فيلم قدرات غير عادية .. دَعوة للتأمل أم الملل!؟

5

حين نسمع أن هناك فيلمًا بالسينما لمُخرجين من أمثال داوود عبد السيد، محمد خان، يسري نصر الله وآخرين، يبعث ذلك بقلوب مُحبي السينما السعادة، والإيفوريا مُقدمًا، ليَقينهم أنهم سيكونون على لقاء بعمل فَني يحترم أذهانهم، وذائقتهم الفنية. لذا يأتي الأمر مُخيبًا للآمال بشكل أكثر قسوة حين يُصاب المُشاهد بإحباط أثناء مُشاهدته لفيلم أحد هؤلاء الكِبار، أصحاب التاريخ، والرؤية.

فهل كان فيلم قدرات غير عادية والذي عاد به المُخرج داوود عبد السيد للسينما بعد غياب 5 سنوات منذ فيلمه الأخير “رسائل البحر” تجربة مُثمرة أم مُحبطة؟ سيكون عليكم قراءة المقال لمعرفة الإجابة على ذلك.

فيلم قدرات غير عادية - ملصق

فيلم قدرات غير عادية من إخراج وتأليف داوود عبد السيد، إنتاج شركة نيوسنشري وتوزيع شركة دولار فيلم، وبطولة كل من خالد أبو النجا، نجلاء بدر، الطفلة مريم تامر، محمود الجندى، إيهاب أيوب، حسن كامى، أحمد كمال، عباس أبو الحسن وسامى مغاورى.

وبالرغم من بدء تصويره بخريف 2013 على أن يتم عرضه فور الانتهاء منه، إلا أنه تم تأجيل عرضه أكثر من مرة بسبب بعض المُشكلات بشريط الصوت، والتي احتاجت تعديلات كثيرة، ليصبح بالسينما أخيرًا في ديسمبر 2015، ويشترك بالعديد من المهرجانات، حاصدًا تقديرًا معنويًا بجانب العديد من الجوائز.


مهرجانات وجوائز

فيلم قدرات غير عادية - جوائز

ليس غريباً على فيلم لداوود عبد السيد أن يُشارك بمُختَلَف المهرجانات، ويفوز بالكثير من الجوائز.

أهم المهرجانات التي شارك بها الفيلم

  • مهرجان الأقصر للسينما العربية والأوروبية ضمن برنامج ليالي السينما المصرية
  • مهرجان أيام قرطاج السينمائية بتونس
  • مهرجان عنابة لسينما البحر المتوسط
  • مهرجان المركز الكاثوليكي للسينما
  • كما نافس في مسابقة المهر العربي للأفلام الروائية والوثائقية الطويلة ضمن مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الـ11.

الجوائز التي حصدها

فاز الفيلم بأربعة جوائز في الدورة الأولى من جائزة السينما العربية ACA – التي تُماثل جائزة الأوسكار العالمية – وهم (داوود عبد السيد (أفضل نص سينمائي)، جمعة عبد اللطيف (أفضل مكساج)، أنسي أبو سيف (أفضل ديكور)، سلمى الباروني (أفضل مونتاج صوتي).

كما كان له نصيب الأسد بجوائز مهرجان المركز الكاثوليكي للسينما في دورته الـ 64، وكانت الجوائز كالتالي:

  • أحسن فيلم.
  • أحسن سيناريو، وأحسن إخراج فاز بهما داوود عبد السيد.
  • أحسن ممثلة لنجلاء بدر.
  • أحسن ممثلة دور ثانِ للطفلة مريم تامر.
  • أحسن موسيقى تصويرية للموسيقار راجح داوود.
  • أحسن مونتاج للمونتيرة منى ربيع.
  • أحسن ديكور وإشراف فني لمهندس الديكور أنسي بو سيف.
  • الإبداع الفني لمدير التصوير مروان صابر.

أما في الاستطلاعات التي جَرت على مجموعة من أشهر النُقاد (وهم ماجدة خير الله، طارق الشناوي، خيرية البشلاوي، عصام زكريا، ماجدة موريس، رامي عبد الرازق)، لاختيار أفضل أفلام 2015 فيما يخص التمثيل، الإخراج، والقصة والحوار، فجاء المركز الأول مُناصفةً بين فيلمي «قدرات غير عادية» و«سكر مر».

ورغم كل هذا الرصيد من النجاح إلا أن الفيلم لم يُحقق إيرادات جيدة، حتى أنه تم رفعه من السينما قبل رأس السنة بساعات أي قبل أن يُكمل 3 أسابيع بدور العرض! وفي حين أرجع البعض ذلك لقلة إيرادات الفيلم، جاءت تصريحات أخرى من بعض المسؤولين تُفيد بأن شركات التوزيع دائمًا ما ترفع أفلام أخرى، وفي حالة الفيلم هنا كانت تلك الأفلام الأخرى هي: “أوشن 14″ و”شكة دبوس”.


