السرّي، الذي لا يُصارح به أحد، ولا حتى نفسه، الذي لا يمكن وصفه، أو تعريفه، أو حتى التعامل معه أو حلّه؟ هذا الخوف ببساطة هو خوف الاعتياد.

يمكنني أن أضرب لك آلاف الأمثلة عن خوف الاعتياد، لكن فكّر معي في بدايات قصص الحُبّ، الشوق العارم، التفكير الدائم في من تحبه، رغبتك في أن تكون معه كل لحظة وثانية، تهاتفه كل دقيقتين، تراسله كل ساعتين، تراه كل يوم، هذا العشق الذي لا يوجد له حل آخر سوى الإرتباط الآبدي تحت سقف واحد، على اعتبار أنه النهاية السعيدة والمنطقية لكل هذا الحُبّ.

فيلم Anomalisa - من أنا

ما الذي يحدُث بعد الزواج؟ أو حتى بعد شهور من التملّك؟ الاعتياد يا صديقي، الاعتياد ينزع شيئاً ما لا نعرف كنهه، الاعتياد يطفئ الشوق، يجعل الصفات التي كنا نراها مُذهلة في الآخر، مجرد صفات عادية يملكها الجميع، وجهه يتحول ببطء إلى وجه مألوف غير مميز، ربما تنساه بمجرّد الابتعاد عنه ساعة، صوته، يصبح نفس الصوت الذي نسمعه من الجميع حولنا، أسلوبه، أفكاره، كل شيء، ستجد نفسك فجأة وحيداً وسط نسخ متكررة تقابلها في كل مكان، في الشارع، العمل، الأتوبيس، المنزل بالتأكيد.

خوف الاعتياد هو سبب كل المشكلات التي لا يمكن تفسيرها بين شخصين، بين صديقين، بين حبيبين، الاعتياد قاتل، ومرعب، ويسبب قلقاً دائماً في القلوب، أنت تخاف أن يعتاد عليك شريكك قبل أن تعتاد أنت عليه، أنت تخاف أن يملّ منك، قبل أن تملّ أنت منه، فيبتعد ويتركك تعاني من الإشتياق، فأنت لا تزل تراه مميزاً ومختلفاً عن الجميع، لا تزل تراه بوجه آخر، بصوت آخر، بصفات أخرى، هو الفريد من نوعه ضمن جميع من حولك، وهو الوحيد الذي يناسبك حتماً.

فيلم Anomalisa - الصنع

في فيلم Anomalisa يصحبنا تشارلي كوفمان، السيناريست المذهل الذي اعتدنا على أعماله الغريبة التي تصحبنا دوماً في رحلة مرعبة داخل النفس، مثل

وكلها كما نرى أفلام تناقش مشاعر إنسانية كنا نعجز عن تفسيرها، الأول عن النسيان، الثاني عن الإكتئاب، والثالث رحلة فانتازية مذهلة داخل العقل البشري.

هذه المشاعر التي لا يمكن لمسها أو وضع أيدينا عليها، ناهيك عن التعبير عنها كما يفعل كوفمان، توّجت في فيلم Anomalisa والذي اختار له أن يكون أبطاله من الدمى المتحركة للتعبير أكثر عن الفكرة التي يريد إيصالها.

سنرى هنا ثلاث شخصيات فقط، ثلاث أصوات فقط، الأول هو مايكل ستون مدير التسويق الذي يقوم بأداءه الصوتي ديفيد ثويلس، الثانية هي الفتاة التي يقابلها في الفندق ليزا هيزلمان وتقوم بأدائها الصوتي جنيفر جيسون لي، أما باقي الشخصيات كلها، فيقوم بأدائها الصوتي توم نونان، سواء كانت شخصية رجل أم امرأة، ولهذا غرض مخفي لن تدركه إلا بعد النصف ساعة الأولى، الجميع في نظر البطل “مايكل ستون”، يملكون وجهاً واحداً، وصوتاً واحداً. لذا كان طبيعياً أن ينجذب إلى ليزا عند مقابلتها، فهي الوحيدة المختلفة شكلاً وصوتاً في نظره.

