لقد بدأت الدراما مع الإغريق وانتهت مع أصغر فرهادي

أصغر فرهادي
2

“لقد بدأت السينما مع جريفث، وانتهت مع عباس كياروستامي”

مقولة المخرج الفرنسي القدير جان لوك غودار (أحد مؤسسي السينما الفرنسية الجديدة) في حق المخرج عباس كياروستامي، ظلت حقيقةً حتى عرف العالم اسم «أصغر فرهادي» ومعه سينما إيرانية لم تكن بهذا الشكل من قبل، دون أن ننقص من فضل كياروستامي في وصول السينما الإيرانية إلى العالمية شيء.

أصغر فرهادي

فعلى العكس من كياروستامي – ومن ورائه جيل من المخرجين الإيرانيين – الذي يعتمد أسلوبًا يقوم على قدر كبير من التجريد، يلغي فيه الحد الفاصل بين الأفلام الروائية والوثائقية بصورة متفردة، يعتمد فرهادي على بناء سينمائي أكثر درامية، بل أكثر تقليدية على طريقة الدراما الإغرايقية الكلاسيكية.

البناء المعتاد في سيناريوهات «فرهادي» يبدأ بالتمهيد ثم الحدث الرئيسي، الذى يلعب فيه القدر الدور الأعظم، ثم التوتر والضغط، قبل أن يرتقي العمل كاملًا ويتصاعد إلى الذروة مع تتابعاته الختامية، والفريد في سينما «فرهادي» أنّ المواقف الدرامية تبنى على صراع بين الخير والخير.

“المآسي الكلاسيكية تعتمد على حرب بين خير وشر، وموقفنا يكون واضحًا بينهما: نريد أن ينتصر الخير وينهزم الشر، ولكن المعركة فى المأساة الحديثة، تكون بين خير وخير، لا يصبح مهمًّا حينها من يفوز، ستنكسر قلوبنا في جميع الأحوال”.

المخرج الإيراني «أصغر فرهادي»، في حواره مع الصحفية «آن طومسون» لموقع «إندي واير»، ديسمبر 2011.

اختار كُتّاب الدراما الإغريقية الأساطير القديمة لتكون موضوع مسرحياتهم، واختار «أصغر فرهادي» الأسرة موضوع أفلامه، معظم أفلامه تدور في إطار مشاكل الحياة الزوجية، وتأزم العلاقة بين الأسرة والمجتمع، وأعتقد أنّ ما يطرحه هو إدانه بشكل ما لمؤسسة الزواج في مجتمعه الذي نجهل عنه الكثير، ومع ذلك براعة فرهادي في السرد وتقديم حكايات اجتماعية بسيطة مليئه بالانفعالات الدرامية وفي أجواء من الإثارة والتشويق، تقربه جدًا من المشاهد في جميع أنحاء العالم.

“إنّ أكبر وأقدم علاقة في تاريخ البشرية هي العلاقة بين زوجين، علاقة الحب بين رجل وامرأة، ولكن رغم كونها علاقةً قديمةً وكلاسيكيةً ما زلنا نشعر بأنّ الكثير فيها لم يكتشف بعد؛ لأنّه بمجرد اجتماع رجل وامرأة تظهر كل المشكلات والصعاب من البداية، وكأنّ أحدًا لم يتعلم الدرس مما حدث في السابق”.

المخرج الإيراني «أصغر فرهادي»، مهرجان كان السينمائى 2016.

أصغر فرهادي

ولد «أصغر فرهادي» في مدينة أصفهان، وتعلم السينما بمدارس الدولة الإسلامية (مجتمع السينمائيين الصغار في أصفهان عام 1986)، ثم في قِسم الفنون الدرامية بجامعة طهران (1998)، هو يؤمن بأنّ الله لا يرسل الشر إلى البشر دون أن يقترفوا إثمًا.

الحبكة في معظم أفلامه مبنية على الخطيئة البشرية، أو ما يمكن تعريفه بالخطأ التراجيدى، وإن كان بسيطًا جدًا مثل ترك الزوجة باب شقتها مفتوحًا ظنًا منها بأنّ القادم هو زوجها، أو تركها لطفلها يلهو على الشاطئ في فيلم آخر، وفي الفيلم الثالث يدفع الزوج الخادمة الحامل على السلم، ثم يأتي رد القدر القاسي، ويحول حياتهم إلى ما يشبه الكابوس، دون أن ينزلق لميلودراما فجة يجعلك الساحر فرهادي تتعاطف مع الشخصية المخطئة، ويتبدل احيازك للشخصية الواحدة أكثر من مرة للنقيض خلال فصول الفيلم، وتفهم دوافعها دون الحكم عليها.

