ألبوم “الإخفاء” صوت الألم والسخرية لأحلام مهزومة!

ألبوم الإخفاء
1

مزيكا وخوف
أحزان وغُنا

بهذه الكلمات يمكن وصف ألبوم “الإخفاء” للثلاثي الفني مريم صالح وزوجها تامر أبو غزالة وصديقهما موريس لوقا … الألبوم أنتجته شركة “مستقل” وتم إطلاقه في حفل غنائي بحديقة الأزهر في 23 سبتمبر  2017 ، ولاقى ترحيبًا كبيرًا من جمهور الموسيقى المستقلة، وتعاقدت شركة مستقل على إحياء حفلات للثلاثي الفني في فرنسا، السويد، والإمارات العربية المتحدة.

الألبوم هو صوت ساخر لألم بلغ مداه مع ضياع أحلام وأمنيات جيل عاصر ثورة عظيمة سارت في اتجاه غير ما تمنى! بكلمات حزينة وموسيقى راقصة في معظم أغاني الألبوم … يرسم الثلاثي ملهاة لهذا الجيل … فلا تدري أتضحك أم تبكي!

حفل ألبوم الأخفاء

الألبوم من ألحان وتوزيع الثلاثي مريم وموريس وتامر بالتعاون مع خيّام اللامي، وغناء مريم وتامر وأشعار ميدو زهير الذي تفضل دائمًا مريم صالح الغناء بأشعاره، فمعظم أغانيها من أشعاره إلّا فيما ندر. ليس هذا التعاون الأول بين الزوجين الموهبين مريم وتامر، حيث يقوم كلٌ منهما بالغناء والتلحين … وليس أيضًا التعاون الأول بين تامر وموريس اللّذين تعاونا من قبل في فرقة ألف، إلّا أنّه أول اجتماع للثلاثي معًا في عمل متكامل واحد مشترك.

موريس ومريم وتامر

كلٌ من الثلاثي الفني له باع طويل في مجال الموسيقى المستقلة، أو البديلة التي تتميز بالتجريب ومزج الألحان والآلات الشرقية والغربية في قوالب موسيقية معاصرة تمد جذورها في الماضي الموسيقى الثري في الشرق والغرب، وتبشر بجرأة بمستقبل امتزجت فيه الثقافات وانهارت فيه الحدود الثقافية والفنية ليس فقط لشعوب من مناطق جغرافية مختلفة، وإنّما أيضًا للأشكال المختلفة التي اتخذتها ثقافة واحدة على مر الزمان! كما أنّ الموسيقى المستقلة تتيح مساحة أرحب للتعبير، وعرض مواضيع وأشعار غير معتادة وأكثر جرأة وحرية!

عند سماعك للألبوم في أول مرة تتملكك الموسيقى والأصوات …

مريم المتمكنة من أدائِها بصوتها اللاذع ذو الشخصية القوية، والمتأثرة بتجربة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم أصدقاء والدها الناقد المسرحي والمخرج والكاتب سعد صالح، الذي كان له التأثير الأكبر على نشأتها الفنية وعملها في المسرح منذ الطفولة.

مريم صالح

وتامر بصوته المشاغب وبقدراته التلحينية وعزفه الجريء والمتقن على العديد من الآلات مثل: العود والبزق والجيتار الكهربائي والباص جيتار، حيث يأخذ الآلات لأقصى إمكانياتها خصوصًا العود الذي يأخذه لمساحات ونغمات جديدة على الأذن.

تامر أبوغزالة

وموريس الذي تبلورت رؤيته للشكل الموسيقي الذي يريد تقديمه بعد ألبومه الثاني (بنحيي البغبغان) الذي صنع ضجةً في عالم الموسيقى المستقلة والتجريبية بإيقاعاته الإلكترونية وتأثره الكبير بالألحان الشعبية، وإيقاعات المهرجانات التي قد تسمعها في الأفراح الشعبية، أو في الشارع في محلات العصير، في توك توك، أو ميكروباص!

موريس لوقا

كل تلك الأصوات تتحول لغابة كبيرة ومتشعبة من الأصوات، حيث يغني في الخلفية مريم وتامر تنويعات على الصوت الغنائي الرئيسي في معظم الأغاني خصوصًا في التيمات الرئيسية لكل أغنية، حيث يبدو الأمر وكأنّهم أدوا الأغنية بكل الأشكال الممكنة بكل الآلات المتاحة، مما يصنع في النهاية لوحةً صوتيةً غنيةً و كثيفةً متعددة الأبعاد والألوان!

سيجبرك دماغك بعد الانتهاء من الألبوم من سماعه مرة أخرى، بل مرات عديدة وفي كل مرة تدرك صوتًا جديدًا كان مختفيًا في وسط تلك الغابة، وفي اللحظة التي تستوعب فيها أذنك كثافة الأصوات تظهر كلمات الشاعر ”ميدو زهير“ الحزينة الساخرة بشكل قاسي ولاذع خفيف الدم، وبذيء أحيانًا ينتقد الواقع وحالات مزاجية مختلفة! وتكتشف حينها أنّ الألحان والكلمات متمازجة معًا كنسيج واحد يجعل كل أغنية حالة وتجربة أكبر من مجموع مكوناتها!

يتكون الألبوم من 10 أغاني نشرتهم شركة الإنتاج على موقع يوتيوب، ولكن النسخة الرسمية منه على موقع شركة مستقل بها 8 أغاني فقط بدون أغنية (الشهوة والسعار)، وأغنية (تسكر تبكي) ربما لجرأتهما ووجود ألفاظ بذيئة في الأغنية الثانية!

