في وداعي لكم سأجيب أخيرًا عن سؤالكم: قائمة أفلامي المفضلة!

10

لم أكن أتخيّل أثناء كتابتي لأول مرّة في أراجيك عام 2013 أن عدد مقالاتي قد يتجاوز في يوم من الأيام الألف، أو أنني سأحظى بقسٍم مختصّ في مجال السينما العالميّة والفَنّ، أو أنني سأتكمّن من العمل مع مجموعة من أفضل الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي، أو سأشرف على كُتّاٍب تفوقوا بضرباتهم السحريّة فوق لوحة المفاتيح على نصائحي التي لا تنتهي، ولم أكن أتخيّل أبدًا مغادرتي لمكاٍن استطاع حجز حيٍز من نفسي، لينتقل من كونه عملي إلى شغفي، ولكن فترتي وقصتي مع أراجيك قد انتهت بعد ثلاث سنواٍت من الشغف الكتابيّ الذي تمحوّر في أغلبه حول السينما والأفلام.

منذ بداياتي مع أراجيك وجدت ملاذًا رائعًا من عالمنا الذي قد يفتقد للإبداع وفي بعض الأحيان التفكير المنطقيّ في حديثي مع مؤسس المجلّة ملاذ المدني، وعمادًا قويًّا كلما فقدت الأمل في محتوى العالم العربي عندما أتحدّث مع مُرشدي عماد شمس، وفضلٌ وأمٌل لا ينتهي من زميلي في العمل محمد فضل.. مجلّة أراجيك منصّة مميّزة جدًا في العالم العربيّ وحصل ذلك بسبب نظرة وإبداع هؤلاء الأشخاص، أتيت أنا أيضًا وقدّمت ما أملكه من شغف حتى استمرّ في هذه المجلّة، ولكن قد حان الأوان لأتابع طريقي بعيدًا عنها.

رحلة طويلة مليئة بالعثرات والعقبات، فلم تكن إدارة الموقع بالمسؤولية السهلة أو الهيّنة في أي فترة من الفترات، العمل طويل ومُرهق جدًا، لكن لا شيء يُضاهي “إثراء المحتوى العربيّ” بالفعل، وهذا ما وضعته نصب عينيّ منذ أن انضممت إلى هذا الفريق المميّز، ولكن على طريقتي الخاصة، بحديثي عن الأفلام والسينما، وبعض المواضيع الأخرى المتنوّعة، فمن يعرفني فهو يعرفني بسبب نظرتي لعالم السينما والأفلام.

اللحظة التي اختلف فيها كل شيء في مسيرتي مع أراجيك هي اللحظة التي اطلقنا فيها قسم أراجيك فَنّ، قسٌم يعشق الفَنّ ويحاول إضافة ما يُمكن إضافته في هذا المجال الغائب فكريًّا وجوهريًا عند العرب. أراجيك فَنّ في رأيي – نظرًا لأني مديرها منذ لحظة تأسيسها – دعوة من مجلّة أراجيك للاحتفال بالجمال من حول العالم، سواء كان هذا الجمال موجودٌ خلف عدسة مخرج فيلم أو تحت ريشة فنانة أو منحوت في الحائط، هذا الجمال الذي حاولنا نقله دائمًا إلى قرائنا الأعزاء ومتابعينا المخلصين، الذين شكلوا بالنسبة لي أكبر دافع ومحفّز للاستمرار والمتابعة، ولهذا السبب أشكركم، فأنتم أساس كُلّ شيء.

حصلت أثناء فترة عملي مع أراجيك على فرصة التعرّف والعمل مع مجموعة هائلة من الكتّاب الذين ألهموني كُليًّا في حياتي وكتاباتي، وآمل أن أكون قد فعلت الأمر ذاته لهم.. ذلك الولع الذي تملكه نورا ناجي، الإخلاص الذي يميّز المُبدعة ياسمين عادل فؤاد، دماغ زين بوش السينمائي الفريد “وهو الذي سيكون في غضون السنوات القادمة أهم ناقد سينمائي يكتب باللغة العربيّة”، جرأة وحماس غيث حمّور، إضافات كنعان أبو راشد والتي لا يمكن وصفها بأقل من المميّزة، إصرار ومثالية هدى أشنيابي، تفاني وعمل علياء طلعت الممتاز، وجميع من عملت معهم في القسم الفَنّي، أقول لكم: إبداعكم يأسرني، شكرًا جزيلًا لكم، لقد قدمتم لي الكثير وساهمتم في نهوض واستمرار نظرتي التي سخرتها لأراجيك فَنّ، وستتابعون فعل ذلك من بعدي، فأنا لا أملك أدنى شك في ذلك.

إن الأسباب التي جعلتني أختار السينما والأفلام، هو عشقي ومحبّتي منقطعة النظير لهذا النوع الراقي من الفَنّ الذي في نظري هو أجمل أشكال الفَنّ في حياتنا كُلّها. منذ تلك اللحظة التي ينطلق بها الكاتب في رسم لوحته الفنيّة عن طريق السيناريو مرورًا بالمخرج الذي أخذ على عاتقه نقل هذا الكلام المكتوب إلى كلاٍم مقروء عن طريق صور ورسوم وموسيقى ومؤثرات وإيماءات، منتهيًا بالفريق التقنيّ والمُحرر والذين يضعون اللمسات الأخيرة على الفيلم.

