لهذه الأسباب ينتصر الأشرار في الواقع ويخسرون في الدراما

0

مقال بواسطة\ نور الدين حسين نور الدين حسن

لماذا أصبح العالم الآن فريسة للأشرار؟ ولماذا ينتصر الأشرار غالباً في صراعاتهم مع الخير؟ ولماذا ينجحون في الوصول إلى مراكز الثروة والقوة ويسيطرون على مقدرات العالم بينما ينزوي الأخيار، أو من ينادون بقيم احترام الإنسانية والعدالة، ضعفاء منكسرين متفرقين؟

تلك التساؤلات أعلاه هي جزء بسيط من نقاشات شبه يومية تدور في مئات المدونات وفي أروقة الإنترنت بعشرات اللغات، وتتحول النقاشات – غالباً – في النهاية إلى تبادل للإتهامات بين أطراف النقاش الذين ينتمون إلى معتقدات وثقافات بينها مئات السنوات من الإختلاف والصراعات. هذا الجدال يستدعي إستحضار مفهومٍ ثابت للشر او للشرير، كما يستوجب وجود تعريف لما “خيّر” لكي نتمكن من الإجابة على السؤال أعلاه بالنفي أو الإيجاب.

هنالك مفاهيم وممارسات كانت البشرية تنظر لها بشكل إيجابي وأصبحت الآن موضع إزدراء وأحياناً تجريم. العبودية على سبيل المثال كانت نمطاً إجتماعياً مقبولاً لدى العديد من المجتمعات، حتى من كانوا يخضعون للعبودية بوصفهم “عبيداً” كانوا يتعايشون مع الأمر بشكل ما ويتقبلونه بوصفه “قدرهم”. أما الآن فالعبودية هي بلا شك عمل شرير، أو على الأقل ينظر لها معظم البشر بإزدراء.

حتى على مستوى الأشخاص الذين قادوا مذابح ضد غيرهم وتسببوا في هلاك آلاف – وربما ملايين – البشر، نجد أن بعضهم ما زال يُنظر إليه باعتباره بطلاً قومياً. جنكيز خان، سفاح آسيا الأعظم، هو بطل تاريخي في منغوليا حتى يومنا هذا. أدولف هتلر، المتسبب في مقتل أكبر عدد من البشر في أقل من 6 سنوات، كان خلفه ملايين المؤيدين ليس في ألمانيا وحدها بل في العديد من دول العالم وقتها.

الكثير من حركات التحرير كانت مصنفة بوصفها منظمات إرهابية، كجيش التحرير الإيرلندي وغيره. الصورة النمطية للشر هي غير موجودة في الواقع كما نراها في الدراما، والعديدون ممن قاموا بأعمال قد تصنف على أنها شريرة يسوقون عشرات المسوغات والأسباب التي من أجلها فعلوا ما فعلوا. وقد تجد الكثيرين ممن يرون في جوزيف ستالين المدافع الأخير عن تغول الرأسمالية الممثلة في الولايات المتحدة، والذي خسر العالم الكثير بوفاته، حسب رأيهم. علاقة الكراهية الكلاسيكية بين شعوب المنطقة العربية والغرب تحكمها مفاهيم نمطية نشأت عن طريق تراكمات ثقافية ودعائية عملت على شيطنة الطرف الآخر ونفت عنه أي صورة للخير.

أما على مستوى الدراما، فالسينما على سبيل المثال تقدم للمشاهد الوجبة الجاهزة التي يطلبها. فالشرير يسهل على طفل في الثالثة تعرفه من أول دقيقة، واللون الأسود هو اللون المفضل للأشرار كما عودتنا سلسلة “Star Wars”، والأشرار في أفلام Marvel هم صورة مطابقة لما ورثه عقل المشاهد عن الشر ويقومون بكل ما يدفعنا لكراهيتهم والرغبة في إنتصار البطل عليهم. حتى أشرار Disney يقومون بكل الأفعال الشريرة بدون مبررات سوى أنهم يرغبون في ذلك. السياق الدرامي للأحداث في الكثير من الأفلام السينمائية غالباً ما ينتهي بانتصار الأخيار بصورتهم النمطية على الأشرار مهما تعارض ذلك مع التباين الكبير في إمكانيات وذكاء الطرفين. والحبكة الدرامية تجد طريقها نحو انتصار الخير بشكل قد يبدو طفولياً ولكنه يلقى القبول لدى القطاع الأكبر من المشاهدين.

ذلك السياق الذي لم تتمرد عليه سوى بعض الأفلام التي طرحت فكرة “الشرير الذي نحبه”،هذا الشرير الذي قامت الدراما بعرض جوانب مختلفة من شخصيته أتاحت للمشاهد زاوية جديدة للتماهي معها.

فيلم Heat، الحدث السينمائي الذي جمع بين الأسطورتين روبيرت دي نيرو وآل باتشينو هو مثال جيد على إستحواذ شرير الفيلم على تعاطف المشاهدين. وعلى الرغم من ذلك ففي نهاية الفيلم تتحكم نزعة تصحيح الأشياء ووجوب إنتصار الخير على الشر في مصير الشخصية الأكثر جاذبية – من وجهة نظر الكثيرين – وينتصر رجل القانون بشكل ما، حتى مع إنتفاء الأسباب المنطقية لذلك.

0

شاركنا رأيك حول "لهذه الأسباب ينتصر الأشرار في الواقع ويخسرون في الدراما"