فيلم Mustang .. لوحة غاضبة تُعرَّي مُجتمعاتنا الذكورية، مُنتصرةً للنساء

0

لم يكن في إمكان “دينيز جامزي إرجوفين” الكاتبة والمُخرجة الفرنسية من أصل تُركي، أن تحلم بسيناريو أفضل مما حدث لها، حين قررت تقديم عملها السينمائي الطويل الأول فيلم Mustang ذلك الفيلم الذي قررت فيه مُحاربة الكثير من المُعتقدات والعادات البالية والمُلقاة على كاهل النساء منذ الأبد، في محاولة منها لتعرية المُجتمع الذكوري المُجحف الذي نعيش فيه، كاشفةً الكثير من تفاصيل طُرق وقوع النساء فريسةً بين براثن تقاليد وَجَبَ انقراضها، وموروثات مازالت مفروضة على رقاب الجميع.

ولعل أحد الأمور المُثيرة للسخرية والاشمئزاز أن المُخرجة نفسها عانت كامرأة من أجل تقديم هذا الفيلم على الملأ، إذ أنها قبل الشروع بتصوير الفيلم اكتشفت كونها حاملاً، فما كان منها إلا أن صَرَّحت بذلك للمنتج الرئيسي للعمل، والذي أصابه القلق بدوره فطالب باقي جهات الإنتاج بالانسحاب من الفيلم لأنه – دون شَك – سيصبح محكوماً بانفعالات وهرمونات المُخرجة ما سيجعله بمثابة كارثة مُحققة!

إلا أن باقي الجهات المُنتجة كان لديها من العقل والعَدل ما ألهمها ألا تستمع له، ليستمر المشروع ويرى النور فيصبح أحد أفضل الأعمال التي تم تقديمها في 2015، وينتقل ليكون بين الأفلام المُرشحة لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبيّ.

فيلم Mustang - بوستر

فيلم Mustang إنتاج (فرنسي – تركي – ألماني – قطري) مُشترك، صدر بعام 2015، إخراج دينيز جامزي إرجوفين. وتأليف كل من أليس وينوكور ودينيز جامزي إرجوفين. وقد التقا الاثنان بمهرجان كان السينمائي في احدى دورات ملتقى The Cinefondation’s Atelier والذي فيه يتم تجميع صانعي الأفلام المُبتدئين، هؤلاء مَن لديهم مشاريع يرغبون العمل عليها ولكن دون ممولين أو جهات مُنتجة.

دينيز وأليس كانتا السيدتان الوحيدتان بالدورة في هذا الوقت، والطريف أن دينيز كانت تُريد العمل على مشروع بعنوان “Kings” إلا أنها فشلت في إقناع الجهات المُنتجة، والتي طالبتها بالعمل على مشروع أصغر لتُثبت أولاً جدارتها كصانعة أفلام، قبل أن تُقبل على عملٍ كبيرٍ كهذا.

فما كان من دينيز إلا أن قررت أن تبدأ العمل مع أليس على فيلم Mustang والذي جاءت أصداؤه تفوق كل التوقعات، جالبةً الكثير من المدح، والإشادة جماهيرياً وفنياً. وقد عُرض الفيلم ضمن أسبوع النقاد بمهرجان كان السينمائي الدولي في 2015، كما تم اختياره للعرض بقسم العروض الخاصة بمهرجان تورنتو السينمائي الدولي لنفس العام.


جوائز وترشيحات

فيلم Mustang - جوائز

نجح الفيلم في حصد العديد من الجوائز والترشح لجوائز أخرى مُهمة، على سبيل المثال لا الحصر:

حصل الفيلم على جائزة البرلمان الأوروبي LUX 2015، كذلك فاز بجائزة Europa Cinemas Label Award، بالإضافة لأربعة جوائز بمهرجان سيزار الفرنسي بباريس – من مُجمل 9 ترشيحات – وهم (أفضل أول فيلم روائي طويل، أفضل سيناريو أصلي، أفضل مونتاج، وأفضل موسيقى أصلية).

أما عن أشهر ما ترشح له الفيلم فكان الغولدن غلوب لأفضل فيلم أجنبي لهذا العام، والأهم أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية، ما يجعل فيلم Mustang واحد من الفيلمين الوحيدين اللذين ترشحا للأوسكار في 2016 وكانا من إخراج امرأة.

