لماذا نجحت سلسلة أفلام The Fast and the Furious في تحدي الاستمرارية؟

سلسلة أفلام The Fast and the Furious
0

تعد سلسلة أفلام الحركة والإثارة The Fast and the Furious واحدةً من أشهر سلاسل الأفلام التي قدمتها السينما العالمية، حيث تحظى بشعبية طاغية في كافة أنحاء العالم، وقُدم منها حتى اليوم ثمانية أفلام تجاوز حجم ما حققوه مُجتمعين من إيرادات حاجز الخمسة مليارات دولار أمريكي، تم عرض أول أفلام السلسلة في 2001 بعنوان The Fast and the Furious بينما صدر الفيلم الثامن The Fate of the Furious في 2017، وقد أعلنت الشركة المنتجة عن بدء العمل على فيلمين جديدين من المقرر عرضهما خلال السنوات القليلة المُقبلة.

الإنجاز الحقيقي لسلسلة أفلام The Fast and the Furious لا يتمثل في حجم ما حصدته من إيرادات، إنما يُجَسد في قدرتها على الاستمرار، على خلاف أغلب السلاسل السينمائية الأخرى المُدرجة تحت ذات التصنيف، والتي عجز أغلبها عن الاستمرار لهذا العدد من الأجزاء، كما أنّ سلسلة السرعة والغضب هي سلسلة أفلام الإثارة الوحيدة تقريبًا التي تصدر أفلامها بصورة شبه منتظمة.

أفضل أفلام سباقات السيارات في هوليود

أجواء الأفلام الغريبة والمثيرة والمتنوعة

صور سلسلة Fast & Furious

مرت الأساليب الفنية في صناعة الأفلام السينمائية بالعديد من مراحل التطور إلى أن وصلت للصورة التي هي عليها اليوم، وفيما يخص الأفلام القائمة على التشويق – خاصةً أفلام الخيال العلمي وأفلام الحركة – لم تعد روعة السيناريو تقتصر على إيجاد فكرة مختلفة وخلق مجموعة من التعقيدات وإيجاد الحلول المناسبة والمقبولة لها قرب النهاية فحسب، بل أصبحت الأجواء السائدة وتفاصيل العالم الذي تدور به الأحداث أحد أبرز عوامل الجذب، يمكن إدراك ذلك بسهولة من خلال تتبع سلاسل الأفلام الأشهر، والتي يعد محيط الأحداث المميز الغير مألوف أحد أبرز القواسم المشتركة بينها، ومنها سلاسل أفلام The Matrix, The Lord of The Rings, Star Wars, Harry Potter.

أثبتت سلسلة أفلام The Fast and the Furious أنّ المحيط الدرامي المميز لا يجب أن يكون بالضرورة خياليًا بشكل كامل؛ نظرًا لأنّ أحداث أفلام السلسلة بالكامل تدور – كما هو مُفترض – بالعالم الواقعي، لكن على الرغم من ذلك استطاع صُنّاع الأفلام خلق مسرح أحداث مميز وغير معتاد يجمع بين أجواء العالم السفلي للجريمة المُنظمة، والعالم السري لسباقات الشوارع غير المشروعة، مما جعل كل فيلم من أفلام The Fast and the Furious بمثابة رحلة إلى أعماق ذلك العالم ذو المقومات المميزة والخواص الغريبة.

هذا بالإضافة إلى اهتمام سلسلة The Fast and the Furious بالخروج من النطاق المحدود إلى العالم الواسع، وصارت أفلامها تصحب المشاهد في رحلة عبر العالم، تنقله من المدن المتقدمة إلى المجتمعات البدائية ومن الأحراش إلى الصحاري المقفرة وغير ذلك، وهذا كله دون الإخلال بالطابع المميز للفيلم أو الأجواء التي اختارها مسرحًا لأحداثه، والتي تتسم بقدر من الغرابة.

