الوصفة السحرية لنجاح “سابع جار” بعيدًا عن الموسم الرمضاني

لماذا نجح مسلسل سابع جار
3

تعاني الدراما المصرية منذ سنوات من الركود طوال العام، وتتركز فقط في شهر رمضان، حيث نجد ما يفوق الأربعين مسلسلًا يعرضون معًا في نفس التوقيت؛ وهذا لأنّ نسب المشاهدة في باقي العام تكون منخفضةً، حتى عُرض مسلسل “سابع جار” ليعيد للدراما مشاهديها مرةً أخرى، ويفتح باب أمل جديد لانتعاش الدراما بعيدًا عن الموسم الرمضاني.

نجح صُنّاع مسلسل “سابع جار” في جذب الأسرة المصرية، وإعادتهم مرة أخرى لمشاهدة دراما جديدة، لن أكون مبالغةً إن قلت أنّ المسلسل نجح منذ الإعلان عنه وقبل البدء في عرض الحلقات، فعندما عُرض التريلر التشويقي على شاشات التلفزيون وعبر الفيسبوك، بدأ الكثيرون يتحمسون لمشاهدته، آملين في أن يكون هذا العمل جيدًا، ويغنيهم عن مشاهدة الأعمال التي سبق وشاهدوها.

 

المسلسل من بطولة دلال عبد العزيز، وشيرين، ورحمة حسن، وهاني عادل، وهيدي كرم، ونيقولا معوض، وصفاء جلال، وأسامة عباس، والعديد من الوجوه الجديدة، ولا يزال يُعرض حتى الآن.

لا يعد المسلسل التجربة الأولى لمحاولة إعادة المشاهد مرة أخرى للدراما بعيدًا عن رمضان، فقد سبقه خلال الأعوام القليلة الماضية عدة مسلسلات، نجح بعضها نجاحًا محدودًا، والبعض الآخر نجح في حلقاته الأولى ولم يستمر النجاح حتى النهاية، فما الذي فعله هذا المسلسل بشكل مختلف!

في الواقع، لقد أقدم صُنّاع المسلسل على مجازفة فنية، وراهنوا على ما يحتاجه جمهور الدراما التلفزيونية في هذا الوقت. لذا، لم يتحدث عن صفقات رجال الأعمال التي يخسرونها بالملايين، ولم يطارد النساء في الملاهي الليلية، كما أنّه لم يناقش أعمال البلطجة في الأحياء الشعبية، بل تناول الحياة العادية شديدة التقليدية التي تعيشها البيوت المصرية.

تعرّض المسلسل لأنماط مختلفة من الأشخاص، لا يجمعهم سوى سكنهم معًا في نفس المبنى، فهناك العائلة التي يعاني فيها الزوج من الاكتئاب المرضي، وعائلة أخرى يعاني فيها الزوجان من حالة الملل وانصباب الاهتمام على الأبناء، وعائلة أخرى كل هدفها أن يتزوج الأبناء ويعيشون بطريقة تشبه الآخرين، وفتاة متحررة، وأخرى لا تعلم ما الهدف من حياتها، ورجل مسن يعيش وحيدًا بعد وفاة زوجته وسفر ابنه، كما ترون أشخاص قد نرى أنفسنا فيهم بشكل أو بآخر.

مسلسل سابع جار

الكتابة و الإخراج كانوا العوامل الأساسية التي أنجحت هذا المسلسل، واستطاعوا ببراعة أن يتحكموا في أدواتهم جيدًا ليخرج المسلسل كما يريدون، بدايةً باختيار الممثلين، وحتى اختيار طريقة الديكور والملابس والماكياج، ولنبدأ بالملابس والماكياج معًا.

