أفضل الأفلام العربية فترة أواخر الستينات وأوائل السبعينات

0

بعد نكسة 67 ساد الحزن العميق وأكل الألم قلوب الناس وصار الانكسار والهزيمة هي الحالة المخيمة على قلوبهم، من هذا المنطلق تم التضييق على صناعة السينما في مصر ورُفِع شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، لذلك هرع السينمائيون إلى لبنان وتركيا وصنعوا أفلامًا معظمها تجارية رديئة لمجرد كسب الرزق وعدم الانقطاع عن العمل.

لكن وسط هذه الحالة المزرية والانحطاط بعد انتعاشة سينمائية في الستينات خطت بالسينما خطوات للأمام، كان هناك بعض الأفلام الجادة القيّمة والتي كانت بمثابة “وردة تخرج من وسط الجرح”، ومن أبرز وأهم هذه الأفلام:

أرض النفاق

فيلم أرض النفاق

واحد من أهم الأفلام التي أُنتِجت في تلك الفترة وأهم أفلام فؤاد المهندس، مستوحى من رواية ليوسف السباعي، وسيناريو وحوار سعد الدين وهبة وإخراج لفطين عبد الوهاب، من بطولة فؤاد المهندس وشويكار وسميحة أيوب وحسن مصطفى وعبد الرحيم الزرقاني.

يدور الفيلم في إطار إنساني كوميدي حول أخلاق الإنسان وعلاقتها بالواقع، وكيف ساءت الأمور بالبشرية لدرجة أن صفات مثل الجبن والنفاق قد ترقى به إلى أعلى الدرجات وأخرى مثل الشجاعة والصدق قد تودي به إلى أسوأ الأحوال وتفضي به إلى أشنع المصائر.. كما أن بالفيلم أعظم مشهد ممكن أن تشاهده عن البيروقراطية الحكومية في إطار كوميدي بين الفنان فؤاد المهندس والفنان حسن مصطفى.

وغالبًا كعادة كل الأفلام الرائعة لم ينجح هذا الفيلم إطلاقًا، وقيل أنه تم إطلاق صيحات الاستهجان في دور العرض عنده عرضه.


قنديل أم هاشم

القنديل

هذا الفيلم الرائد والمهم والمتميز واحد من أهم الأفلام التي أُنتِجت في السينما المصرية، وتدور أحداثه حول “إسماعيل” الشاب الفقير ابن حي السيدة زينب الشعبي البسيط، والذي يكمل تعليمه ويدرس الطب في ألمانيا ويلتقي هناك بفتاة أوربية تغرس فيه نواة الحياة الأوربية المتفتحة المتحضرة، ويعود إلى مصر فيثور على عادات أهله وبيئته المتخلفة وموروثاتهم ومعتقداتهم الشعبية ويجد نفسه يصرخ فيهم ناعتًا إياهم بالأغبياء المتخلفين.

وهنا يجد نفسه شاعرًا بالاغتراب وسط أهله فها هو قد درس الطب بأحدث أساليبه وآخر ما توصل إليه العلم فيه، ولازال أهله يداوون العيون الملتهبة بزيت قنديل (مصباح) مقام مسجد السيدة زينب، وتأخذه الحيرة بين القيم الجديدة التي زرعت فيه من الحضارة والنور والعلم، وبين جذوره الأولى لأهله وبيئته البسيطة غير المتعلمة، رغم أن الفيلم يبدي بادرة تعاطف مع البساطة التي تكسو أسلوب حياة الأهل.

كتب سيناريو الفيلم الروائي صبري موسى عن قصة قصيرة وردت في مجموعة بنفس الاسم للأديب يحيى حقي وقام ببطولة الفيلم شكري سرحان وسميرة أحمد وعبد الوارث عسر، وأخرجه كمال عطية.


بئر الحرمان

فيلم-بئر-الحرمان

أحد أهم الأفلام النفسية الهامة التي أخرجها الرائع كمال الشيخ، عن قصة لإحسان عبد القدوس وسيناريو ليوسف فرنسيس عن فتاة مصابة بمرض الفصام أو ازدواجية الشخصية حيث هي نهارًا فتاة عادية جدًا مهذبة ومخطوبة لشاب تحبه ويحبها، وليلاً تتحول إلى ما يشبه فتاة الليل.

يتم عرض الفتاة على دكتور نفساني ليكتشف أن لديها عقدة نفسية بسبب والدها الذي كان يشك في خيانة أمها وهي صغيرة، أداء السندريلا سعاد حسني لشخصية الفتاة المريضة كان رائعًا، لا يفوقه في الفيلم إلا أداء الرائع العملاق محمود المليجي في شخصية الطبيب النفساني، وشاركهم البطولة نور الشريف ومريم فخر الدين وصلاح نظمي.