القابلية للتطور والتجدد

فن ديزل وبول ووكر من أفلام The Fast and the Furious

استمرار نجاح أي سلسلة سينمائية أو مسلسل تلفزيوني يتعلق بشيء واحد، وهو مدى قدرتها على التجدد ومخالفة المتوقع، وبناء على ذلك يمكن اعتبار القابلية للتطور من أهم العوامل التي ساهمت في تقديم ثمانية أفلام ناجحة من سلسلة أفلام The Fast and the Furious، حيث أنّ الحبكة الأصلية التي تعتمد عليها السلسلة مطاطة وأشبه بقطعة الصلصال القابلة لإعادة التشكيل عشرات المرات، ويُمكن تبين ذلك بسهولة من خلال المقارنة بين الجزء الأول The Fast and the Furious 2001، والجزء الثامن The Fate of the Furious (2017) لندرك مدى الاختلاف، وحجم التطور الذي اشتمل على عِدة نواحي أبرزها الآتي:

أ) التطور على مستوى القصة

صور فيلم The Fast and the Furious

يواجه مُبدعو أفلام الحركة مأزقًا مُتكررًا ألا وهو علم المشاهد المُسبق بأنّ الأحداث – مهما بلغت درجة تعقيدها – سوف تنتهي بانتصار البطل أو مجموعة الأبطال الرئيسيين وتمكنهم من إنجاز مهمتهم، ومن ثم فإنّ التشويق الحقيقي يتولد من مسار القصة نفسها، ويتوقف على مدى قدرة كُتّاب السيناريو على وضع الأبطال في مواقف استثنائية، وكيفية إخراجهم منها.

حافظت سلسلة The Fast and the Furious على المقومات الرئيسية لهذا النمط السينمائي وقدمته ببراعة، كما أنّ الكُتّاب لم يحصروا أنفسهم في قالب ثابت، أي أن الأفلام لم تُقسم إلى سلسلة من المهام شبه المنفصلة كما هو الحال بسلاسل سينمائية شهيرة مثل: Mission Impossible و سلسلة أفلام جيمس بوند وغيرها، بل أنّ أفلام السرعة والغضب دارت تارةً حول تيمة الانتقام كما كان الحال بفيلم Fast & Furious، وتارةً في إطار تشويقي بحت حول مهمة مستحيلة كما فيلم Furious 7، وتارةً يغلب عليها طابع أفلام الجريمة الصريحة كأفلام 2 Fast 2 Furious، Fast Five، وبذلك تكون السلسلة قد نجحت في تفادي أبرز عيوب سلاسل أفلام الحركة المُمتدة، والمتمثل في التكرار وسهولة توقع الأحداث التالية، وأروع ما بالأمر أنّ هذا كله قد تم دون الإخلال بركائز السلسلة الرئيسية وطابعها المُميَّز.

فيلم Furious 7 … أفضل أجزاء السلسلة أم أنجحها فقط؟

ب) التطور على مستوى الشخصيات

صورة شخصيات Fast & Furious

تم إدخال العديد من الشخصيات الجديدة إلى عالم The Fast and the Furious، وقد بدأ الاهتمام بذلك الأمر بصورة أكبر مع إصدار الجزأين الرابع والخامس، اللّذين يُمثلان معًا نقطة تحول في مسار السلسلة الشهيرة.

تحولت الشخصيات المضافة مع الوقت إلى شخصيات رئيسية لا تقل أهميةً أو تأثيرًا عن الأبطال الرئيسيين الذين ظهروا ابتداءً من الأجزاء الأولى. ساهمت هذه الشخصيات في إنعاش السلسلة وإكسابها أبعادًا جديدة، وفي مقدمتهم شخصية لوك هوبز “دواين جونسون” وشخصية ديكارد شاو “جيسون ستاثام“.