شخصياته ليسوا أشرارًا ولا ملائكةً، يضعهم في مواقف صعبة فيظهر تكوينهم الإنساني، وكما يصنع تترات أفلام مبتكرة ولا تُنسى، يصنع فرهادي نهايات مفتوحة مثيرة، عوضًا عن الحل الذي يريحك، تجد عشرات الأسئلة تستفز تفكيرك، هنا فقط يصل الساحر فرهادى إلى غايته ويحقق هدفه، هو يؤمن بأنّه من المهين حقًا للمشاهد أن يقدم له نصيحةً، وبما أنّ معظم أفلامه تناقش موضوعات اجتماعية معاصرة لم تحسم بعد في الواقع، فتقديم أي حل لها على الشاشة يكون نوعًا من الخداع، ببساطة يرى أصغر أنّ العالم اليوم يحتاج إلى الأسئلة أكثر من الإجابات.

«لا أسعى لتقديم إجابات للمشاهِد، لو قدمت له إجابة سينتهي الفيلم في صالة السينما، لكن لو تركت بعض الأسئلة، فالفيلم سيبدأ في الحقيقة بعد أن يشاهده الناس؛ يبقى بداخلهم».

«أصغر فرهادي» في حوار مع صحيفة «الغارديان» البريطانية، يوليو 2011.

نحن بصدد ثلاثية «أصغر فرهادي» المخرج والمؤلف، ربما تكون من أروع ما قُدم في تاريخ السينما، لكن المؤكد أنّها أفضل إنتاج عالمي على صعيد الدراما السينمائية في العشر سنوات الأخيرة، حصدت عن استحقاق وبجدارة أكثر من مائة جائزة في كل المهرجانات الدولية، المرة الوحيدة في تاريخ مهرجان برلين يحصل فيلم على ثلاثة دبب، كانت لفيلم “انفصال نادر وسيمين” في عام 2011 حصل على الدب الذهبي، وهو أول فيلم إيراني يحصل عليها بالإضافة إلى دبين فضيين في التمثيل، ثم جائزة الجولدن جلوب، قبل أن يحصد جائزة الأوسكار في فئة أفضل فيلم غير ناطق باللغة الإنجليزية عام 2012، و رشح لجائزة أفضل سيناريو فى سابقة أخرى لم تتكرر في تاريخ الجائزة الأشهر عالميًا.

فيلم “البائع” توج بجائزتين في مهرجان “كان” لأفضل مخرج وأفضل ممثل، وبعدها فاز بالأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2017، والتي رفض “أصغر فرهادي” السفر لأمريكا لحضور الحفل اعتراضًا على قرار الرئيس ترامب منع سفر مواطني عدد من الدول على رأسهم إيران، الفيلم الثالث هو “عن إيلي” والذي حصل على جائزة الدب الفضي من مهرجان برلين في عام 2009، وكان بداية معرفة العالم بالمخرج الكبير «أصغر فرهادي»

أصغر فرهادي

* حاولت قدر الإمكان عدم حرق الأحداث.

البائع (The Salesman 2016) :

البائع (The Salesman 2016)

آخر روائع فرهادي يحكي قصة الزوجين «عماد» و «رنا» ينتقلان إلى شقة جديدة بعد تصدع المنزل القديم، بمساعدة صديق يعمل معهما في نفس الفرقة المسرحية التي تقدم مسرحية “موت بائع جائل” لآرثر ميلر، وترتكب الزوجة خطأ بسيط عندما تترك باب شقتها مفتوحةً ظنًا منها بأنّ القادم هو زوجها، يقسو عليها القدر وتتعرض لحادث لا نعلم إن كان اغتصابًا أو مجرد محاولة، ولا نعلم أيضًا هل طبق فرهادي تقاليد المسرح الإغريقي القديم في عدم عرض المشهد العنيف على الشاشة، أم منعته الرقابة في بلده، في الحالتين لم يُوقف هذا إبداعه بحال من الأحوال.

فقط نعلم التفاصيل من حديث الجيران، وبعدها تتحول حياة الزوجين إلى كابوس مزعج، وننخرط في رحلة البحث عن الجانى مع الزوج، حتى تتجمع معظم الشكوك حول شاب تنطبق عليه جميع المواصفات، إلى هنا والقصة بسيطة و متكررة، بعدها يبدأ سحر الدراما السينمائية، في دقائق عظيمة يتلاعب بك فرهادي ويكسر أفق توقعاتك، تمدح شخصية وتعود وتذمها في المشهد التالي، في أروع مشاهد الفيلم تشاهد الضحية تبكي الجاني وتتوسل للعفو عنه، وتتعاطف أنت معه وسرعان ما تلعنه على فعتله عندما تظهر زوجته باكيةً عليه وتصفه بأنّه حياتها بأكملها، وكذلك هو حال البطل الذي تعيش معاناته لمدة أسبوعين و ويتبدل انحيازك عندما يظهر في شخصية المنتقم، ذلك الدور الذي أداه ببراعة شديدة الممثل “شهاب حسيني”، وينتهي الفيلم وأنت متأكد أنّه لا يوجد شخص مدان بالكامل في الخلطة السحرية للمخرج والمؤلف «أصغر فرهادي».

