فيلم “Captain Fantastic”… واقع غائب وفلاسفة واعدون

مراجعة فيلم Captain Fantastic
4

ظلت المدينة الفاضلة حلم الفلاسفة الذين ضاقوا ذرعاً من ذلك المحيط الذي وُجِدو فيه بلا أدنى بدائل، أو خيارات أخرى تسمح لهم أن يكونوا ما أرادو.

حسناً، دعنا هنا نفترض مجازاً أننا قد امتلكنا تلك الفرصة الذهبية لنجعل من هذا الحلم حقيقة بأن نحمل ذواتنا وأحلامنا ونذهب بعيداً نفترش الأرض، ونلتحف السماء نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع، مشيدين مجدنا وعالمنا الخاص حيث تسري فيه قوانيننا الذاتية أحراراً، منطلقين بعيداً عن تشابك هذا العالم وهيمنته.

الفرصة الذهبية عزيزي القارئ تكمن في ثنايا فيلمنا الليلة الذي يسمح لك أن تعيش هذا الحلم حتى منتهاه.

إذا كنت تملك هذا الحلم الأزلي فإنّ فيلم “Captain Fantastic” صُنع لك أنت تحديداً حيث يقدم قصة فريدة لها طابعها الخاص في نظرتها العميقة، وموقفها من هذا العالم.

قصة الفيلم

ابطال فيلم Captain Fantastic

في قلب إحدى غابات شمال غرب المحيط الهادئ يعيش أباً صادقاً حازماً مخلصاً متفانياً في تربية أبنائه الستة، يبقيهم في معزل عن العالم الخارجي، ويفرض عليهم نظاماً صارماً في التعليم الذاتي والقدرة البدنية والنظام الغذائي.

يستمر حال الأبناء على هذا القدر العالٍ من الانضباط، والجد في سبيل تأهيلهم ليكونوا فريدين على مستوى العالم حتى في اختيار أسمائهم (كما ذُكر على لسان الابن الأكبر)، يتخلل هذا التأهيل الصارم أغانيهم الجماعية الجميلة، ومشاركتهم لألعابهم القتالية.

تعتمد تربية الأب على أُسس عالية من القوة والصرامة، تنبذ فيها الرأسمالية الشرسة، وتحتقر المجتمع الاستهلاكي الفارغ، تمضي الأيام وليس أمامهم سوى ذلك الأب المدرب، والمعلم، والمربي، وطيف أمهم المريضة البعيدة.

في مواجهة إحدى ظروف العائلة العصيبة يُضطرون لـ ترك جنتهم الخاصة، وعالمهم البعيد، والذهاب إلى ذلك العالم الخارجي الأجوف المترف، وهنا تبدأ رحلتهم في اختبار أفكارهم وحياتهم السابقة، ويبدأ الفيلم في رصد سلسلة المفارقات المتباينة على كلا العالمين، مع لمحات سريعة من الكوميديا السوداء بالتقاء عالمين صغيرين يشكل كلاً منهما صدمة للأخر.

الحبكة وتصنيف الفيلم

صورة فيلم Captain Fantastic

يعتبر الفيلم دراما عائلية تحمل طابع فلسفي وعاطفي يمثل فيها الأب القلب الحيوي، ومركز التحكم والسيطرة أمّا الأبناء فهم الأوردة والشرايين.

يصنع الأب من أبنائه عباقرة نابغين تحيط بهم الكتب من كل مكان، يقرؤون بنهم في الفلسفة والفيزياء، والقانون والسياسة، ويتحدثون بطلاقة لغات عدة ولكنهم وكما سيظهر تباعاً يفتقرون إلى وجود ذلك العالم الحقيقي، والواقعي لاختبار هذا الكم الهائل من المعرفة.

رحلتهم على الحافلة الخاصة بهم المنطلقة إلى عالم المدنية تمثل حرفياً رحلتهم الحياتية المشبعة بالصور الساحرة والمعاني الحقيقة، والحوارات الجدلية عن المجتمع والأديان، والصواب، والخطأ، والفكرة الفلسفية التجريدية للأشياء.

يُظهر الفيلم نظرتهم الخاصة للأديان باعتبارها فلسفة أكثر من كونها ديناً ترفض أي شكل من أشكال الدين المنظم، وتقديم الدين كمنهج فلسفي متمثل بطقوس روحانية، وسلوك حياة يرفض استخدام الدين لتطويع قلوب البسطاء وتشكيلهم في قوالب جاهزة.