التغيير على مستوى الشخصيات لم يقتصر على الإضافة فحسب، بل أنّ السلسلة تضمنت خروج أكثر من شخصية بصورة مفاجئة، بخلاف شخصية براين أوكونور التي أقصيت بسبب وفاة ممثلها، فقد شهدت أحداث سلسلة Fast and Furious موت العديد من الشخصيات أبرزهم هان لو “سونغ كانغ”، جيزيل “جال جادوت”، فينس “مات شولز”، إلينا “إلسا باتاكي”، وقد عاد هذا على السلسلة بفائدتين رئيسيتين: الأولى هي زيادة جرعة التشويق إذ أصبح موت أي من الشخصيات – خاصةً المُساندة – مُحتملًا بأي لحظة، والثانية هي تحقيق التوازن ومنع تكدس الأفلام بالشخصيات الزائدة عن الحاجة.

ج) التطور على مستوى مشاهد الإثارة

لقطات من أفلام Fast and Furious

لا يمكن التطرق للحديث عن سلسلة Fast and Furious دون الالتفات إلى تصميم المعارك والمطاردات، حيث أنّ السلسلة أولًا وأخيرًا تندرج ضمن تصنيف أفلام الجريمة والحركة والإثارة.

اختلف أسلوب تقديم هذا النمط من المشاهد خلال الأفلام الأربعة الأخيرة بصورة كبيرة مقارنةً بالأفلام الأربعة الأولى، ورغم أنّ ذلك يرجع في الأساس لأسباب تجارية بحتة نتجت عن رفع حجم ميزانيات الإنتاج المخصصة للسلسلة بفضل ما حققته من نجاح، وما صارت تحظى به من شعبية حول العالم، إلّا أنّ ما يهمنا هنا هو الأثر الفني الناتج عن هذا التطور.

أسلوب تقديم مشاهد الحركة والإثارة في سلسلة The Fast and the Furious دائمًا مبتكرة ومتجددة وخارجة عن المألوف، إذ أنّ صُنّاع الأفلام لا يسعون فقط للتفوق على الأعمال المنافسة بل إلى التفوق على أفلام السلسلة السابقة أيضًا، وهو ما جعل هذه السلسلة بشكل خاص تحظى بتلك المكانة التي تتمتع بها لدى مُحبي هذا النمط السينمائي.

من ناحية أخرى حرص مُبدعو السلسلة على تبرير ذلك التطور والاختلاف الكبير الذي طرأ على مشاهد الإثارة. لهذا، صاحب التطور البصري تطورًا كبيرًا على صعيد القصة والحبكة، حيث اختلفت طبيعة المهام وصارت أكثر تعقيدًا، كما تزايد حجم أعضاء طاقم توريتو، بل إنّ طبيعة الخصوم أنفسهم قد اختلفت كثيرًا، وبعدما كانوا مجموعات من حثالة الشوارع ورجال العصابات صاروا كيانات إجرامية دولية، ومنظمات إرهابية بالغة الخطورة.

قبل عرض The Fate of the Furious … كم بلغت تكلفة الأضرار في سلسلة Fast and Furious ؟

التجانس والحفاظ على الطابع المُميز للسلسلة

أفلام The Fast and the Furious

تولى خمسة مخرجين مختلفين تقديم أفلام السلسلة، حيث قدم المخرج روب كوهين الفيلم الأول The Fast and the Furious، ثم انتقلت المهمة إلى جون سينجلتون بالفيلم الثاني 2 Fast 2 Furious، وابتداءً من الفيلم الثالث تولى الكاتب كريس مورجان مهمة تطوير وكتابة سيناريو أفلام السلسلة كاملة، وتعاون خلال الأفلام الأربعة الأولى – الجزء الثالث: الجزء السادس – مع المخرج جستن لين، ثم قدم فيلم Furious 7 مع المخرج جيمس وان، وأخيرًا فيلم The Fate of the Furious مع المخرج إف. جراي جراي.