إنها عمليّة أشبه بالخيال وأقرب إلى السحر ما هي من الواقع، وجميعنا تعرفنا بأكبر قدر ممكن سويًة عن طريق منصّة أراجيك فَنّ على هذا الفَنّ الهائل، فما حاولت دائمًا نقله عن طريق أسطري المكتوبة هو شغفي بعالم السينما.. انضموا لي واشعروا بتلك السعادة التي أشعرها في بداية الفيلم، اذرفوا دموعكم كما اذرف دموعي في تلك الذروة السينمائية، وآمل أنني قد تمكّنت من فعل هذا الشيء، فالشغف هو ما يميّز أراجيك بشكل عام، وأراجيك فَنّ بشكٍل خاص.

لا شيء لديه القدرة على نقل ذلك الكم الهائل من الخليط الفَنّي كما تقوم الأفلام، أو المشاعر الإنسانية وتصويرها بدقة شديدة كما تُرسم الشخصيات السينمائية، فلذلك السينما في المُقدّمة وستبقى في المُقدّمة بالنسبة لي، لم تكن ولن تكون مجرّد مصدر ترفيٍه، بل هي أقرب لحياتي الكاملة.

والآن بعد أكثر من ثلاث سنوات كاتبًا، محررًا، مديرًا، مُدرّبًا في أراجيك، أريد أن أنهي مسيرتي في المجلّة كما كانت بدايتي في أغسطس 2013، بمقال عن قائمة أفلام، لكن في هذه المرّة سأجيب عن سؤالكم الذي تكرر صداه كثيرًا في أذنيّ: ما هي أفلامك المفضلة؟ أو ما هو فيلمك المفضل؟

سأخبركم ما هي أفلامي المفضّلة، وأتمنى أن أستطيع من خلال هذا المقال ترك ذلك الطابع الإيجابي حول معرفتي وخبرتي في المجال السينمائي.

اختيار أفضل 10 أفلام ليس أبدًا بالمُهمّة السهلة، ولكن هناك بعض المعايير التي اتبعها والتي سهلت من المُهمّة كثيرًا عليّ، وهناك قاعدة أساسيّة هي:

يجب أن أكون قد شاهدت الفيلم أكثر من 10 مرات على الأقل، فإذا مازلت أشعرُ بذلك الشغف السينمائي يقودني لمشاهدته مرّة أخرى، فسأعلمُ حينها إنه من النخبة بالنسبة لي، فلذلك لن يتواجد فيلم Interstellar للمخرج كريستوفر نولان ولن يتواجد فيلم مُذهل مثل Mad Max: Fury Road، وبناءً على هذه القاعدة قمت بإقصاء عدد كبير من الأفلام، وقمت بالاختيار مما تبقى.

أريد التنويه أيضًا أن هذه هي أفلامي المفضلة، وليست أفضل الأفلام في تاريخ السينما في رأيي، حيث يبقى ارتباطي بهذه الأفلام أشبه بالروابط الخاصة، ولكنها جميعها أفلام مثاليّة أو شبه مثاليّة، ويوجد في اللائحة بعضًا من أعظم كلاسيكيات السينما العالميّة بالتأكيد، وأمر آخر أيضًا سأذكر الأفلام دون أي ترتيب معيّن، فلذلك لا يوجد فيلم مفضّل، ولا يوجد ترتيب معيّن.

أحبّ السينما بشكلٍ كبير لكن أُفضّل دومًا مشاهدة الأفلام لوحدي لأن المشاهدين الآخرين قد لا يلتزمون بالقواعد الأساسيّة والضرورية لمشاهدة الأفلام، وهذا ما يزعجني كثيرًا. لا يوجد أي تصنيف مفضّل بالنسبة لي، فترة الأفلام المفضّلة هي الستينات وبداية السبعينات بالطبع، وأعشق السينما الحديثة، وخاصًة من يهتم بالجوانب الفنيّة السينمائية مع إضافة عناصر كنّا نشاهدها قديمًا، هذا الاستثمار المُعصار للأفكار السينمائية التقليدية هو عمل عباقرة، والنتيجة دائمًا ما تكون مرضية.

أحبّ جميع أنواع الأفلام دون استثناء، لكن لديّ تحفظات على بعض التصنيفات، أحب أفلام الخيال العلمي، الكوميديا السوداء، الدراما المُجرّدة، الخلط بين التصنيفات السينمائية، الأفلام الرومانسيّة الخياليّة، أفلام الرعب “الجيدة”، وقد لا أميل كثيرًا إلى أفلام الحرب، الويسترن، أو الجريمة لكن جميعها تملك مداخلات مميّزة جدًا وهائلة في عالم السينما، فالأمر في النهاية يعود أيضًا إلى مسألة الآراء والأذواق، وفي السينما دائمًا هُناك من يُحِبّ ومن يكره، وهناك ما يُحَبّ وما يُكرَه، لكن هناك لوحات “كما أحب وصفها” ستجبرك على احترمها وتقديرها.

ما فعلته في أراجيك فَنّ هو اعطاء عالم السينما حَقه، احترمته بأكبر قدر ممكن وعملت كثيرًا على إيصال هذه المعلومة أو تلك بأفضل طريقة ممكنة، سواء عن طريق الكتابة أو الصور أو الفيديوهات المضافة، وأتمنى أن  أكون قد نجحت في ذلك.