قصة فيلم قدرات غير عادية

فيلم قدرات غير عادية - قصة

“القدرات التي يتحدّث عنها العمل ورحلة البحث عنها هل هي مهمة؟

الأهم الذي ذهبت للبحث عنه في رحلتي بالفيلم هو القدرات الأخرى غير العادية التي أتمنى أن يتعلمها الناس، هي قدراتنا على الحب وقدراتنا على فهم الآخر المختلف، وقدراتنا أيضًا في الحوار مع المختلف في الآراء وتقبله.” – خالد أبو النجا 

تدور أحداث الفيلم حول “يحيى” الطبيب الذي يعمل على بحث علمي يتناول القدرات غير العادية لدى البشر، لكنه يعجز عن إيجاد مثل هؤلاء الأشخاص، فيُجبره مُديره على أخذ أجازة والابتعاد عن العمل. فيتوجه إلى الأسكندرية وبنسيون على البحر يسكنه مجموعة من الأشخاص غير المُتجانسة، والتي على ذلك تنجو في شَقّْ طريقها معاً.

وهناك في البنسيون يلتقي يحيى بفريدة – ابنة حياة صاحبة البنسيون – والتي يكتشف بالصُدفة أن لديها قُدرات غير عادية، فيُحاول التَقَرُّب منها لفهم شخصيتها وأبعادها، فيجد نفسه يقع بحُب والدتها التي تُصَرِّح له أنها اعتادت امتلاك قُدرات يومًا ما لكنها فقدتها حين أهملتها ولم تستخدمها، ومع الوقت تتغير مفاهيم يحيى وطريقة حُكمه على الأمور، ليُعيد اكتشاف الحقائق، وفكرة القُدرات الخارقة بشكل يدعو للتأمل.


بين يحيى قُدرات غير عادية ويحيى رسائل البحر

فيلم قدرات غير عادية - يحيى

بطل الحكاية هنا هو يحيي الذي ينتقل ليعيش بالأسكندرية، تمامًا كالــ(يحيى) السابق (آسر ياسين برسائل البحر)، فهل كان ذلك مقصودًا؟

بالطبع مقصود، ولولا الاختلاف الجَذري بين شخصيتي الأبطال لبدا الأمر امتدادًا بطريقةٍ أو بأخرى. وفي رأيي هذا التكرار حدث أولًا بسبب حُب داوود عبد السيد للأسكندرية، واقتناعه بها كمدينة تستوعب أفكاره ورؤياه، وثانيًا كحركة ذكية لاستثمار النجاح وجَذب الفضوليين، وأخيرًا على الصعيد الفني عمل ذلك كتضاد أبرز المعنى ووضحه.


إيجابيات لا تُخطئها العَين المُجَرَّدة

فيلم قدرات غير عادية - إيجابيات

“يتميز المُخرج داوود عبد السيد بأنه من الممكن أن تحكي أفلامه ولكن في نفس الوقت وكأي أدب هناك عمق آخر تلمسه أثناء مشاهدتك وقراءتك له، وهذه صفة تتميز بها أعمال داوود، وهذا هو السبب الذي يجعلني أعتبرها أعمال أدبية”. – خالد أبو النجا

تمتَّع فيلم قدرات غير عادية بالكثير من الإيجابيات الواضحة والمُهمة، حيث تعددت به العناصر الفنية المُتميزة، أهمها:

  • الإخراج

فيلم من إخراج داوود عبد السَيد، لابد وأن يأتي الإخراج به على أكمل وجه، وغير معيوب، فهو مُخرج مُتمكِّن من أدواته، يعرف كيف يُسَخِّر المكان، الزمان، والممثلين كي يُعبِّروا جميعهم عما يُريد قوله. كما أنه يهتم اهتمامًا هائلاً بالتفاصيل التي تخدم رسالة الفيلم. وهو أحد المُخرجين القلائل القادرين على استخدام كل من (المُباشرة فيما يخُص القصة الأصلية، والرمزية فيما يخُص رسائله الخفية التي يبغى توصيلها) بآنٍ واحد وبنفس المشهد.

على أن يختلف الاستيعاب من مُشاهد لآخر وفقاً لقُدرته على الفِهم، وسَبر أغوار العُمق الموجود بالعمل بطبقاته المُختلفة، وهو ما يؤكد على اختلاف تفاعل المُشاهد مع أفلام داوود بناءً على عدد مرات المُشاهدة لنفس العمل.