شيءٌ من الخوف

شيء من الخوف

فؤادة وعتريس، طفل وطفلة تربيا سويًا وجمعهما اللعب والبراءة، وعندما كبرا، أخذ عتريس إرث جده وصار طاغية مثله ولازالت فؤادة على براءتها، يعيث عتريس في البلد فسادًا ويفرض سطوته بالقوة والسلاح، لدرجة أنه يقطع المياه على البلد فتعطش الأرض وينغمس الرجال في الحزن ويجلسون أيديهم على رؤوسهم كالنساء، حتى تأتي فؤادة وتفتح الهويس، وتُفرح المزارعين بجريان المياه وعودة الخير وارتواء الأرض، وقتها يقف عتريس أمام فؤادة مترددًا ما بين استعادة سطوته أو خسارة حب عمره وقتلها بيده.

فيلم شيء من الخوف أخرجه حسين كمال وكتب السيناريو صبري عزت والحوار للشاعر عبد الرحمن الأبنودي وقام ببطولته محمود مرسي وشادية ويحيى شاهين، ويُعدّ أحد أهم الأفلام التي عالجت قصص الطواغيت والجبابرة، وتم إسقاط الفيلم وقتها على أن عتريس رمز لشخصية عبد الناصر، وفؤادة رمز لمصر وتم إبداء التحفظات عليه لدرجة منعه من العرض.. وقد أجاز عبد الناصر نفسه عرض الفيلم بعد مشاهدته، ونُسِب إليه تعليق قائلاً فيه:

“لو كنت بهذه البشاعة فمن حق الناس أن يقتلونني.”


الأرض

الأرض

الملحمة الكبيرة، ملحمة علاقة الفلاح بالأرض.. الرواية التي كتبها عبد الرحمن الشرقاوي وأخرجها بعظمة شديدة يوسف شاهين، والصراع الدائم بين الإقطاع وصغار الفلاحين. بين الجشع والرغبة في الحياة، هذا الفيلم ليس مجرد فيلمًا عاديًا، بل هو أحد أهم عناصر المكوّنات الثقافية للشعب المصري، وشخصية محمد أبو سويلم التي خرجت من كونها شخصية سينمائية على الشاشة إلى شخصية فولكلورية خالدة لا تُنسى أداها بأداء مُلهِم ومُلهَم القدير محمود المليجي.

هذا الفيلم ميزته أنه يعجب المثقف والرجل البسيط على حدٍ سواء، ويصور بخط فاصل وهمي ما بين التوثيق الحي للواقع والشاعرية السينمائية؛ حياة الفلاحين ونضالهم ليس في ثلاثينيات القرن الماضي حيث تدور أحداث الفيلم فحسب، بل على الدوام.

شارك في بطولة الفيلم عزت العلايلي وحمدي أحمد ونجوى إبراهيم وتوفيق الدقن ويحيى شاهين وعلي الشريف، عرض الفيلم في مهرجان كان السينمائي وعلّق الناقد كلود ميشيل عليه قائلاً:

“يجب أن يعرض المصريون إنتاجهم السينمائي في أكبر المهرجانات طالما لديهم أفلام مثل (الأرض).”

كما جاء الفيلم دائمًا في المراكز الأولى لقوائم أفضل الأفلام العربية. جدير بالذكر أن هذا الفيلم قد عمِل فيه المخرج المتميز داوود عبد السيد كمخرج مساعد.


زوجتي والكلب

زوجتي والكلب

الفيلم الأول لسعيد مرزوق، وأراه بكل أمانة.. الفيلم الأفضل له أو الفيلم الذي تجلّى فيه دماغ سعيد مرزوق السينمائي ومشروعه السينمائي، فيلم من تأليفه وإخراجه، فلا بُدّ أن يكون العمل الأكثر وضوحًا للروح السينمائية عند سعيد مرزوق، وأرى أن هذا الفيلم قد أحدث نقلة نوعية في السينما المصرية، حيث كان أول من تعامل مع تصوير الفيلم السينمائي من منظور جمالي.

فكان واضحاً من كادرات سعيد مرزوق وزوايا التصوير أنه أراد أن يضيف بعدًا جماليًا على التصوير وليس مجرد التقاط المشاهد للممثلين وهم يؤدون الحوار فحسب، والحقيقة أنه نجح في هذا جدًا، حيث قدّم لنا لوحات فنية في صورة مشاهد سينمائية تشكّل هذا الفيلم الذي تدور أحداثه حول الريس مرسي المتزوج حديثًا من سعاد الشابة والذي يتركها ويعود لعمله في الفنار البعيد عن بيته وزوجته.

ويحدث أنه يرسل زميله الشاب “نور” لجلب أشياء من زوجته، ولكنه يشك في أنه قد يخونه معها.. خاصة وأن نور شديد الولع بالنساء تقتله الرغبة، وأن الريس مرسي نفسه قد حكى لنور عن بعض علاقاته مع زوجات أصدقائه، وتتصارع الرغبات والخواطر وتزداد وتيرة الشك وتشتعل الرغبة ويتبادل الأبطال شعلة الأحداث المتصاعدة في الفيلم.