فيلم The Salesman … ورحلة إيرانية جديدة بين السعي للانتقام والبحث عن الحقيقة

“انفصال نادر وسيمين”  (A Separation 2011):

فيلم انفصال

هو تحفة فنية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، يشهد على عبقرية «أصغر فرهادي»، يبدأ بالمشهد الأروع بطريقة الكاميرا العين، حيث يجد المشاهد نفسه بديلًا للقاضي الذي لا نراه، للحكم في قضية انفصال الزوجين “نادر” و “سيمين” التي تريد الطلاق بسبب رفض زوجها الهجرة خارج إيران، تريد هي الهرب من الظروف، وتعجز عن الرد على سؤال القاضي “أي ظروف؟”، والزوج يريد البقاء لرعاية والده الذي يعاني أمراض الشيخوخة ومرض «الزهايمر» من تلك الدائرة ينطلق السرد المتقن الذي لا تنفلت حبكته مطلقًا، ليتقاطع مع دائرة ثانية لثنائية زوجية ثانية، يعاني فيها الزوج من الديون، مما يدفع الزوجة للعمل كخادمة وهي حامل، وتتوالى المفاجآت في وجبة سينمائية دسمة على طريقة «أصغر فرهادي».

فى السيناريو العبقري تلمس خلفية المخرج الدينية، فجميع الشخصيات تكذب أمام المحكمة، لعدم ثقتهم في عدل الدولة والقانون، ولكن الكل يقول الحق أمام القرآن الكريم، ومن المشاهد التي لا تُنسى في تلك الرائعة، مشهد الزوجة وهي تبكي ونكتشف أنّ كل ما كانت تريده فقط أن يطلب منها زوجها البقاء حتى تتنازل عن الانفصال، بالإضافة إلى مشهد النهاية وفي نفس مكان البداية يسأل القاضي المختفي الابنه الباكية عن أي من الوالدين تريد الاستمرار معه بعد الانفصال، دون أن نعرف الإجابة ينهي «أصغر فرهادي» الفيلم بنهاية مفتوحة كسائر أعماله.

«عن إيلي» (About Elly 2009):

«عن إيلي» (About Elly 2009):

على طريقة وحدة الحدث والزمان والمكان في المسرحيات الإغريقية القديمة، يصنع العبقرى «أصغر فرهادي» فيلمًا عن ثلاث عائلات على شاطئ البحر ولمدة ثلاثة أيام، حيث تصطحب إحدي الزوجات مدرّسة ابنتها “إيلى” لكي يتعرف عليها صديقهم “أحمد” العائد من ألمانيا بعد أن طلق زوجته، ويشترك الجميع في خطأ بسيط، هو ترك أحد الأطفال يلهو وحيدًا على الشاطئ مما يعرضه لخطر الغرق، ثم تختفي “إيلي”، وتنطلق الأحداث المثيرة في سلسلة من الاكتشافات المتتابعة للإجابة عن سؤال أين اختفت إيلي؟ لتكتشف أنّ المخرج يطرح السؤال الأهم، كيف تكون للحقيقة الواحدة أكثر من جانب صحيح؟ وهنا تكمن براعة السيناريو والذي يجعلك تدرك أحد أسرار النفس البشرية، التي أمام الضغط يظهر منها شرًا لم ترده يومًا، فترى الزوج الذي يصف زوجته بالأميرة في بداية الأحداث، ينهال عليها ضربًا في آخرها.

«أظن أنّه من المهم أن نحكي عن المواقف المعقدة التي تؤثر علينا، وأن أدع للمشاهد الفرصة كي يفكر فيها طَوَال الوقت».

«أصغر فرهادي» في مؤتمر صحفي بمهرجان «تورنتو» عام 2011.

لا يمكن أن تنسى لقطة الكاميرا المحمولة الطويلة لحظة البحث عن إيلي في البحر، والتي تشهد على حرفية فرهادي واستخدمها كذلك في معظم مشاهد الفيلم، الذي لا يوجد فيه منتصر ولا نهاية سعيدة، ولا شخص واحد يمكن إلقاء اللوم عليه.

هو «أصغر فرهادي»، المخرج والمؤلف الإيراني من مواليد عام 1972، بعدد أفلام قليلة حفر اسمه في ذاكرة السينما العالمية، وقدم للسينما الإيرانية ما لم يقدمه أحد من عباقرة الإخراج داخل وخارج إيران قبله، هو يستحق أن نقول: “لقد بدأت الدراما مع الإغريق، وانتهت مع أصغر فرهادي”.

2

شاركنا رأيك حول "لقد بدأت الدراما مع الإغريق وانتهت مع أصغر فرهادي"

أضف تعليقًا