  • التمثيل

خالد أبو النجا.. بطل الفيلم، في تعاونه الثاني مع المُخرج بعد فيلم “مواطن ومُخبر وحرامي” بعام 2001، وبمُقارنة سريعة سيبدو لنا كَم النُضج الفكري والفَني الذي تمتع به أبو النجا، حيث أنه من المُمثلين القلائل الذي يعملون على تطوير أنفسهم، ويتقدمون للأمام بخطوات واسعة. حتى أنه أصبح الحصان الأسود لكل مُخرجي الأعمال المُستقلة، أو الأعمال غير التُجارية التي تحمل رسالةً وهدفاً أكثر من اهتمامها بما ستجلبه من أموال، فهم يصنعون تاريخاً، يتركون من خلاله بصمتهم.

وعن هذا يقول أبو النجا:

“هناك ممثلين عظماء لا يُعرض عليهم أدوار لو جسدوها لكانت أفضل أدوار في حياتهم الفنية، ولكنها لا تعرض عليهم لأن (محدش متصور ده) وهذا يرجع للمنتج، إذ أن الرؤية مفقودة لدى بعض المنتجين، وأنا محظوظ لأن محمد حفظي ووائل عمر رشحاني لتجسيد فيلم (فيلا 69).

والأكيد وقتها لو سألت أي شخص سيقول إن خالد غير مناسب لهذا الدور، ولكن المنتجين وصل لهم أن فهمي وحساسيتي لهذا الدور ستكون في مكانها، وأعتقد أن ذلك بفضل الصورة التي تصنعها لنفسك كممثل، وهذه الصورة تجذب لك مثل هذه الأدوار”.

فيلم قدرات غير عادية - سينما

وفي تجربةٍ غير مسبوقة، شاهد أبو النجا فيلم قدرات غير عادية مع بعض المساجين بالسجن المدني ببرج الرومي بمحافظة بنزرت (شرق تونس) ضمن جولة في السجون التونسية في إطار بادرة سعت لها إدارة “مهرجان أيام قرطاج السينمائية” في دورتها الـ 26، وذلك عبر تمكين نزلاء 4 سجون محلية من مشاهدة أفلام عربية تعرض بالتوازي مع دور العرض وبحضور أبطالها. وقد وجد أبو النجا تلك التجربة ثرية للغاية وتتناسب مع روح ورسالة الفيلم الذي يتحدث عن قدرات البشر غير العادية، بجانب القدرة على الغفران والفهم وإعادة بناء الحياة.

نجلاء بدر، والتي كانت مفاجأة بهذا الدور المُعقَّد، حيث استطاعت تجسيده بحرفية على المستوى الداخلي للشخصية، والخارجي، ما أثبت أنها كانت اختيارًا موفقًا من المُخرج.

الطفلة مريم تامر، مفاجأة أخرى بدور فريدة، والذي برعت في تقديمه، بنظراتها القوية والمُعَبِّرة، والغموض الذي ناسب أبعاد الشخصية.

عباس أبو الحسن، لا أعرف لماذا مازال مُتقمصًا أداء شخصية الجزار من فيلم مافيا حتى الآن، غير قادر على الخروج منها!

سُكان البنسيون، قدموا أدوارهم بشكل جيد، وإن جاءت الشخصياة سَطحيّة، وهامشية.

  • الموسيقى التصويرية

والتي وضعها المؤلف الموسيقي راجح داوود، الذي لطالما عمل مع المُخرج داود عبد السيد بكل أفلامه الروائية الطويلة، جاءت الموسيقى ناعمة ودافئة، تتميز بالسلاسة والانسياب في خِفَّة وبساطة تعرف طريقها جيدًا نحو القلب.

  • التصوير السينمائي

لمروان صابر، اتسم بالروعة، والإبداع، خاصةً بالمشاهد الخارجية، كذلك جاء غنياً بالتفاصيل، ومُلائماً للأحداث وسمات الشخصيات.

  • الديكور

لأنسي أبو سيف كان مُناسباً تماماً لروح النَص، ومُعبِّراً ببراعة عما يُريد المشهد توصيله للمُشاهد.


سلبيات ولكن

فيلم قدرات غير عادية - سلبيات

رَغم كل الإيجابيات سالفة الذِكر، إلا أن الفيلم كأي عمل فني له ما له وعليه ما عليه، جاء به بعض السلبيات التي تسببت في أن “الحلو ميكملش”، وجَعل الأساس الذي وضعه صُناعه لا يكفي وحده للاعتماد عليه.

