فيلم A Fantastic Woman … قصة رومانسية لقضية شائكة

دانيلا فيلم A Fantastic Woman
0

عندما التقى المخرج سباستيان ليليو بـ “دانيلا” لأول مرة، في أحد المقاهي بالعاصمة التشيلية سانتيجو وتحدث معها، شعر أنّ فيلمه يجب أن يدور حول امرأة … امرأة تُشبه “دانيلا”، فعاد إلى ألمانيا مقر إقامته، وشرع في كتابة السيناريو الخاص بالفيلم مع صديقه “جونزالو مازا”، ليقدما في النهاية فيلم “امرأة رائعة” الذي لعبت فيه “دانيلا فيجا” دور البطولة، وحصل على جائزة الأوسكار أفضل فيلم أجنبي لهذا العام، بعد منافسة شديدة مع أفلام أخرى نالت العديد من الجوائز العالمية، وحظيت باهتمام مُحبي السينما على مستوى العالم، كان فيلم “امرأة رائعة A Fantastic woman” أقلهم شهرةً، وأبعدهم عن التوقعات في حصوله علي الجائزة.

فقد تنوعت القضايا التي تعرضت لها الأفلام التي تنافست على نيل الجائزة بين السياسية والاجتماعية، فوجه المخرج روبين أوستلاند من خلال الفيلم السويدي “المُربعThe Square” نقدًا ساخرًا لمنظومة القيم داخل المجتمع الأوروبي، وسلط اللبناني زياد الدويري في فيلم “القضية 23” الضوء على الانقسام داخل المجتمع اللبناني، وحالة الاحتقان التي يمكن أن تؤدي إلي حرب أهلية ثانية، كما قدم المخرج أندريه زفياجينتسيف صورةً مؤثرةً عن حياة أسرة ضاع الحب بين أفرادها من خلال فيلم “بلا حب Loveless”، وأخيرًا يأتي الفيلم المجري “عن الجسد والروح On Body And Soul” للمخرجة “ألديكو إينيدي” ليتناول قصة حب بين رجل وامرأة يتقاسمان نفس الحلم حول غزالة وظبي يلتقيان في غابة يكسوها الجليد.

فأي قضية تناولها الفيلم التشيلي “امرأة رائعة” جعلته يحظى باهتمام أعضاء أكاديمية الفنون وعلوم الصورة المتحركة المانحة للأوسكار، فتمنحه الجائزة في النهاية؟

أحداث القصة

فيلم A Fantastic Woman

تبدأ أحداث فيلم “امرأة رائعة” بدايةً كلاسيكيةً، برصد علاقة الحب التي تجمع بين “مارينا فيدال / دانيلا فيجا” التي تعمل نادلةً ومغنيةً بأحد الملاهي الليلية، و “أورلاندو أونيتو / فرانسيسكو رايز” الذي يكبرها بعشرين عامًا، فيذهب أورلاندو للقاء مارينا في الملهي الليلي الذي تعمل به، ويصطحبها إلي أحد المطاعم للاحتفال بعيد ميلاها، وأثناء الاحتفال يقدم لها أورلاندو دعوة لزيارة شلالات “إيجوازو” إحدى عجائب الدنيا السبع كهدية لعيد ميلادها، يعود بعدها الثنائي إلى المنزل لقضاء الليلة معًا، إلّا أنّ أزمة قلبية يتعرض لها “أورلاندو” أثناء الليل تقلب حياة مارينا رأسًا على عقب، وتجعلها محل شك رجال الشرطة.

تكشف تلك الحادثة عن تاريخ مارينا الشخصي، وترسم ملامح الصراع الذي ينشأ بينها وبين عائلة حبيبها الراحل، فنجد زوجة أورلاندو السابقة ترفض حضور مارينا الجنازة، أو استلامها جزءًا من رفاته، ويحاول “برونو” – ابنه من امرأة أخرى – طردها من الشقة التي كانت تقيم بها مع والده، وانتزاع منها أي غرض قد أهداه إياها قبل وفاته.

بداية رومانسية لقضية شائكة

دانيلا فيلم A Fantastic Woman

رغم البداية الرومانسية للأحداث والأجواء الميلودرامية التي صاحبتها، نجد فيلم “امرأة رائعة” يشتبك مع قضية “الهوية الجندرية” أو النوع الاجتماعي، حين قدم “مارينا” حول كونها متحولةً جنسيًا من رجل إلى امرأة، فعندما التقى المخرج سيباستيان ليليو بدانيلا فيجا بطلة فيلمه، كان غرضه الاطلاع من خلالها على أحوال المتحولين جنسيًا بتشيلي، والصعوبات التي يواجهونها، فما كان منها سوى أن قدمت له بطاقة هويتها التي حملت اسمها السابق كرجل، حيث ترفض السلطات التشيلية إعطاء المتحولين جنسيًا هويات جديدة، ويخشى الكثير منهم خوض قضايا خاسرة في قاعات المحاكم، تتعلق بمسألة الاعتراف بهم من قِبل الدولة.

ومع أنّ الفيلم لا يولي اهتمامًا كبيرًا بتناول القضية من الناحية السياسية، إلّا أنّ المخرج سباستيان ليليو استغل واقعة بطاقة الهوية الخاصة بدانيلا داخل أحداث الفيلم، ليوضح من خلالها الامتهان النفسي والبدني الذي تعرضت له مارينا على يد الشرطة، أثناء التحقيق معها حول حادث وفاة أورلاندو؛ بسبب هويتها الجنسية.