لم أشاهد بالطبع جميع الأفلام في الحياة، ولكن شاهدت عدد كبير جدًا من الأفلام، بالنسبة لسنة 2016 لم أشاهد الكثير من أفلامها، غالبًا ما أقوم بهذا الأمر في الأشهر الأخيرة من السنة، ولكن بشكل عام وفقًا لمراقبتي للوضع يبدو أننا على وشك الانتهاء من سنة سينمائية كارثية على جميع الأصعدة.

كفانا مُقدّمات، أظن أن هذه النقاط التي قمت بسردها كافية للإجابة العامّة على سؤالكم، والآن لنتخصّص قليلًا ونتعرّف إذًا على قائمة أفلامي المفضلة، قائمتي الأخيرة ومداخلتي الختامية في مجلة أراجيك، قسم أراجيك فَنّ:

Memento

zarycmrdbpcm8z3nwpqmpi9guvt

كان لا بُدّ أن يتواجد أحد أعمال المخرج كريستوفر نولان في قائمتي المُفضّلة، وهو صاحب سجل هائل صغير شبه مثالي من الأفلام، ولكن ما أعشقه في فيلم Memento الذي شاهدته دون مبالغة أكثر من 50 مرّة هو البساطة والتعقيد في الوقت ذاته.

فعندما نتحدّث عن رؤية وإمكانيات المخرج كريستوفر نولان على تقديم أعمال هائلة، قد يضيع المُشاهد قليلًا بين لمساته المتميّزة والفنيّة الساحرة في خضمّ الإنتاج الهائل والميزانية الضخمة كما في فيلم Inception أو ثلاثية The Dark Knight، حيث تجمع هذه الأفلام بطريقة ليس لها مثيل بين المتعة السينمائية والعمق النفسيّ الدراميّ، وهو ما يميّزها كثيرًا عن أفلام أخرى في المجال ذاته.

لكن إذا عدنا قليلًا في الزمن ونظرنا إلى أول الأعمال الطويلة للمُبدع نولان، سنجد فيلم Following الذي على العكس تمامًا، احتاج إلى المزيد من الدعم الماديّ والإمكانيات الإنتاجية ليصل إلى المستوى العالميّ والكافي لخطف عقل المُشاهد كُليًّا، وهو ما حصل عليه نولان في فيلم Memento الذي كان فيلم ممتع إلى أبعد الحدود، مشوّق ووسيلة استطاع من خلالها إبراز وإظهار إمكانياته ونظرته السينمائية المُحيّرة.

لم يؤكّد هذا الفيلم إبداع نولان في مجال الإخراج السينمائي فقط بل أيضًا أثبت قدراته كصانع أفلام مُتكامل، مُحرر ذو نظرة مختلفة خلّاقة دون أدنى شك، وسيناريست دقيق إلى أبعد الحدود، حيث تمكّن من إثبات تلك الأخيرة بعد استعانته بقصة قصيرة كتبها أخوه جوناثان نولان.

أبرزت البساطة من جهة هذه النقاط المميّزة في الفيلم، لتأتي بعد ذلك تلك القصة الهائلة، الأصليّة والممتعة لتأخذنا في رحلة سينمائية ليس لها مثيل من التشويق، الدراما، الحوار الذكي، الشخصيات المتنوّعة وأخيرًا المفاجآت التي لم يتمكّن أي مشاهد من التفكير حتى في احتمالية قدومها.

فيلم Memento فيلم غاية في الدقّة والجمال، وهو ما ساهم في شهرة كريستوفر نولان، هذا السينمائي المميّز، والذي أصبحنا ننتظر منه الإبداع، والإبداع فقط.. على غرار الأسطورة ستانلي كيوبرك. في رأيي الشخصي تمكّن نولان من نقل فكرة إبداعية مختلفة عن كل ما شاهدناه في عالم السينما بطريقة ليست بالسهلة أو الواضحة، وهذا ما يجعل فيلم Memento لوحة سينمائية مثاليّة.


Oldboy

oldboy_shot_32

شاهدنا على مرّ السنين الكثير من أعمال السينما الكوريّة الخلّابة، ولكن فيلم Oldboy هو حالة استثنائية وطفرة سينمائية ليس فقط في عالم كوريا الجنوبيّة بل في عالم السينما بأسره، وهو الجزء الثاني من سلسلة الانتقام غير المتصلة للمخرج المُبدع بارك شان-ووك، ويا لروعة رحلة الانتقام هذه!

فيلٌم عنيف، مليء بالدماء، غريب جدًا غير أي شيء شاهدته في حياتي، يستند في رأيي الشخصي على 5 دعامات أساسيّة، أولها هي القصة والجانب التصاعدي منها، حيث استطاع الفيلم ونجح في رفع مستوى الغموض والتشويق أثناء تقدّم أحداثه، ولكن لم يكن هذا الغموض الذي نتحدث عنه هنا في أحداث القصة فقط بل في شخصيات الفيلم نفسها، وهو العنصر الثاني الرائع في هذا الفيلم، الشخصيات المميّزة سواء كان ذلك في تنوّعها، ونتاج وضعها في الإطار السينمائي ذاته، غرابتها أو أهدافها الشخصيّة.