الملابس و الماكياج

مشكلة كبيرة عانت منها الدراما لعقود، هي إظهار الأشخاص على غير حقيقتهم، فمن منّا يصحو من النوم بشعر مرتّب وماكياج كامل وملابس مهندمة؟ الإجابة هي لا أحد، هذا كان أحد أهم عوامل نجاح المسلسل، فنرى الأشخاص في المنزل يرتدون منامات عادية، كل مناسب لفئته العمرية وطريقة تفكيره، بلا ماكياج، ودون أن يصففوا شعرهم، بل وأحيانًا دون أن يمشّطوه، كما أنّ طريقة ملبسهم خارج المنزل عبّرت عن الفئة الاجتماعية التي يمثلوها بشكلٍ صحيح.

دلال عبد العزيز مسلسل سابع جار

الديكور

لا يوجد منزل طبيعي يكون مرتبًا 24 ساعة، لابد من ملابس على الأريكة، أو لعبة أطفال على الأرض، وأطباق متسخة في حوض المطبخ، هذا بالتأكيد ما ستراه في المسلسل، كما أنّك لن تجد أثاث غالي مفروش من أغلى محلات الأثاث، ولا ديكورات كاملة من أيكيا، ولا إضاءة مبهرة.

بالإضافة إلى ذلك، ستشعر أنّ المنزل يشبه منزلك إلى حدٍ كبير، لم يصممه مهندس الديكور، بل المنازل في المسلسل تتسم بالترتيب الفطري والعشوائية الطبيعية الموجودة في جميع منازلنا. لذا، لن تشعر بالاغتراب داخل البيوت. ساهم في هذا الأمر بالتأكيد؛ أنّ الشقق التي تم تصوير المسلسل فيها، هي شقق قائمة بالفعل في أحد شوارع ضاحية المعادي.

رسم الشخصيات

شخصيات المسلسل وتطورها مكتوبة بشكل جيد للغاية، فشخصية الأم “لميا” هي أم مصرية كما قال الكُتّاب، وابنتها التي لا تعرف ما الذي تريد عمله في الحياة، حتى أنّها كثيرًا ما تشعر بالفشل والتشتت، أمّا “ليلى” فهي ترى في الرجل سندًا حتى إن كان جالبًا للمشاكل والعار للأسرة، وابنتها المعقدة والمستقلة بحياتها، وتريد الابتعاد عن سيرة والدها المشينة.

كذلك أدوار مي ودعاء وعبد الرحمن ونهى وعمرو، فقد كُتبت الأدوار بشكل ممتاز، فمي هي فتاة متحررة تعاني من التخبط ومن نظرة المجتمع لها، وحتى نظرتها لنفسها، ودعاء هي فتاة متحفظة على كل الأمور، بينما عبد الرحمن هو بالفعل طالب في المدرسة بكل ما يحمله من مراهقة معتدلة مثل معظم مراهقي الجيل، نهى هي الأم التي ضحت بكل شيء كي تتحول إلى واحدة من “الماميز” التي تسعى أن يكون أبناؤها هم الأفضل، وعمرو هو موسيقيّ مصاب بالاكتئاب والإحباط ويلوم من حوله على كل شيء.

بطلات مسلسل سابع جار

دور هند أو كريمة بنت عفاف، خط من أفضل الخطوط في المسلسل، شهد المسلسل تطورًا كبيرًا في شخصيتها من جهة، وفي علاقتها بسيادة اللواء “عصمت” الذي تقوم بخدمته من جهة أخرى، فهي عاهرة من الطراز الشعبي، التي ملّت من  طريقة حياتها، وتجد في خدمتها لهذا العجوز خلاص ولو مؤقت من هذه الحياة المقيتة، ونلاحظ بهدوء تطور شخصيتها في طريقة حديثها واستقبالها للكلام، وتمسكها بأن يراها الجميع فتاة محترمة.