وقد صرّحت دينيز بأنها استوحت الكثير من أحداث الفيلم من حياتها العائلية، لاحتواء أسرتها على الكثير من الفتيات والنساء من أجيال مُختلفة بجانب انتمائها لأسرة مُحافظة من بيئة مُتزمتة بالريف التُركي. كذلك أشارت لكَون البطلة الرئيسية بالعمل مثلها -تماماً – من حيث ترتيبها بين إخوتها كابنة صُغرى، ووجهات النظر.


التمثيل وقصة فيلم Mustang

فيلم Mustang - القصة

جاء الفيلم من بطولة مجموعة من الفتيات التركيات في التجربة السينمائية الأولى لمُعظمهن، وهن:

  • جونيس سينسوي (لالي)
  • دوجا زينب دوجوس (نور)
  • إيليت إيسكان (إيس)
  • توجبا سنجوروجلو (سلمى)
  • وإيلادا أكدوجان (سوناي)

وقد لفت آدائهن النظر بسبب إجادتهن لأدوارهن، ما يُبشر بمواهب قوية تُضخ بالسينما الأجنبية.

تدور أحداث الفيلم بقرية ما بشمال تركيا، فنُشاهد (لالي) وشقيقاتها الأربع حيث تسير حياتهن بشكل عادي جداً بين الدراسة، المنزل، واللعب. وبسبب لعبة طفولية بين البطلات وبعض الفتيان بآخر يوم في السنة الدراسية، تحدث مُشكلة كبيرة وسوء تفاهم يتحوّل إثره بيتهن لسجن، وسط مُحاولات الأهل لتزويجهن واحدة تلو الأخرى لسَترهن، باعتبارهن كبنات مصدر للشهوة المُستديمة، والخطر القائم باستمرار.

ما يترتب عليه ثورة الفتيات الخمس على ذلك المُخطط، مُحاولات بكل الطرق كسر القيود والنظرة العقيمة التي يتحلى بها المُحيطون ساعيات نحو الحرية التي تسكن داخلهن، كل واحدة بطريقتها الخاصة، يملؤهن السخط والغضب، والشعور باحتقار المُجتمع المريض الذي تعشن فيه.

فيلم Mustang - الأخوة

فيلم Mustang فيلم في نَخْبْ النساء القويات، الرافضات فَرض الحِصار على أرواحهن الحُرة وإن كان ذلك يعني أن تصبح حياتهن حرباً مُستمرةً تخضنها يومياً مع كُل العالم. قامت بكتابته أنثى غاضبة، عاشت وعايشت – وسط أسرتها ومُجتمعها – أشكال مُشابهة من المُعاناة التي اختبرتها بطلات حكايتها، لتصبح شاهدةً على صراعات مريرة مع التزمت، ومُحاولات الاستعباد عَبر تشذيب أجنحة كل من خُلقت موصومة بـ “تاء التأنيث”.

لتكبر دينيز وداخلها رغبة في المُساعدة وتقديم الحلول، وحين أُتيحت لها الفُرصة فعلت ذلك بالطريقة التي تُجيدها، فإذا بها تُسقط ورقة التوت عن سوءات المُجتمع، عارضةً الأوجاع المُتفشية فيه على الشاشة الكبيرة عسى يتحرك الماء الراكد، فنثور، لنشفى.


عيوب ومميزات

فيلم Mustang - عيوب وامتيازات

وإن كان يعيب العمل مُحاولة عرض الكثير من المُشكلات المُختلفة بوقتٍ قصير، فأتت المواقف دون فواصل زمنية بين بعضها البعض، ما جعل الفيلم يبدو مُكدَّساً بعض الشيء. في الوقت نفسه تسبب تعدد الأبطال في إظهار  الشخصيات بشكل سطحي دون أبعاد نفسية واضحة.

وإن كان يُحسب لكاتبة/مُخرجة الفيلم أنها ورغم المرارة التي تشعر بها كأنثى، إلا أنها استطاعت تقديم العمل بعينٍ حيادية، دون مُبالغة أو تزييف، مُنتصرةً للفتيات اللاتي دأبن في مُحاولاتهن لعدم الانسحاق بين أنياب عالمهن الضيق والمُظلم.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Mustang .. لوحة غاضبة تُعرَّي مُجتمعاتنا الذكورية، مُنتصرةً للنساء"