هل غياب الحب يشوه الفطرة الإنسانية؟ هذا ما يجيب عنه فيلم Loveless

بوستر فيلم Loveless
2

تقييم الفيلم

فيلم Loveless هو العمل الخامس للمخرج “Andrey Zvyagintsev”، ذلك المخرج الروسي البارع المُقَدر للغاية خارج بلاده فقط، ويتم التعامل معه باعتباره مجدف يُسيء إلى سمعة روسيا بداخلها، وتم تصوير الفيلم في موسكو بدعم عالمي بعد عدم موافقة الحكومة الروسية على فيلم Leviathan، الذي فاز عنه بالعديد من الجوائز منها الجولدن جلوب، وترشح للأوسكار كذلك.

يقدم أندريه صورةً فجةً صارخةً للواقع الذي تعيشه بلاده، في صراحة متناهية جعلته محل جدال كبير، ولكن فنه استطاع الانتصار على هذه العراقيل ليحصل أجدد أعماله فيلم Loveless على دعم الحكومة هذه المرة، وتم تقديمه ليمثل روسيا في اختيار ترشيحات جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي العام القادم، بل يصل إلى القائمة القصيرة وأتوقع له الترشح بالفعل، وترشح أيضًا للجولدن جلوب كأفضل فيلم أجنبي.

صورة من فيلم Loveless

تدور أحداث الفيلم في موسكو، حيث ندخل في تفاصيل حياة عائلة صغيرة، من أب وأم على وشك الانفصال، يحاولان بيع شقتهما، وبينهما بالإضافة لذلك طفل صغير هو السبب وراء هذه العلاقة من الأساس، فالحمل الخطأ به، وخوف الأم من الإجهاض هو الدافع الوحيد وراء هذه الزيجة.

ومن أهم أسباب الجدال بين الزوجين، هو حضانة الطفل بعد الطلاق، فعلى عكس الذي يحدث أغلب الأحيان كل من الأب والأم هنا لا يرغبان في الصغير ذو الاثنا عشر عامًا، يقولونها بصراحة صارخة ليفيقا بعد هذه المناقشة بيومين ويجدان طفلهما إليوشا غائبًا منذ أكثر من أربع وعشرين ساعة دون علمهما، ويبدآن في رحلة للبحث.

صورة من فيلم Loveless

تحمل قصة فيلم Loveless العديد من الطبقات، فالطبقة الأولى الظاهرة هي قصة هذه العائلة التي شوهت البغضاء وغياب الحب وزواج المصلحة فطرتها، فأصبح كل من الأب والأم يعتبران الصغير مجرد عبء يرغبان في التخلص منه، لبدء حياة جديدة غرسا بذرتها بالفعل من قبل حدوث الطلاق، و ردة فعلهما بعد اختفاء هذا الصغير، ليبقى إلى حد ما فيلم اجتماعي اختلط بالإثارة والترقب، ولكن تأتي الطبقة الثانية في نقد للمجتمع الروسي، ومؤسسة الزواج، وتعامل الشرطة مع حادثة الاختفاء بصورة باردة؛ بسبب كثرة عدد الجرائم في المجتمع.

صورة من فيلم Loveless

بينما الطبقة الأهم والتي جلبت السخط على المخرج، هي الرمزية التي وضعها في شخصياته، فنجد أنّ الأم زينيا “Maryana Spivak” تمثل اتجاه المجتمع الروسي للمستقبل، فهي شابة متجددة المظهر، تعامل هاتفها الحديث كجزء من يديها لا تتركه تقريبًا، طوال الوقت تلتقط لنفسها الصور لتنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتابع الإنستغرام بشغف، أمّا عن الزوج فهو روسيا المحافظة، فهو يعمل في شركة القائمين عليها متشددين دينيًا، لا يوظفون سوى المتزوجين، والطلاق بين العاملين بها مرفوض تمامًا، ما يضعه في أزمة بسبب علاقته المتهاوية مع زوجته، يحاول حلها بانخراطه في علاقة مع فتاة شابة بل حملها منه كذلك، ليستطيع استبدال العائلين دون تعرضه للطرد.

الجدة فيلم Loveless

بل ظهرت روسيا السوفيتية القديمة في صورة الجدة والدة الأم التي لجأ لها الوالدان خلال البحث، والتي قال عنها الأب “ستالين مرتديًا تنورة”، والصراع بين الشخصيات الثلاث هو ذاته الدائر في المجتمع الحديث بموسكو.

بطلة فيلم Loveless

وقد كان اختيار الممثلين في الفيلم مميزًا للغاية، فـأحسنت Maryana Spivak أداء دور الأم الغاضبة أغلب الوقت، الشاعرة بالظلم نتيجة اختياراتها الخاطئة، تلقي اللوم على الجميع، أمها وزوجها السابق وحتى ابنها، لا نعلم هل هي فعلًا مفزوعة على غياب الصغير، أم تشعر بالقليل من الراحة لإزاحة هذا العبء عن كاهلها، خليط من المشاعر المتضاربة التي أظهرتها الممثلة بمنتهى السلاسة.

وفي المرتبة الثانية بعدها Aleksey Rozin في دور الأب بوريس، الحائر ما بين عائلته القديمة والحديثة، والأهم الحفاظ على وظيفته ومصدر دخله.

بطل فيلم Loveless

أمّا عن رسم الشخصيات فقد كان ممتازًا، وجعلنا كمشاهدين نتعرف على الشخصيات المشهد تلو الآخر بدون تقديم ساذج في بداية الأحداث، لنجد أنّ الأبطال هم أيضًا مثل قصة الفيلم طبقات، أو عدة شخصيات مركبة معًا، وهو ما أضفى على الفيلم واقعية قاسية للغاية.

ويمكن اعتبار الفيلم كلوحة فنية لموسكو الحديثة، ظهر فيها الكثير من تفاصيل هذه المدينة التي يبدو كما لو أثرت برودة طقسها على سكانها، وأكسبتهم حدة وعنف ومكبوت، وقد استخدم مدير التصوير  Mikhail Krichman الإضاءة القوية ليجعل تفاصيل كل مشهد تبدو جليةً في عين المشاهد، ما بين قسوة الغابات التي يتم البحث بها، والمنازل عديمة الروح التي يعيش بها الأبطال، حتى المبنى الخالي المهجور الذي كان الأمل الأخير في إيجاد الطفل.

أمّا عن إخراج Andrey Zvyagintsev فحدث ولا حرج، فقد استخدم دقائق فيلمه بمنتهى البلاغة، فكل لقطة كانت تخبرنا معلومة ما، أو توصل إلينا شعور معين، وعلى الرغم من أنّ الفيلم تجاوز الساعتين بسبع دقائق، فيصعب على المشاهد الشعور بالملل.

في النهاية فيلم Loveless عمل صادم، يجعلك تعيد النظر في كل ما آمنت به عن الفطرة الإنسانية، والأبوة والأمومة، ويسلط الضوء على تغير المجتمعات كلها، وليس المجتمع الروسي فحسب، وذلك من خلال تمثيل متقن، وإخراج بارع للغاية.

2

شاركنا رأيك حول "هل غياب الحب يشوه الفطرة الإنسانية؟ هذا ما يجيب عنه فيلم Loveless"

أضف تعليقًا