العنصر الثالث الرائع في هذا الفيلم هو آلية التصوير، والاستخدام الذكيّ للقطات، ويبدو أن أكثر الأمثلة بروزًا في هذا المجال، هو مشهد القتال الشهير في الفيلم. لننتقل الآن إلى العنصر الرابع الهام وهو البعد الإنساني البشريّ والدراسة التحليلية النفسيّة التي فرضها الفيلم على شخصياته وردود أفعالها عن طريق سرده للأحداث والسيناريو الذي قدّم لنا اقتباسات سينمائية خالدة عميقة في المعنى وقويّة في سياق عرض الفيلم.

“ابتسم وسيبتسم العالم معك… ابْكِ وستبكي وحيدًا.”

العنصر الخامس والأخير الذي يجعل من هذا الفيلم تجربة لا غنى عنها هو ببساطة الموسيقى، والتي جمعت بين الموسيقى المعاصرة والكلاسيكية التي كانت تتحدث معنا كما فعلت شخصيّة الفيلم، وكان للموسيقى ومعناها وتطوّرها عبر فيلم Oldboy تأثير كبير في مستواه وفي المُشاهد بحدّ ذاته.

يأخذنا المخرج بارك شان-ووك في رحلة سينمائية مليئة بالمطبات النفسيّة، والتي بدورها تجبر المشاهد على التفاعل والتأثر بأحداثها وتفاصيلها. فيلم استثنائي وأفضل ما قدّمت سينما كوريا الجنوبيّة، وأظن أن النسخة الأمريكية التي أخرجها سبايك لي مأساة حقيقية بكل ما يعنيه الإطار خاصًّة عندما تتم مقارنته مع الفيلم الأصلي المعروض عام 2003، وهو المقتبس في الحقيقة عن مانجا يابانية تحمل الاسم ذاته.

شكرًا لمبدعي المانجا في اليابان ولمبدعي الأفلام في كوريا الجنوبية على هذا النتاج الهائل.


Her

HER

كما قلتُ لكم سابقًا؛ أعشق السينما الحديثة، وما يُمكن أن تصنع بسيناريو هو من أجمل وأذكى ما كُتِب في تاريخ السينما. حيث أشرف سبايك جونز بنفسه على كتابة وإخراج هذا الفيلم، بعد عمله على إخراج عدّة أفلام لعبقريّ السيناريو تشارلي كوفمان، ليتمكّن في عام 2013 من تقديم فيلم قد يفوق بتصميم إنتاجه وجمال كلماته منطق الإبداع السينمائي، ولكن هو ذلك الخليط الهائل بين الخيال العلميّ، الرومانسيّة، والإسقاط على الحياة المعاصرة ما يجعل هذا الفيلم يسطع بدون شك في تاريخ السينما.

يجمع الفيلم بين الدراما المؤثرة والرقّة والرومانسيّة اللطيفة جدًا، التي ستؤثر دون شك في أعتى وأكثر الشخصيات صلابًة، حتى إذا شاهدته عشرات المرّة لن أشعر بالضجر من كلامه العذب، ليضيف الخيال العلمي جانب آخر مختلف استطاع من خلاله عكس الواقع الذي نعيشه بطريقة أشبه بالساخرة ولكن لا تبتعد أبدًا عن الدراسة الواقعيّة للنفس البشريّة وتأثير الحياة التقنيّة علينا وبالأخصّ على علاقاتنا العاطفيّة، وهذا بالتحديد ما ينقل السيناريو من خانة الجميل إلى الذكيّ أيضًا.

لم يكتفِ سبايك جونز بكتابة هذا السيناريو الهائل، بل قام أيضًا بإخراج فيلم Her المُذهل الذي استفاد كثيرًا من الأدوات والألوان المُستخدمة في سياق تصميم الإنتاج، وهو ما تجلّى في خطوة إبداعيّة مميّزة جعلت التجربة السينمائية مختلفة لها القدرة على نقلنا إلى عالم آخر، خياليّ ورائع، قد يبدو سخيفًا من خارجه ولكنه بعمق إنسانيّ هائل لن يتمكّن سوى عبقري بمثابة سبايك جونز من استكشافه.

في رأيي الشخصي يُعتبر فيلم Her من أفضل الأفلام الحواريّة الحديثة وحتى في تاريخ السينما، وهو ما تنتظره من شخص اعتاد على العمل مع تشارلي كوفمان، الذي سيكون له مداخلة في هذه اللائحة بالتأكيد، وكانت خطوة الاستعانة بنجوم أمثال خواكين فينيكس وآيمي آدمز خطوة موفقة ممتازة، ويمكننا أن نُطبّق الأمر ذاته على الاستعانة بصوت سكارليت جوهانسون، فحتى لو كان النص هو أجمل ما ستقرأ في حياتك، يجب أن يتم إلقائه بالطريقة الصحيحة.


Vertigo

1b1xcauqgzpdnw4fc5mvveqtp81

في صراع الأفلام العالميّة وأفضلها على مرّ السنين، يبرز دائًما فيلم Citizen Kane منافسًا لفيلم يُدعى Vertigo على لقب أفضل فيلم في تاريخ السينما، ربما لا أوافق على هذا الاختيار تحديدًا ولكن فيلم Vertigo هو دون أدنى شك – ليس فقط لأهميته في تطوّر السينما ومكانته التاريخية، بل أيضًا لقصته وعرضه، موسيقاه ومعناه – من أفضل الأفلام في تاريخ السينما ومن أهم الكلاسيكيات التي تستثمر عناصر السينما الفنيّة بإبداع مُطلق، وهذا ما يجعله تمامًا من أفلامي المفضلة.