من أهم تلك السلبيات

  • طُول مُدة الفيلم، والتي بلغت ساعتين إلا قليلاً، وسط أحداث بطيئة وغير متُنامية أو مُثيرة، ما أصاب المُشاهدين بالملل، حتى أنه بالكثير من السينمات رحل المُشاهدون قبل الانتهاء من عرض الفيلم.
  • الفكرة على قَدر جودتها واختلافها إلا أن السيناريو جاء فقيراً، فأفقد الفيلم نقاط تفوقه العديدة، وقُدرته على الإمتاع.
  • جاء الفيلم في الكثير من الوقت على لسان الراوي/البطل، وبقَدر ما يُمكن لذلك أن يخلق حالة من الحميمية بين الجمهور والفيلم إلا أنه هنا أفقده المُتعة الدرامية، فزاده مللًا وبَهَتانَا.
  • باستثناء شخصية يحيى، فريدة، وحياة جاءت باق الشخصيات مُهَمَّشة، رُبما كان ذلك مقصوداً لتسليط الضوء على الأبطال فقط، لكن كان من الأفضل لو علمنا القليل عن الباقيين خاصةً وأنهم يعيشون جميعاً في مكانٍ واحد.
  • الفيلم يتناول موضوع “القدرات غير العادية” ككقراءة الأفكار وتحريك الأشياء عن بُعد، ما استلزم اللجوء إلى المؤثرات البصرية فيمايقرُب من 25 مشهد على مدار الفيلم، والتي لسوء الحظ جاءت فقيرة للغاية. ما كان مُحبِطاً بسبب كَون طبيعة موضوع الفيلم ثرية وتسمح باستغلال تلك الجزئية كعامل جذب للجمهور وللعين إذا كان تم تقديمها بشكل مثالي، ومُثير للدهشة، خاصةً وأن تلك الإمكانيات صارت مُتاحة بعالم السينما وليست مُستحيلة.

القُدرات غير العادية هل هي وهم أم حقيقة؟

فيلم قدرات غير عادية

فيلم قدرات غير عادية .. أراد أن يقول شيئاً، لكنه لم يُحسن جَذب انتباه المُستمع/ الرائي، إذ نسي صُناعه أن الرمزية قد تمنح الفيلم مقعداً بالمهرجانات وقوائم الجوائز، لكنها حين تأتي غير مصحوبة بعوامل جذب أخرى أهمها “الحبكة المُمتعة” فلا يلبث الجمهور العادي من يبحث عن ساعتين بالسينما “للانبساط” أن ينفُر ولا يهتم.

أقول هذا لأنني أعلم أن مُخرج بحجم وقامة “داوود عبد السيد” الفنية يعرف كيف يُضَفِّر الطريقين معاً، كما فعل بأفلام سابقة كالـــ”كيت كات”، “أرض الخوف”، “مواطن ومُخبر وحرامي” و”رسائل البحر”، لذا كان من المُنتظر منه أن ينجح هنا في الجمع بين توليفة المهرجانات والجمهور.

ينتهي الفيلم، وينتهي المقال، ويَبق سؤال واحد: القُدرات غير العادية وهم أم حقيقة؟

أتُراها طريقتنا لخداع أنفسنا، وتبرير نجاحات الآخرين، وتفوقهم عننا؟ جاعلين تلك القُدرات السبب الوحيد الحقيقي وراء نفوذهم وقُدرتهم على الوصول لما يُريدنه!؟

أم أننا جميعاً نمتلك بالفِعل قدرات غير عادية، تمنحنا القُدرة ولو للحظات كي نكون خارقين للطبيعة بشكلٍ أو بآخر، فنصبح مُدهشِين، وعَظيمين، كل ما في الأمر أننا ينقُصنا إدراك ذلك!؟

بالطبع عليكم مُشاهدة فيلم قدرات غير عادية للحصول على إجابتكم الخاصة.

إعلان فيلم قدرات غير عادية

5

شاركنا رأيك حول "فيلم قدرات غير عادية .. دَعوة للتأمل أم الملل!؟"

  1. Hamza moumni

    في السينما العالمية وجوده ضعيف لكن كفلم عربي فهو رائع نعم فيه بعض الملل و بالنسبة لي بما أنني عشت مع الملل مدة ليست بالقصيرة أصبحت أعشق الملل و هو ما تركني أتأمل في القصة بروية من ناحية القصة عشقتها لكن ممن ناحية التمثيل أرى أنه من غير يحيى و فريدة كان الأداء يؤثر سلبا على القصة أما من ناحية الحوار لأنهم أرادو فلما بدون كلمات سوقية أو خادشة للحياء ربما رغم وجود لقطات مخلة بالحياء ههههههه قد هدّم سلاسية الحوار و كذا واقعيته

أضف تعليقًا