كما قدم ليليو صورةً عن الاضطهاد الذي يمكن أن تتعرض له المرأة على يد نساء مثلها، فجعل من يتولى مهمة التحقق مع مارينا ويوجه لها تهمة قتل أورلاندو امرأة مثلها. كذلك، حين جعل الصراع بين مرينا وزوجة أورلاندو السابقة يتخذ شكلًا آخرًا برفض الأخيرة ظهور مارينا في الجنازة، كونها تشعر بالعار أنّ زوجها قد هجرها من أجل متحولة جنسيًا، حتى أنّها تعامل مارينا كونها شيئًا مُنافٍ للطبيعة، فتخبرها قائلةً: “عندما أنظر إليك لا أعرف أي شيء أنت”.

“مارينا” … بين الرؤية الشخصية، ورؤية المجتمع

فيلم فيلم A Fantastic Woman

انطلاقًا من مفهوم “الهوية الجندرية” الذي يرتكز على رؤية الشخص إلى جنسه، أو بمعني آخر شعوره الخاص بانتمائه إلى أحد الجنسين بكونه ذكر أو أنثى، فقد أعاد الفيلم تقديم شخصية مارينا مرةً أخرى كمتحولة جنسيًا تنتمي شعوريًا لكونها أنثى، ووضع علامة استفهام حول إجرائِها للعملية الجراحية الخاصة بها، وهي نقطة خاطب من خلالها الفيلم فئات أخرى داخل المجتمع، جعل التساؤلات تُطرح بسببها حول طبيعة العلاقة بين مارينا وأورلاندو، التي ظهرت بذلك مرفوضةً اجتماعيًا بصورة أخرى خلال أحداث الفيلم.

على عكس المعتاد، خالف الفيلم القاعدة المعروفة حول سرده تاريخ الشخصيات، الذي كان يجعلها أكثر قربًا من المُشاهد، فيبدي بذلك تفهمًا أعمق نحو تصرفاتها، فقام الفيلم بإخفاء تفاصيل بداية علاقة الحب التي جمعت بين مارينا وأورلاندو، وكذلك حياة مارينا السابقة كمتحولة جنسيًا قبل لقائِه، وقد طرح المخرج سباستيان ليليو من خلال إخفاء الفيلم لتاريخ الشخصيات تساؤلًا حول ثقة مارينا بنفسها وقدرتها على مواجهة المجتمع، فهل كانت ثقتها تنبعث من داخلها أم كان وجود أورلاندو في حياتها هو ما يمنحها ذلك الشعور، إذ يظهر أنّ عالمها قد تهاوى بعد رحيله. كل ذلك جعل المشاهد متورطًا في تجربة بطلة الفيلم التي تقوم بإعادة اكتشاف ذاتها مرةً أخرى، وتحاول كسب اعتراف الآخرين بها، وقد ظهر ذلك من خلال المشهد الذي تكافح فيه مارينا كي لا تسقط أمام رياحٍ قوية اعترضت طريقها تحاول طرحها أرضًا.

استعرض الفيلم أزمة بطلته الداخلية، وصورتها المضطربة أمام نفسها من خلال عدة مشاهد ظهر فيها انعكاس وجهها على المرايا، وعلى الواجهات الزجاجية للمحلات في الشارع، وأحيانًا عن طريق نظر مارينا مباشرةً إلى الكاميرا، وقد عمل المخرج سباستيان ليليو على إظهار حالة التباين بين رؤية البطلة لجنسها ونظرة المجتمع المغايرة لها، فنجد ذلك في المشهد الذي تستلقي فيه مارينا عاريةً في فراشها، تنظر لانعكاس وجهها على مرآة وضِعت على ساقيها لتُخفي ما بينهما.

واستكمالًا لإظهار حالة التباين، فقد عمل ليليو على التلاعُب بالماكياج الخاص بشخصية مارينا؛ لإظهارها مرةً بملامح أنثوية رقيقة وأخرى ذكورية حادة، تبعًا لرؤيتها هي لذاتها أو ما يقرأه الآخرون في ملامحها.

فيلم A Fantastic Woman أوسكار أفضل فيلم أجنبي

في النهاية، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته قضية فيلم “امرأة رائعة” في حصوله على جائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي، رغم وجود أفلام أخرى نافسته على الجائزة تنوعت القضايا العالمية التي طرحتها، وجعلت الاختيار بينها عسيرًا، فنجد الأكاديمية المانحة للأوسكار في الوقت الذي وجه فيه الرئيس ترامب خطاب عداء تجاه مجتمع الميم، تمنح الجوائز لأفلام مثل: “Moonlight” الذي تطرق لمشكلة بطله مثلي الجنس الذي ينتمي لمجتمع الأقليات من أصحاب البشرة السمراء، ونال الأوسكار أفضل فيلم العام الماضي، وكذلك فيلم “Call Me By Your Name” الحاصل على الأوسكار العام الحالي، كأفضل سيناريو مقتبس عن عمل روائي، وتناول تجربة الحب الأول لشاب صادفت أن تكون مثليةً؛ لتسلط الأكاديمية من خلال فيلم “امرأة رائعة” الضوء على قضية جديدة تخص مجتمع الميم، وتمنحه جائزة تُضيفها إلى قائمة انتصاراتها على السلطة.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم A Fantastic Woman … قصة رومانسية لقضية شائكة"

أضف تعليقًا