إذا أردت أن تشرح معنى الفَنّ السينمائي، فعليك بالذهاب إلى مدرسة آلفريد هيتشكوك الذي قد يكون أفضل من وقف خلف عدسة كاميرا أفلام في التاريخ، واعتقد أن فيلم Vertigo هو أفضل أعماله الإبداعيّة التي كثرت خلال مسيرته، فقبل أن أتحدّث قليلًا عن القصة، قد يصلح مرّة أخرى وصف “المثاليّة” على عناصر الفيلم السينمائية، من التصوير إلى الاستخدام المُبهر للألوان والخلّاب للإضاءة والفنيّ لعدسة الكاميرا وبالطبع لتقنيات التصوير.

سيظل هذا الفيلم شمعة مضيئة في تاريخ السينما لكُل مهتم في فهم هذه العناصر السينمائية، حيث لم يتم استخدامها في أي فيلم تاريخيًا كما حصل في فيلم Vertigo وهو ما يجعل بالنسبة لي آلفريد هيتشكوك فنان مُبدع ومن أهم المخرجين الذين ألهموا وعلّموا وأنشأوا بأفلامهم “فقط” أجيال كثيرة وطويلة من صنّاع الأفلام المتميزين.

إن اللعبة التي كان هيتشكوك مشاركًا فيها مع الـ MPAA هي نوعًا ما السبب الرئيسي في ظهور الفيلم على هذا النحو، حيث استلهم واستعان بالكثير من التقنيات السينمائية والتصويرية المُذهلة لنقل مشاهد وإرسال ومضات من الفيلم يُمكن ببساطة عرضها في وقتنا الحاليّ على شاشة السينما، والتي كانت تلميحات جنسيّة في أغلبها، وذلك أثناء عرضه لقصته المميّزة التي تمحورت حول الحُبّ والهوس أو هوس الحُب مع علامته المميّزة في مجالي التشويق والغموض، مُقدّمًا دراسة نفسيّة استثنائية اندمجت مع جميع عناصر الفيلم لتقديم لوحة فنيّة سينمائية متكاملة، ونهاية هي علامة من علامات السينما في التاريخ.

قد يعوّل البعض إلى تقنيات التصوير الذكيّة والمُستخدمة في عام 1958 إلى الثورة التي حققها هذا الفيلم في عالم التصوير السينمائي، وهذا صحيح 100% حيث أضاف هيتشكوك عدّة مشاهد تصوير مازلنا نراها مُذهلة في يومنا هذا، ليُصبح هذا الفيلم انتصارًا فنيًّا ليس له مثيل لملك التشويق نفسه آلفريد هيتشكوك.


Whiplash

brody-whiplash-1200

نصل إلى أحدث الأفلام وأجددها في لائحة أفلامي المُفضلّة، وأظن أن البعض قد يرى أن هذا الفيلم لا يرتقي فنيًّا إلى مستوى الأفلام الأخرى في هذه اللائحة، ولكن هنا الخطأ تمامًا، حيث تختلف العناصر المُستخدمة قليلًا، وتبرز بشكل واضح هنا تأثيرات السينما الحديثة، حيث حقق الصاعد داميان شازيل نصرًا عظيمًا في فيلمه المستقلّ هذا، وذلك بمساعدة شخصياته المكتوبة بدهاءٍ شديد، ذلك الاستخدام الممتاز للتحرير والمونتاج، وأخيرًا بالطبع موسيقى الجاز المُضافة في الفيلم.

إن كنت مُحبًّا ومُعجبًا في موسيقى الجاز أو لا تملك أي ميول لها، لا يُهمّ كثيرًا فهذا الفيلم ليس موسيقيًا فقط بل هو لوحة دراميّة مؤثرة شديدة متسارعة بوتيرة هائلة والموسيقى المُدمجة مع مشاهد الفيلم هي عنصر هام جدًا في القصة، ولكن تبقى الأهميّة والأولوية لشخصيات الفيلم التي شكلت محور وأساس هذه اللوحة الممتعة، حيث أستطاع جي. كي. سيمونز بأدائه لشخصيته في فيلم Whiplash من تقديم واحدة من أقوى الشخصيات السينمائية الحديثة والتي حملت على عاتقها إيصال جزء كبير من أهداف الفيلم.

قد يكون فيلم Whiplash عمل مُمتع إلى أبعد الحدود ولكنه مع ذلك لا يترك الموضوع أبدًا لمبدأ العشوائية، حيث هدفه هو الحديث عن الطموح والأهداف والكثير من الجوانب الأخرى التي تؤثر في حياتنا وخاصًة أثناء صعودنا ونمونا فيها، والتغييرات الكبيرة التي قد تطرأ على الشخصيات، حيث وضع المخرج وكاتب الفيلم داميان شخصيّة الموسيقي الصاعد تحت المجهر وأبدع في وصف مراحل تطوّره وقدراته سواء الموسيقية كانت أو حتى النفسيّة.

احتوى الفيلم بكل تأكيد على عناصر سينمائية لعبت دور كبير في مكانته وروعته، منها الاستثمار الصحيح والفريد من نوعه للإضاءة وأيضًا تحرير الفيلم، الذي كان عملًا إبداعيًا كاملًا متكاملًا، والأمر ذاته بالنسبة للجوانب التقنيّة الخاصة بالموسيقى وحتى الموسيقى نفسها.. جميعها عناصر ساهمت في نقل قصّة غير متوقعة مفاجئة في عالم الدراما وهو ما يثير الإعجاب، تلك الوتيرة السريعة للأحداث، مقابل المرور البطيء للمشاهد حتى نتمكّن ونحصل على فرصة فهم وتحليل الشخصيات والتفاعل معها. فيلم مُمتع هائل ليس له أي مثيل أو شبيه في عالم الأفلام الموسيقية.