الحوار

جاء حوار المسلسل عصريًا للغاية ومن واقع الحياة، حتى أنّه استخدم ألفاظًا يراها الكثيرون معيبة، ولكنها هي ما نستخدمه بشكل يومي بالفعل، ما ساعد في هذا أيضًا، أنّ الكثير من المشاهد كانت مرتجلةً، فجاءت بنفس اللغة التي يستخدمها الأبطال في الحياة اليومية الاعتيادية، ولم يظهر التكلف عليهم.

واحدًا من أكثر الحوارات صدقًا وتكررًا في البيوت، هو إصرار الأمهات على تزويج بناتها، قائلين لهم أنّ الزواج هو الأمل والسند والراحة، ولكن عندما تنفرد الأختان معًا، يقولان أنّ الزواج هو أكبر كذبة في التاريخ، وأنّ الحياة بدون رجل أفضل كثيرًا، في تناقض واضح ولكنه حقيقي.

كذلك جاءت مشاهد مثل: مشهد المطعم، ومشهد المستشفى، ومشهد السينما، تلقائيةً وقريبةً للغاية لكل من شاهدها، ميزة هذه المشاهد، أنّ الجميع استطاع التواصل معها لتلقائِيتها الشديدة، ولحدوثها بشكل أو بآخر في حياتنا، ففجرت ضحكات صادقة من القلب بدون مجهود.

اختيار الممثلين

لا يحمل المسلسل أسماء ممثلين كبيرة يُعتمد عليها لجذب المشاهدين، فنجوم الصف الأول للدراما المصرية معروفين. لذا، وجود أسماء مثل دلال عبد العزيز وشيرين وهاني عادل، غير كافٍ على الإطلاق كي يجذب المشاهدين للمسلسل، وهذه كانت المجازفة الثانية من صُنّاع العمل، والتي استطاعوا استغلالها جيدًا.

اختيار الممثلين كان موفقًا في أغلب الأدوار، دلال عبد العزيز تقدم دورًا من أفضل أدوارها، قيل عنه أنّه السهل الممتنع، أمّا شيرين فيمكن بسهولة مقارنة أدائِها في هذا المسلسل، ومسلسل “عائلة زيزو” الذي يُعرض في نفس الوقت؛ لمعرفة أنّها تستطيع التمثيل بالفعل إن كانت في عمل جيد، أمّا محمود البزاوي فبالرغم من مشاهده القليلة، إلّا أنّه يستطيع خطف الكاميرا فور ظهوره في المشهد، له حضور طاغٍ وأداء سلس للغاية.

دلال عبد العزيز ومحمود البزاوي مسلسل سابع جار

باقي الممثلين لم يقوموا بالتمثيل في العديد من الأدوار، ولكن بالرغم من ذلك جاء أداؤهم صادقًا، مثل: سارة عبد الرحمن في دور هبة، أحمد داش في دور عبد الرحمن، فدوى عابد في دور دعاء، نسرين طلعت في دور هند، محمود في دور فؤاد.

هيدي كرم ورحمة حسن وجهان معروفان للجمهور، ولكنهما هنا يقدمّان شخصيتان جديدتان عليهما، وبشكل شخصي فوجِئتُ بالأداء المميز لهيدي كرم، التي استطاعت بسهولة أن تقنعني بدورها كأم لأطفال في مدارس دولية، تعاني من ضغوطات العصر والمجتمع.

سيكون من الإنصاف أن نفرد لصفاء جلال فقرةً منفردةً، فصفاء وجه قديم، ظهرت في الكثير من الأعمال الفنية، ظن الكثيرون أنّها اختفت من الساحة الفنية، ولكن الحقيقة أنّها لم تكن تؤدي أدوارًا مهمةً أو مؤثرةً، ربما لحصر المخرجين لها في أدوار معينة أو سوء اختيارها للأعمال التي تقدمها، لكن شخصيتها هذه المرة تعد هي الشخصية الوحيدة في المسلسل التي تعاطف معها الجمهور، بل أبكتهم في بعض مشاهدها.