فيلم Anomalisa - الجميع متشابهون

**Spoilers Alert – ابتعد هنا إذا كنت لم تشاهد فيلم Anomalisa

مايكل مصاب بمرض نفسي يدعى (توهم فريجولي)، الذي يجعله يرى الجميع بشكل واحد، صوت واحد، الأمر الذي يصيبه بالذُعر عندما يرى وجهه المختلف في المرآة، يشعر بأن وجهه مجرد قناع يخفيه عن العالم، يحاول نزعه بلا جدوى، يقع منه فعلاً في مشهد الحلم، لنرى فراغ أسود مخيف خلفه.

الجميع في نظر مايكل روبوتات أجاد المخرج والكاتب التعبير عن شكلها باستخدام الوجه الأقرب للقناع الممكن إزالته، نحن جميعاً مقنعون أمام بعضنا البعض، مكررون، معتادون، بلا هوية أو فرادة.

الاكتئاب والهواجس في عقل مايكل تجعله دائم الرغبة في الحديث إلى شخص ما، لا يريد أن يبقى وحده ولو لدقيقة، وفي نفس الوقت، الرجل يشعر بالملل الشديد، الرتابة والاعتياد يقودانه إلى الجنون، كل الكلام قيل من قبل، كل الأفكار طرحت من قبل، لا يوجد أي شخص مختلف سوى ليزا التي يقابلها صدفة. فيقرر أن يتخلى فورا عن زوجته وطفله، وأن يبقى معها للأبد، كل هذا في ليلة واحدة، حتى أنه يطلق عليها اسم أنوماليزا، وهي كلمة من مقطعين، Anomaly بمعنى (حالة شاذة أو فريدة)، واسم ليزا.

فيلم Anomalisa - مع ليز

لكن ما الذي يحدث في الصباح التالي؟ يحدث ما يحدث دوماً، تبدأ ليزا في التحوّل، شكلها يتحول ببطء ليصبح نسخة من الآخرين، يتحوّل صوتها ليصبح نفس صوت الآخرين، يبدأ مايكل في الانتباه لعيوبها الصغيرة التي لم يلاحظها من قبل، مثل طريقتها في مضغ الطعام، التحدث أثناء الأكل، عيوب صغيرة جدا لم يلاحظ الأكبر منها من قبل، مثل الحرق الواضح على جانب وجهها، لكنه الاعتياد، اختفاء الإنبهار الأول، الإنجذاب الأول، يجعله يلاحظ كل تفصيلة صغيرة.. وبشدة.

ينهي مايكل ستون علاقته القصيرة بليزا، لأنها لا تصبح فريدة بعد ليلة واحدة معها، تتحول لتصبح مثل الجميع، ويعود مايكل إلى حياته الرتيبة، مع زوجته وطفله وعائلته الذين يملكون جميعاً وجهاً واحداً. في نهاية مفتوحة بلا حل.

ما هو الحل؟ لا شيء، الاعتياد هو أمرٌ دائمٌ وحتمي، كلنا مصابون حتماً بدرجات متفاوتة من توهم فريجولي، مايكل نفسه مصاب به بشكل متقطع وغير دائم، هو حتى لا يلاحظ أن الجميع نسخ من بعضهم إلا بعد أن يستعيد ذكرياته مع حبيبته السابقة التي تركها أيضاً بلا سبب واضح، لكننا نفهم أنه الاعتياد الذي يجعله يفقد اهتمامه بها بعد كل الحُبّ الذي جمعهما يوماً.

فيلم Anomalisa - الدمية

ينبهر بدمية تظهر التروس والحركات خلف جلد وجهها الممزق، لأنها بالضبط تُعبّر عنه وعن العالم كما يراه، أقنعة تغلّف تروساً مماثلة، تدور وتدور بلا هدف.

يقول مايكل “وقتنا محدود جداً.. لكننا ننسى ذلك.” نحن مستمرون في الدوران حول الفراغ مثل الترس، مستمرون في العيش، في التنفس، في الكلام، دون أن نفهم فعلاً ما الذي نفعله بالضبط، إلى أين نتجه، مع من؟ الإعتياد يحولنا لروبوتات مقنعة لا تفهم أن هناك بالتأكيد حياة أكثر مثالية من ذلك، لكننا نتجاهلها بكل بساطة، ونستمر في السير.

تريلر فيلم Anomalisa
3

شاركنا رأيك حول "فيلم Anomalisa .. عن رُعب الاعتياد والحياة المستمرّة بلا هدف"