الفيلم نوعاً ما يمثل صرخة للحد من نفوذ ظل الكنيسة في وجه المجتمع الرتيب الفض بأناقته المفرطة، ومراسيمه المقدسة أكثر من قدسية رغبة صاحب الشأن نفسه بأن يمارس الطقوس الروحانية الخاصة به بطريقته التي يريدها حتى وأن بدت غريبه للجميع.

لا يتوقف الأمر هنا فحسب بل وحتى في فكرة الأعياد، والاحتفالات التي تجمع الناس مبتهجين مهللين على صعيد واحد، يُبقى الأب الصارم أبناءه بعيداً عن كل هذا الضجيج بخلق مناسبة احتفالية خاصة بهم، وذلك بالاحتفال بيوم المؤرخ الفكري والناشط السياسي الأمريكي والفيلسوف “نعوم تشومسكي”.

وفي إشارة واضحة للتحديات التي تواجه الأسرة المعزولة عند تواجدها في عالم المدينة الصاخب، ورغم افتقارها للعالم الحقيقي وجهلها به إلاّ أنّ الفيلم يُظهر أيضاً العيوب القاتلة للمجتمع المدني، حيث يظهر اللاهثون وراء العلامات التجارية، والمنتفخون الخاملون أسرى الأبدان المتكدسة بالشحوم، والأطفال المعتقلون خلف شاشات الألعاب وسائر أنواع تطبيقات التقدم التكنلوجي.

يتخلل الفيلم تأثيرات الكتب التي تشربها الأطفال من خلال الحوارات الدائرة بينهم، ومثال على ذلك عندما تعبر البنت الكبرى رفضها للرأسمالية الصارخة المتمثلة في منزل جدها الواسع الزائد عن حاجته، والذي ترى فيه أنّه يعزز الملكية الفردية بقدر كبير، والذي سيأثر بالتأكيد على الملكية العامة.

فريق التمثيل والإخراج

Captain Fantastic صورة فيلم

من أهم ما يميز الفيلم هو فريق التمثيل الذي تظهر فيه قوة السيطرة على أداء ستة أطفال، وليس هذا فقط ولكن بوضعهم أيضاً في أدوار رئيسية مهمة.

لكن قبل ذكر ممثلي أدوار الأبناء سنتطرق الى دور الأب الرئيسي في شخصية “بِين” الذي أدى دورة الممثل “فيجو مورتينسين” والمرشح كأفضل ممثل في دور رئيسي في ترشيحات جوائز الأوسكار لهذا العام.

في الحقيقة فإن “فيجو مورتينسين” استحق هذا بجدارة بأدائه الذكي حيث استطاع أن يجعل المشاهدين بصفه تماماً في الأجزاء الأولى من الفيلم، وأن يغضوا الطرف عن بعض أساليبه التربوية المعيوبة والقاسية رغم وضوحها.

ومع رصد الفيلم للتقلبات الغير متوقعة إلاّ أنّ دور الأب “بين” ظل قوياً ومؤثراً مع هدير المفارقات التي وضعت المشاهد في حيرة من أمره ليتساءل أين يكمن الصواب؟ في فوضى المدنية وواقعتها، أم في صفاء الغابة وقسوتها.

ولكن تبقى الغاية مبرراً لا بأس به، وهذا سر تعاطفنا مع الأب طالما وأنّ غايته كانت أن يجعل من أبنائه فلاسفة عظماء ورائعين.

نعود الى أدوار الأبناء الستة والذي أدى أدوارهم الممثلون المذكرون على التوالي: “جورج ماكاي”، “سامانثا إيسلر”، “أناليس باسو”، “نيكولاس هاملتون”، “شري كروكس”، “تشارلي شوتول”.

لا يمكن أن نغفل عن ذكر دور الجد “جاك”، والذي أدى دوره الممثل “فرانك لانجيلا” حيث كان دوره مميزاً وقصيراً بعض الشيء، وهذا مما عاب عليه نقاد الفيلم.

والفيلم من كتابة وإخراج المخرج والممثل الأمريكي “مات روز”.

في الختام نستطيع أن نصل إلى أنّ الأب “بِين” يمثل في هذا الفيلم الصورة الرافضة الثائرة على المجتمع الرأسمالي المستهلك، والذي تشكلت شخصيته بصورة نقيضه ومتشددة تماماً عن الوجه الأخر، تباين النقيضين بهذا الشكل الفج يجعل التوازن هو النتيجة الحتمية والمخلص من نموذجين متطرفين أحلاهما مر.

4

شاركنا رأيك حول "فيلم “Captain Fantastic”… واقع غائب وفلاسفة واعدون"

أضف تعليقًا