صفاء جلال مسلسل سابع جار

أمّا بالنسبة للممثل الذي أدى دور سامح حارس العقار، فهو وجه جديد ورغم قصر مشاهده وخبرته التمثيلية القليلة، إلّا أنّه استطاع أداء هذا الدور بكل تفاصيله، بدايةً من نظرة العينين الكسولة والتي تنم عن بعض الغباء، بالإضافة إلى حركات يديه وطريقة حديثه.

بالتأكيد لا يسير الأمر بالكامل على ما يرام، فجاءت بعض الاختيارات غير موفقة، مثل هاني عادل وهديل حسن ودعاء حجازي، ونيقولا معوض وأحمد الأزعر، فإنّ ظهورهم على الشاشة يسبب انخفاضًا في مستوى الأداء الفني، وخاصةً في المشاهد التي تضم الزوجين هاني عادل ودعاء حجازي.

صورة من مسلسل سابع جار

تجربة إخراجية جديدة

أمر معتاد ومتكرر أن يكون مؤلف العمل هو مخرجه، ولكن من غير المعتاد أن يشارك الإخراج مع اثنين آخرين، هذا هو ما فعلته هبة يسري كاتبة المسلسل، حين شاركت آيتن أمين ونادين خان إخراج المسلسل، في تجربة هي الأولى من نوعها في الدراما المصرية، وربما يكون هذا هو سبب الحفاظ على قوة المسلسل حتى الآن بالرغم من اقترابه من الحلقة الأربعين.

كذلك فإنّ إيقاع العمل الهادئ إلى حد كبير، ومناقشته ل”لا شيء”، هو أمر يجب التوقف عنده قليلًا، فعند النظر للمسلسل نجده لا يقدّم حلولًا، ولا يطرح مشكلةً، بل هدفه الأول هو العرض، عرض الحياة الشخصية اليومية والاعتيادية لأبطال المسلسل، بكل ما فيها من روتينية وهدوء وبطء في الأحداث. لذا، شعر الجميع في الحلقات الأولى من المسلسل ببعض الحيرة والاستغراب، ولكنهم سريعًا ما انجذبوا لهذا العالم الذي يشبههم ولم يجدوه في أي عمل فني آخر، فأراد الجمهور الحصول على بعض السكينة والهدوء من خلال المسلسل، بعيدًا عن ضغوطات الحياة.

أحمد داش مسلسل سابع جار

مشكلة رئيسية يعاني منها من يشاهد المسلسل على يوتيوب، هي كتم الصوت في بعض المشاهد التي تحتوي خلفيتها على أغاني، وهذا حفاظًا لحقوق الملكية، ربما لم يعلم صُنّاع المسلسل بهذا الأمر في بداية التصوير، ولكن نظرًا لأنّ التصوير لا يزال جاريًا أثناء عرض المسلسل، كان يجب عليهم تفادي هذه المشكلة في الحلقات المتقدمة. خاصةً أنّ العديد من المشاهدين يفضّلون مشاهدته عبر يوتيوب.

في النهاية، نجاح مسلسل سابع جار يجب دراسته جيدًا والاقتداء به، لا من أجل تقليد العمل كما هو، بل من أجل معرفة سبب نجاحه. فعلى سبيل المثال، الدعاية الذكية عبر فيسبوك شجّعت الكثيرين لرؤيته، حتى أنّ صُنّاعه احتفلوا بوصول عدد المشاهدات على يوتيوب إلى 9 مليون مشاهدة في الحلقات الأولى، وبالنظر إلى الأرقام، فإنّ أغلب حلقات المسلسل تعدت المليون مشاهدة على يوتيوب، وهو رقم كبير بالتأكيد، خاصةً إن تمت مقارنته بالمسلسلات الأخرى.

3

شاركنا رأيك حول "الوصفة السحرية لنجاح “سابع جار” بعيدًا عن الموسم الرمضاني"

أضف تعليقًا