Eternal Sunshine of the Spotless Mind

eternal-sunshine-of-the-spotless-mind-1

مُذهل بالفعل ما يُمكن لفيلم مثل هذا أن يقدمه لك، إذا شاهدته آلاف المرات لن أمل أبدًا بل سأتابع مشاهدته لأنه فيلم مختلف، لأن كل شيء فيه مختلف وغريب، لأنه عمل سينمائي مثاليّ.

يُعتبر هذا الفيلم من أجمل ما شاهدت عيناي في عالم السينما، وهي مداخلة تشارلي كوفمان في لائحتي أفلامي المفضلة، هذا المُبدع الذي لا يعرف كيف يكتب فيلمًا عاديًا، لا يعرف إلا أن يُذهل مشاهديه بكلماته وقصصه المميّزة، وكانت النتيجة “على أقل تقدير” في هذا الفيلم أقل تعقيدًا من فيلم Synecdoche, New York.

يؤلمني مشهد النهاية في فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind، لأن الفيلم شارف على الانتهاء، ولأنني سأعود إلى رشدي بعد اندماجي التام مع العالم الذي انتقل دماغي إليه. كُلّ شيء في هذا الفيلم في مكانه دون أي استثناءات، لا مبالغات لا تكلّف، قصة حُبّ ولا أجمل من ذلك، خرجت عن الكثير من الأفكار المبتذلة وقدّمت معها مزيجًا من الخيال العلمي أو ربما الأحلام التي نتمنى أن تتحقق، ومن ثم يضيف بعض خدع التصوير هنا وهناك، بعض المؤثرات المناسبة والتي احتاجتها بعض المشاهد، والنتيجة كانت فيلم رومانسيّ رائع، خلّاب، مُذهل وأكثر من ذلك بكثير.

لا يمكن وصف الإبداع المتمثّل في كل ثانية يستمرّ بها عرض هذا الفيلم الذي لا يتسم أبدًا بالوضوح، بل تطلّب واحتاج الكثير من الجرأة لصنعه، وكانت هذه المغامرة والمداخلة ناجحة بكل تأكيد، فمن الصعب تكرار إنجاز سينمائي بحجم فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind الذي جمع بين الكثير من التصنيفات السينمائية بطريقة هائلة وأثبت أهميّة الأفكار الأصليّة واستثمارها في عالم السينما، حتى في أكثر التصنيفات ابتذالاً، لأن الأمر دائمًا قابل للنجاح، سواء عن طريق المزج أو ببساطة التغيير.

يبقى فيلم Eternal Sunshine of the Spotless Mind واحدًا من أفضل الأفلام الحديثة لقصته اللطيفة، شخصياته الفريدة، وما يستطيع أن يقدّمه للمشاهد من أحاسيس ممزوجة بمتعة ليس لها مثيل، ولكن هو ذلك الارتباط الكبير الذي يشكله الفيلم مع المشاهد، حيث يُقدّم تمامًا عرضًا واقعيًا لأفكارنا وحياتنا وعلاقاتنا وأكثر من ذلك مُتعمّقًا إلى رغباتنا وتصرفاتنا العفويّة، وهذا ما يجعل الفيلم ذو ارتباط وثيق مع المشاهد، وطريقة عرض فكرة الفيلم العكسية هي من دون شك من أجمل ما شاهدناه في السينما وأكثرها ابتكارًا.

“تذكرني. حاول ما بوسعك…”


20011A Space Odyssey

sea1ht83qp1hh9wi4r3w

أنا شخصيًّا لا أعشق أعمال أي مُخرج أبدع في مجال السينما ولا أملك أي ارتباط مع أفلامه كما أملك مع ستانلي كيوبرك، المثاليّ المُبدع، صاحب أكبر فضل على بعض أجمل وأكثر التصنيفات السينمائية متعًة في يومنا هذا، والذي رأى خلف عدسة الكاميرا صورًا لن تخطر في بال أو خاطر أو مخيّلة أحد لولاه، وهو أفضل مخرج في تاريخ السينما في رأيي الشخصيّ، وأيضًا مخرجي المفضّل وفي الواقع أفلامه جميعها تقريبًا من أفلامي المفضّلة، ولكن يبقى لفيلم 20011A Space Odyssey مكانة خاصة ليس لها مثيل.

أنا بالطبع لم أكن مولود في عام 1968 ولكن عندما شاهدت هذا الفيلم لم أصدق ما تراه عينايّ، حيث شكّل الفيلم قفزة لا غنى عن أهميتها في عالم أفلام الخيال العلميّ وكان هذا كله بفضل كيوبرك الذي أنتج وأخرج الفيلم، شارك في كتابته وصنع مؤثراته البصريّة الخاصة، وساهم في تقديم لوحة هي أيضًا من أعظم ما شاهدناه في تاريخ السينما.