استمر العمل في الألبوم لـ 3 سنوات متصلة وفي 4 مدن عربية (القاهرة والإسكندرية عمّان وبيروت) حتى تشكلت الأغاني بعد أن كانت مجرد أماني وخيالات كالعفاريت في أذهان مبدعيه، وهو ما انتهى بهم لتسميته بـ (الإخفاء) كتعبير عن الغرابة والغموض، والحالة التي يقدمها عملهم الفني المشترك.

كنت رايح

أول أغاني الألبوم “كنت رايح” في البداية يبدو اللحن جنائزيًا، وكأنّها مرثية لفرصة ضائعة وحلم انتهى بالفشل … ومع تكرار التيمة الأساسية “كنت رايح … كنت عازم إني أقول” تتحول الأغنية لما يشبه تهويدة تواسي شخص خابت آماله تهدئه وتربت على كتفه!

كنت رايح. كنت عازم إني أقول
كنت طايب. كنت صايب
كان في قلبي شوق مهول!
كان دفعني إني أحاول
كنت حاسب إني أطول!

 

نفسي في عقلي بتناكف

تبدأ الأغنية الثانية ”نفسي في عقلي بتناكف“ بتيمة موسيقية توحي بالصراع والحيرة الذي يتضح أكثر من خلال الكلمات، فالأغنية حوار داخلي شد وجذب بين الطباع و الأهواء و العقل ينتهي بالشخص لحيرة بلا نهاية.

نفسيِ ف عقليِ بتناكِف
وقلبي ف الهَوَي مخالِف
وأنا م الصَعب أتألِف
بحاول بَس مِش عارف

 

تتكرر نفس الفكرة مع أغنية “ما أكونش وأكون” حيث يتزايد الشعور بالحيرة والتوهان والغموض! فتصبح الموسيقى أهدأ، وكأنّ العقل قد شعر بالإرهاق والتداعي من طول التفكير والحيرة!

ماكونش وأكون

ماكونش وأكون
حزين ساخر مليش آخر
ببعت قلبي لاخواته
وأجيب الحب من ذاته
وأتنبأ برد الفعل من نفسي
وأظن ظنون

إيقاع مكسور

في أغنية “إيقاع مكسور” يبدأ ظهور نغمات موريس الشعبية لتضفي بُعد راقص مناقض لكلمات أغنية ذات مسحة سياسية تتحدث عن الظلم والطاعة والسلطان، فتعبر بسخرية عن ملهاة الواقع!

مكسور يا إيقاع أربع ترباع
بتدق الوهم على الأسماع
ف الكدب شيطان ف الظلم دراع
مانت السلطان و الخلق مشاع

 

تتكرر نفس الفكرة ولكن بشكل ممتع آخر في أغنية “عايز أوصل”، حيث يزداد وضوح الإيقاع الراقص المجنون، ويعلو صوت الطبلة حين تصرخ مريم كمن فقد عقله:

عايز أوصل

 تسأليني مت ليه
كنت بجري عايز أوصل
أنتي ليه مقتولة مني!!
غصب عني رغم أني
عايزة مني حنان بحن
عايزة مني جنان بجن
الكلام عنك بيوجع والكلام منك يأن

مزيكا وخوف

الرغبة خطر وقليل يا مطر
والقلب وتر متوتر أنا

ومع أغنية “مزيكا وخوف” تتزايد أنغام موريس الشعبية ويستخدمها بذكاء شديد، وتصبح هي بطل الأغنية المليئة بمشاعر الخوف والإحباط، وكأنّ الموسيقى الشعبية والمزمار العالي والإيقاع الراقص ليس إلّا هروب من خوف وقلق من واقع بائس! لأن وكما يقول ميدو زهير في الأغنية:

الرحمة هزار والليل جزّار
صاحية الأعذار نايمة المسألة
والحلم ظروف ينزف وتشوف
مزيكا وخوف أحزان وغُنا

وفي أغنية “متحف فنون الغش” يصب الشاعر ميدو زهير غضبه على الحياة فيقول:

متحف فنون الغش

متحف فنون الغش
الدنيا حبة ديكور
وعيش هايش وهش
و صدق تايه في زور

وتتصاعد الموسيقى والأصوات مع الوقت وكأنّها أفعى تلتف حولك، تأمرك أن تعيش هايش وهش!

وشوش الليل

وفي أغنية ”وشوش الليل“ تزداد جرعة الغرابة والغموض مع عودة لاللحن الجنائزي

صحيت الصبح من السهرة
لقيت الليل سرق وشي
صرخت غيتوني يا أصحابي
وهاتولي من السهر وشي
!

في النهاية فإنّ ألبوم الإخفاء واحد من أهم ألبومات 2017، وإضافة مميزة لعالم الموسيقى المستقلة أو البديلة في العالم العربي. جاء مفاجئًا ولكنها مفاجأة سارة خصوصًا لشخص مثلي لا يستسيغ إيقاعات المهرجانات الشعبية المستخدمة في بعض أغاني الألبوم بطرق إبداعية. استطاع الثلاثي دمج خبراتهم وتجاربهم السابقة في شكل عمل فني غني وكثيف، متكامل وناضج، أصيل ومصري حتى النخاع، وجديد ومبتكر في نفس الوقت.

1

شاركنا رأيك حول "ألبوم “الإخفاء” صوت الألم والسخرية لأحلام مهزومة!"

أضف تعليقًا