أداء رائع لا يفوتك من محمود مرسي وسعاد حسني ونور الشريف، وكما قلت الكادرات في الفيلم أشبه بلوحات فنية وبذلك تضفي جمالاً على جمال أحداث الفيلم الممتع.


ثرثرة فوق النيل

ثرثرة فوق النيل

عودة مرة أخرى لحظيرة الأدب وهذه المرة مع واحدة من أعظم روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ: ثرثرة فوق النيل. الرواية التي تم التنويه عنها من لجنة نوبل مع الثلاثية وأولاد حارتنا، الرواية بالأساس تدور في إطار وجودي فلسفي حول ماهية الأخلاق والدين ويدخل في الموضوع شق سياسي، بينما الفيلم اعتنى بالجانب السياسي في المقام الأول.

وقد جاء الفيلم في وقته الصراحة، كانت الأوضاع السياسية سيئة وبدأ اليأس يتسلل إلى قلوب الناس وصار دخول الحرب وتحرير سيناء ورد الكرامة والثأر لشهداء يونيه بعيدًا جدًا، فجاء الفيلم كتعبير عن حالة السخط هذه والسقوط الاجتماعي والأخلاقي وتدني الذوق الفني والهبوط الذي صاحب هذه الفترة.

بطولة نخبة من النجوم ماجدة الخطيب وأحمد رمزي وسهير رمزي وصلاح نظمي وميرفت أمين وعادل أدهم ونعمت مختار ودور متميز واستثنائي لعماد حمدي، كتب السيناريو ممدوح الليثي وأخرج الفيلم حسين كمال.


إمبراطورية ميم

امبراطورية ميم

عودة مرة أخرى لحسين كمال، ودور رائع لفاتن حمامة في فيلم قصة وحوار لإحسان عبد القدوس ومعالجة القصة سينمائيًا لنجيب محفوظ وسيناريو لمحمد مصطفى سامي وكوثر هيكل، إمبراطورية ميم منحوتة سينمائية حول الأسرة وأعباء الأبناء وتباعد الأفكار وانهيار جسور التواصل.

يحكي الفيلم عن أم تحمل فوق كاهلها تربية الأبناء بعد رحيل زوجها، وعندما يكبرون شيئًا فشيئًا تفقد القدرة على فهمهم مع تباين وجهات نظرهم ونيلهم لحريتهم، يبدأ الفيلم بمشهد كأنه جدال بين الأم “فاتن حمامة” وهي صغيرة وشخص لا يظهر في الكادر يبدو أنهم أهلها حول قرارها بالزواج للتأكيد على استمرارية توتر العلاقة بين الأبناء والأسر جيلاً بعد جيل.

شارك في البطولة أحمد مظهر وسيف أبو النجا وهشام سليم طفلاً.


الخوف (مكان للحب)

مكان للحب

الفيلم الثاني لسعيد مرزوق من قصته وسيناريو لمصطفى كامل، فيلم مختلف أيضًا لهذا المخرج المتفرّد ويحكي عن النفسيات المشوهة لبشر ما بعد النكسة والاضطراب الواضح في سلوكهم وأفكارهم وحتى أحلامهم وخيالاتهم، الغوص في الومضات السابقة للأبطال كما هي عادة سعيد مرزوق والذي يستخدم هذا الأسلوب كأداة رئيسية من أدواته لصناعة الأفلام، فيلم لا يُحكى عنه أو عن قصته.. بل تشاهده مباشرة.

من بطولة سعاد حسني ونور الشريف وأحمد أباظة وحسن حسين وزيزي مصطفى.


أغنية على الممر

أغنية على الممر

هذا هو الفيلم الحربي الذي أُفضّله، حيث صُنِع في فترة حرب الاستنزاف ويدور في إطار تراجيدي يغلفه الشاعرية عن كتيبة محاصرون في ممر صحراوي إبان النكسة وينقطعون عن الاتصال بالعالم بعد تعطّل الجهاز اللاسلكي الخاص بهم مما يجعل الفيلم مليئًا بالتوتر والتأرجح بين اليأس والأمل.

كما أشرت أن الفيلم يغلفه الشاعرية وإنشادهم للأغنية الشجية:

“أبكي أنزف أموت، وتعيشي يا ضحكة مصر.. وتعيش يا نيل يا طيب، وتعيش يا نسيم العصر”.


رغم اليأس والهزيمة والانكسار إلا أن من بين هذه الروح السلبية تبرز مشاعر الانتماء والوطنية والحب الوحشي للوطن متجلية في أبهى صورها.

0

شاركنا رأيك حول "أفضل الأفلام العربية فترة أواخر الستينات وأوائل السبعينات"

أضف تعليقًا