ما يعجبني كثيرًا في هذا الفيلم هو طول المشاهد، حيث وصل تأثير الجانب الماديّ لصناعة السينما حديثًا لتقصير الأفلام تعسّفًا، ولكن كيوبرك ما كان بمبالي في تلك الفترة وأعطى كل مشهد حقه، فلم يكن 20011A Space Odyssey مجرّد فيلم خيال علميّ فقط، بل كان ملحمة فكريّة تتعمّق في مكوّنات النفس البشريّة وتطور الإنسان، وبحث آخر منفصل في عالم المخلوقات الفضائية والحياة الذكيّة الموجودة في الخارج، وكل هذا إلى جانب الكومبيوتر التقنيّ الشرير الذي ألهم أعمالًا وأجيالًا من الذكاء الاصطناعي، ولكن لا يُذكر في صدد الحديث عن هذا الفيلم ولا يتم النظر إليه بلغة السنوات، حيث يبدو الفيلم رائعًا ومُذهلًا في يومنا هذا.

لولا هذا الفيلم لما كان الخيال العلميّ على حاله الآن، فما يُحسب كثيرًا هو الأبعاد النفسيّة التي تناولها مرّة أخرى كيوبرك في أفلامه، ولكن هذه المرّة استعان كثيرًا بالفضاء ليصنع لوحة سينمائية مُعقدّة جدًا، يمكن لكل شخص أن يأخذ ما يريد منها، وأن يراها بطريقته المميّزة، ويفسّرها على طريقته الخاصة.

هذا كان هدف كيوبرك، ولقد نجح في ذلك دون شك، وهل هناك أفضل من تلك الطريقة التي يوظّف فيها كيوبرك الموسيقى الكلاسيكية في أفلامه؟ ملائمة لأبعد الحدود، لأن أفلامه نفسها تعزف سيمفونيات سينمائية هي من أفضل ما شهده عالم الأفلام.


The Diving Bell and the Butterfly

تملك السينما الأوربيّة طابعًا مميّزًا يجعلها مختلفة عن كل ما اعتدنا مشاهدته من أقسام أخرى في العالم، وبيد أن أصالتها الدراميّة هي أكثر ما تشتهر به وعمقها وبطئها في بعض الأحيان، إلا أن هذا الفيلم الفرنسي شكّل قصة مختلفة تمامًا وفتح صفحة رائعة جدًا في مجال الإبداع السينمائي وطريقة العرض الدراميّة.

ربما لا تكفي كلمة خلّابة لوصف كل لحظة من هذا الفيلم، حيث امتلك جميع العناصر التي تجعل منه فيلمًا رائعًا وجميلًا جدًا، من قصته المقتبسة عن حادثة حقيقية، إلى تحريره وترتيب المشاهد وأحداث الفيلم وصولًا إلى الأداء العملاق من طاقم التمثيل، ولكن كان لا بُدّ للمخرج جوليان شنابيل أن يُقدّم شيءً مختلفًا، فغامر وفعل وقدّم لنا بصريات مُذهلة رفعت كثيرًا من القيمة الفنيّة للفيلم وجعلته يصل إلى مستويات راقية ومرتفعة جدًا من الجمال.

عُرِض هذا الفيلم من منظور مختلف تمامًا، فكان انتصارًا جبّارًا لمصوره، ولكن ما حصل بالفعل هو الحادث الذي تعرّض له جين دومينيك بوبي في عام 1995، فاستثمر جوليان هذه الحادثة والمذكرات التي تمكّن جين من كتابتها ليس فقط للحديث عن قصته التي تم تناولها سابقًا في السينما، بل لاستلهام أفضل طريقة مُمكنة لعرض هذه القصّة المؤثرة والجميلة، ونجح في ذلك بامتياز، عارضًا جميع الجوانب في حياته قبل الحادث وبعده وكيف كانت حياته انطلاقًا منذ تلك اللحظة.

فيلم عن المعاناة، المرض، اليأس وبالطبع الأمل والأسباب التي تدفعنا للاستمرار في الحياة بالرغم من المشاكل والصعاب، فستشعر من خلال هذا الفيلم ما كان يشعر به بوبي من ألم نفسيّ في داخله، وألم جسديّ قيّد حياته للأبد، وسترى بنفسك كيف كان يُراقب الحياة وأكثر من ذلك ستستمع إلى ما كان يُفكّر به، حتى ينتقل كيان هذه الشخصيّة إلى روحك، وهذا ما يجعل هذه اللوحة مؤثرة جدًا، وكل شيء في فيلم The Diving Bell and the Butterfly أو بالفرنسيّة Le Scaphandre et le Papillon جميل ليس له أي مثيل.


Dr. Strangelove or How I Stopped Worrying and Loved the Bomb

dr-strangelove-8-e1411042420230

لا يوجد في عالم الكوميديا السوداء الساخرة أفضل من هذا الفيلم الأسطوري، كيوبرك مرّة أخرى في لائحة أفلامي المُفضلّة، ولكن بعيدًا عن الخيال العلمي والغموض، اخترت الكوميديا السوداء والسخريّة التي عمل على تقديمها من هذه اللوحة التي تملك بنفسها مكانتها السينمائية المُهمّة جدًا والمثيرة للاهتمام.

الكوميديا مجال صعب جدًا في رأيي سينمائيًا، وإذا أردت أن تصنع فيلم حواري كوميدي فعليك الاستعانة بشخص أشبه بكيوبرك، الذي سخر في هذا الفيلم من مخاوف طرفي الحرب الباردة، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، من الحرب النووية.

