في اليوم العالمي للمرأة فيلم بنتين من مصر … عن وطن الأحلام المحتضرة

مراجعة فيلم بنتين من مصر
0

مزية فيلم بنتين من مصر أنّه لا يطرح قضية اضطهاد المرأة بمعزل عن سياقها المجتمعي، بل يربطها بسائر الظروف المجتمعية المحيطة بها، مركزًا على الأوضاع المتردية للمرأة فعلاً ومسلطًا الضوء عليها فعلاً، ولكن سامحًا للأوضاع المتردية لسائر أفراد المجتمع أن تدخل إلى دائرة الضوء، كما يبدو من اسم الفيلم، فهو لا يركز على أزمة “البنتين” كنموذج للأنثى المقهورة فحسب، بل بكونهما “من مصر” أيضًا البلد الذي يقهر جميع أبنائه من جميع النواحي.

المخرج محمد أمين

بوستر فيلم بنتين من مصر

اعتاد المخرج الرائع محمد أمين، أن يطرح القضايا التي تشغله بشكل خاص والتي هي إحدى هموم المجتمع بشكل عام، وذلك بشكل ساخر وفي إطار الكوميديا السوداء، ورغم ذلك لا تفقد هذه الأفلام جرأة الطرح، وبراعة التناول، وقوة القضية الذي يتعرض لها العمل.

وفي نفس الوقت لا يفقد الحس الكوميدي الذي تغلف به هذه الأعمال، وهي معادلة صعبة جدًا رغم ذلك، حيث يطرح أكثر القضايا المؤرقة في المجتمع وبشكل كوميدي ساخر دون الانجرار لابتذال هذه القضية، أو السخرية من القضية ذاتها، ودون أن تنال جدية القضية من سخرية الفيلم فتستبدل بجديتها حسه الكوميدي.

فمنذ فيلمه الأول “فيلم ثقافي” والذي طرح فيه قضية الكبت الجنسي عند الشباب لأول مرة من وجهة نظر شبابية منغمسة في المشكلة، وليس من وجهة نظر أبوية متعالية، إذ كان فيلم ثقافي الفيلم الذي أوصل صرخة الشباب في المجتمع، لا صرخة المجتمع من الشباب الطائش جنسيًا كما اعتدنا في الأفلام السابقة.

ومرورًا بليلة سقوط بغداد الذي رصد تداعيات الوضع الراهن في العراق، وتأثير المد الأمريكي الإمبريالي على كافة شعوب المنطقة في الشرق الأوسط، ذلك الوضع الهستيري الذي تم مناقشته في كوميديا شديدة السوداوية والهزل في نفس الوقت، ببراعة وإتقان شديد وبأفكار بالغة الجرأة والتحرر.

إلاّ أنّ فيلمه الثالث… والذي يناقش فيه وضع المرأة في المجتمع المصري، والذي يعد نموذجًا لمعظم المجتمعات العربية عمومًا، اختار فيه وبمحض إرادته الأجواء التراجيدية المغلفة بالشاعرية، وبموسيقى رعد خلف المصحوبة بآهات مطربة توحي تمامًا بمدى الآهات المكتومة التي تجيش في صدر الأنثى المصرية (والتي هي نموذج للمرأة الشرقية عمومًا)، ولا تستطيع البوح بها بسبب مجتمع يسلبها حتى حق التعبير عن نفسها.

بنتين من مصر

زينة وصبا مبارك في فيلم بنتين من مصر

اختار محمد أمين بطلتي فيلمه من الطبقة المتوسطة، لا من المرفهات اللائي لا يمثلن جموع الشعب المصري، واللائي يفتحن بنقودهن الأبواب المغلقة ويعشن أفضل من أي ذكر في أي مكان في العالم، ولا من الطبقة الكادحة التي زادها الفقر تخلفًا ورجعية وزادها خوفًا وقهرًا وكمدًا، بل من الطبقة المتوسطة التي تم سحقها تمامًا، وأصبحت تتضاءل شيئًا فشيئًا سامحة للفجوة بين الأثرياء والفقراء أن تتزايد، وبالتالي يفقد المجتمع اتزانه.
لقد كانت الأوضاع المتردية قبيل ثورة يناير بقليل، حيث أنتج الفيلم في العام 2010 شديدة القتامة، شديدة السواد، الجو العام كله كئيب، لا نذير بمستقبل أفضل ولا بصيص نور يلوح في الأفق، فأتى هذا الفيلم كي يعبر عن هذه الأجواء، بداية من تتر الفيلم الذي كان عبارة عن مشاهد عنف حية كي ينبئ من البداية بفيلمه الذي لا يتطرق لقضايا نسوية محضة، ولكن عن مجتمع تآكل عن آخره، ووطن ماتت فيه الأحلام، إن لم يكن ماتت فيه الحياة بأكملها.

زينة في فيلم بنتين من مصر

ففي بداية الفيلم، ترى البطلة “حنان” وهي تركب الأتوبيس أفراد الشرطة يهينون رجلاً آخر، فتشعر هي بالخوف وتمسك بطاقة الهوية في يد والسورة القرآنية محتمية بها في يد أخرى بعد أن فقدت الطمأنينة حتى في شوارع بلدها.

بينما في مشهدٍ لاحق نرى أن شقيقها في ريعان شبابه، مصاب بأمراض شرايين القلب ليعرض لنا نموذجًا من شباب شاخوا قبل الأوان وحملوا الهم وهم غير أهلٍ له، فناءوا بحمله وتصدعت أبدانهم وقُصمت ظهورهم.

الفيلم لا يركز على مأساة البطلتين “حنان” و”داليا” فحسب، بل على زميلاتهم، فزميلة حنان أدمنت مشاهدة صور حفلات الزفاف في المجلات الاجتماعية وتخيل نفسها بدلاً منهم، وزميلة “داليا” بعد أن يئست من الزواج لم تقاوم السقوط في علاقة غير شرعية مع زميلها بعد أن صار الجنس وحشًا ينهش في جسدها، التصريح هنا باشتداد الرغبة الجنسية وبعدم “خطيئة” أن يكون لدى المرأة رغبة جنسية من الأساس، لم يجد محمد أمين صعوبة في توظيفه دون أن يشعر حتى المشاهد المتحفظ بصعوبة في تقبله.

ورغم ذلك لم ينجر لابتذال قضيته وحصر مأساة المرأة في مجتمعنا في مجرد فقط الرغبة الجنسية، أي أنه لم يغفل هذه الرغبة وفي نفس الوقت لم يعطها الأهمية على حساب باقي الأمور التي شكلت عناصر المأساة، فالظمأ العاطفي استولى على اهتمام محمد أمين بنفس قدر الظمأ الجنسي وربما أعلى، مشاهد “حنان” وهي تراقب الطالب والطالبة الشابين وهما يتبادلان نظرات عاطفية خجولة، مبتسمة لهما، أو تخيلها للرجال في المترو وهم أزواج لها، يدل على مدى ظلم المرأة الشرقية وهي لا تعرف في واقعها غير أقاربها والرجل الذي حتمًا ستتزوج منه، مما يجعل هناك تعطش للجنس الآخر، تعطش للتعرف عليه والاحتكاك به أكثر.

صبا مبارك فيلم بنتين من مصر

نلاحظ أيضًا تركيز داليا بمجرد دخولها في مكتب الزواج لمقابلة العريس المقترح، نظرها لشفتيه وهو يتحدث في الهاتف، والشارب النابت أعلاهما، يده الخشنة المشعرة، تلك التفاصيل الرجولية التي لطالما زارتها في أحلامها، تتأكد أنّ الرجال بنفس النمط الذي كان في تصورها، فتاة شارفت الثلاثين من العمر ولازالت تكتشف الجنس الآخر.
يضيق المجتمع على أبنائه رجالاً ونساءً، سواء بتقاليد وعادات خانقة، أو بأوضاع سياسية متردية، أو بأوضاع اقتصادية بالغة السوء، فتيات في الثلاثين لا يعرفن الجنس نهائيًا فهن بالطبع “ملائكة” كما أطلقت عليهن مدربتهن الغربية الآتية من مجتمع منفتح.

هذا المجتمع الضيق جدًا من كل شيء يطرد أبناءه الذين يفرون إلى الفضاء الإلكتروني، تخيل أكثر العلاقات بلا عقبات لداليا كانت الشخص الذي تحدثه عبر الإنترنت! والمرة التي تقابله فيها يُقبض عليه؛ لأنه مدون ضد النظام، هذا هو الوطن الذي يضيق بأبنائه لدرجة أنّهم يفرون منه إلى المجهول، ليس إلى المجهول فحسب… بل إلى التهلكة، وطن يئس أبنائه منه لدرجة أنّ الفرحة تغمرهم لمجرد أنّهم سيغادرونه إلى أي مكان آخر، قد يكون هذا مبالغًا فيه قليلاً، لأنّ أشد الكارهين للوطن يصاحبهم انقباض في القلب عند مغادرته، ولكن بما أنّ الفيلم يغلب عليه الجو الميلودرامي فهي مبالغة مقبولة في سياق الفيلم.

صبا مبارك وزينة في فيلم بنتين من مصر

الإضاءة الداكنة والموسيقى التصويرية لم يمنعا إضفاء لمسة شاعرية على التراجيدية الغالبة على الفيلم، ويظل هذا الفيلم رغم ذلك أحد أهم أفلام التي عالجت مأساة شعب كامل يعيش تحت القهر والبؤس منذ بداياته.

في أحد أهم مشاهد الفيلم، تتحرك داخل داليا مشاعر تجاه أحد زملائها القدامى، والذي تجمعها به أنشطة معارضة نقابية للحكومة، وفي الوقت الذي تكتب له في ورقة تصريحها بمشاعرها نحوه، يتبين أنّه يعمل لصالح لأمن ضد المعارضين، مما يجعل داليا تمزق الورقة، وترميها من شباك السيارة وكأنّها مشاعرها وأحلامها التي تذروها الرياح، ليظل هذا الوطن يبخل حتى على أبنائه بأبسط المطالب والاحتياجات، ويستحق عن جدارة أن يكون وطن الأحلام المحتضرة.

0

شاركنا رأيك حول "في اليوم العالمي للمرأة فيلم بنتين من مصر … عن وطن الأحلام المحتضرة"

أضف تعليقًا