شاهدتُ هذا الفيلم مرارًا وتكرارًا، ومازلتُ – على ما أظن ليومي هذا – لست بمعرفة كاملة 100% بمعاني جميع النكات الموجودة فيه، ولكنه تمكّن بسهولة من الوصول إلى لائحتي، فهو جيّد لهذه الدرجة، مع أداء متعدد آخر من عبقريّ الكوميديا نفسه بيتر سيلرز، لا يوجد أدنى شك من مكانة هذا الفيلم في قائمة أفلامي المفضلة.

تبدأ الكوميديا الساخرة في هذا الفيلم منذ عنوانه وصولًا إلى مشهد النهاية الشهير مرورًا بالتلميحات الجنسيّة التي أُدخِلَت بذكاء في الفيلم، ومرّة أخرى يتمكّن كيوبرك من صنع لوحة كلاسيكية مقاومة للزمن، من أفضل الأعمال الكوميدية في التاريخ، وأيضًا من أصعبها، وهذا ما يجعله عمل رائع مميّز، خالي من أي نوع من الابتذال، فقط الإبداع ومن ثم الإبداع.


Pulp Fiction

uma-thurman-pulp-fiction

لا أعتقد أنه يجوز لأي لائحة كانت، تحتوي على كلمة أفضل في عنوانها، أن تخلو من العبقريّ “المُلقب بالمجنون” كوينتن تارنتينو، ملك الحوار ومن أفضل من عمل في سياق السينما المُعاصرة، بأساليبه التصويرية الإخراجيّة المتميّزة التي كسرت جميع القواعد وخرجت عن كل ما هو معروف ومألوف في السينما، والتي وصلت إلى قمّتها في فيلم Pulp Fiction.

ربما شاهدت هذا الفيلم أكثر من 20 مرّة، ولكن هناك بعض المقاطع التي استذكرها دائًما وأرغب في إعادة مشاهدتها دومًا، وذلك بسبب كتابة تارانتينو لذلك النص الهائل وتلك الشخصيات السينمائية المختلفة، التي من الصعب أن يُخلق مثلها في عالم مليء بالجريمة والقصص المتداخلة، وصنع فيلم بخطوط زمنيّة متفاوتة له القدرة على تقديم كميّة لا توصف من المتعة والتسلية.

اعترف أن الكوميديا السوداء تأخذ حيّزًا كبيرًا من اهتمامي السينمائي، وذلك بسبب صعوبة الحصول على النجاح من هذا التصنيف المُعقّد، ولكن لا شيء يُشكّل أي معاناة لكاتب سيناريو بحجم كوينتن تارنتينو الذي قدّم لنا هديّة سارّة بمشاركته إيانا رؤياه العبقريّة في عالم السينما.

يملك الفيلم نقاط هائلة تميّزه عن غيره، وهو يتفوّق في الإبداع دون شك، ولكن ينجح أيضًا في الإقناع والإضحاك سواء عن طريق شخصياته غير المألوفة أو عن طريق أحداثه المتتالية والمختلطة ببعضها، وما ينطلق من فم هذه الشخصيّات. فيلم مُمتع جدًا، لا يُضاهى ولا يُقارن بأي عمل شبيه آخر.


أريد التذكير فقط أن هذه هي أفلامي المُفضّلة، وليست أفضل الأفلام في تاريخ السينما حسب رأيي الشخصيّ، فمن الممكن حتى أن تتغيّر هذه اللائحة مع مرور السنوات، وهذا بالفعل ما حصل بعد مشاهدتي لبعض الأفلام الحديثة، آمل أن تكون قد أعجبتكم خياراتي.

تطوّرت كثيرًا من خلال عملي في أراجيك، واكتسبت مهارات لا تحصى، أصبحتُ كاتبًا أفضل، مشرفًا أفضل، وناقدًا وخبير سينمائي أفضل، وأدين بذلك دون شك إلى أراجيك التي قدّمت لي الفرصة للكتابة بالكثافة التي قمت بها.

كانت تجربتي مع أراجيك تجربة هائلة ليس لها مثيل، وليس من السهل أبدًا مُغادرة المجلّة، ولكن آمل أن تزدهر أكثر وأكثر في المستقبل، بمن يعمل عليها، وبمن يقرأ منها. شُكرًا للجميع، شُكرًا لكُل من قرأ مقالاتي، شُكرًا لكُل كاتب ساهم في جعل أراجيك من أفضل المواقع العربيّة، وشُكرًا لكل فرد ومُحرر عمل على هذه المجلة بكل تفاني وإخلاص، حتى تصبح ظاهرة مميّزة فريدة منفتحة فكريًا وباللغة العربية. سأشتاق لكم، في انتظار قراءة إبداعاتكم القادمة..

أما بالنسبة لي، فذلك الإبداع الساميّ الذي ظهرت أولى لقطاته منذ أكثر من 100 سنة وتطوّر ليصبح مجال الترفيه الأول في العالم هو ببساطة هدفي في الحياة، قلتها سابقًا وما زلت أرددها:

“يوماً ما لن أكتفي بالكتابة عن جوائز الأوسكار.. سأسعى للحصول عليها بنفسي.” قلتها ولن أعود عنها.. توقفت الآن عن الكتابة حول هذه الجوائز، فلقد حان الوقت حتى أسعى للحصول عليها.

10

شاركنا رأيك حول "في وداعي لكم سأجيب أخيرًا عن سؤالكم: قائمة أفلامي المفضلة!"

أضف تعليقًا