استفادت سلسلة The Fast and the Furious من تعدد المخرجين، حيث ساهم ذلك في تحريرها من الجمود ومَكَنها من تفادي الانجراف إلى الرتابة والتكرار، لكن العامل الأكثر تميُزًا هنا هو أنّ تعدد المخرجين لم يؤثر بأي شكل على وحدة الأفلام الثمانية، حيث أن كل مخرج من الخمسة أضفى على فيلمه لمسته الخاصة لكن دون المساس بركائز السلسلة الأساسية أو الإخلال بطابعها المميز، أي أنّ جميعهم كانوا يتحركون ضمن ذات الإطار، ولم يسعَ أي منهم لتصميم عالمه الخاص، بل كان الأمر أشبه باستعراض ذات العالم، ولكن من خمسة مناظير مختلفة، وهو ما ساهم في خلق حالة من الترابط والتجانس بين جميع الأفلام، وجعل للسلسلة طابعًا خاصًا، وهويةً مُستقلةً تُميزها عن السلاسل السينمائية الأخرى المُنتمية لذات التصنيف الفني.

فيلم The Fate of the Furious … ومفهوم مختلف للعائلة

لا ملائكة ولا شياطين

بوستر فيلم Fast & Furious

يعد نمط الشخصيات أحد أبرز العيوب التي تُضعف البناء الدرامي لأفلام الحركة والإثارة بشكل خاص سواءٌ كانت تعتمد على البطولة الفردية أو الجماعية، فالأبطال دائمًا إمّا أنّهم من النبلاء المُنزهون عن الخطأ، وإمّا أنّهم حفنة من المجرمين عديمي الشرف والإحساس، لكن أفلام The Fast and the Furious قررت تفادي السقوط في هذا الفخ منذ الفيلم الأول، واتضح ذلك بصورة أكبر بالأفلام التالية، وخاصةً الجزء الخامس Fast Five، والجزء الثامن The Fate of the Furious.

شخصيات السلسلة الرئيسية المتمثلة في أعضاء فريق دومينيك توريتو ليسوا أسوياءً بالكامل، أهدافهم ليست شريفةً بالضرورة، ودوافعهم ليست نبيلةً دائمًا، بل إنّهم نظريًا مجموعة من الخارجين عن القانون معتادي ممارسة الأنشطة الإجرامية المختلفة ابتداءً من المشاركة في السباقات غير المشروعة، ووصولًا إلى تنفيذ عمليات السرقة والسطو وقطع الطرق، لكن رغم كل ذلك لا يمكن اعتبارهم أشرارًا بشكل كامل، وهنا تحديدًا تكمن روعة سلسلة أفلام The Fast and the Furious التي نجحت في تقديم أفلام حركة مثيرة تتسم بقدر كبير من المبالغة على مستوى الأحداث، وقدر مماثل من الواقعية على مستوى رسم الشخصيات!

النظرة الأولى على أبطال فريق توريتو قد تُشعر المشاهد بشيء من التناقض في تكوينهم النفسي، لكن مع تقدم الأحداث والتعمق بها يُدرك أن تلك الطبيعة الغريبة تتسق تمامًا مع تاريخهم والبيئة التي خرجوا منها، والملابسات التي أحاطت بنشأتهم والتي دفعتهم إلى سلك طريق محدد، لكن رغم هذا لا يزال هناك بعض النور في قلوبهم، وهم على استعداد دائمًا للعودة من هذا الطريق إذا واتتهم الفرصة، لكن هذا لا يعني أبدًا انسلاخهم عن طبيعتهم أو تخليهم عما اكتسبوه من سمات على مدار سنوات عمرهم، بل نتج عن ذلك تركيبةً شديدة الغرابة تدفعهم إلى تحقيق العدالة بالأساليب الإجرامية وممارسة الأعمال الإجرامية وفق ضوابط وحدود صارمة فرضها ميل قلوبهم للحق والعدل.

شبه عالم سينمائي مترابط الأحداث 

بزسنران أفلام The Fast and the Furious

تحمل أفلام The Fast and the Furious من المقومات ما يجعلها أقرب إلى العالم السينمائي الممتد، وليس مجرد سلسلة سينمائية متتابعة الأجزاء، وهذا يعد أحد أبرز وأهم العوامل التي ساهمت في نجاح السلسلة، وتمكينها من الاستمرار في التألّق طيلة ثمانية أجزاء، على نقيض السلاسل السينمائية الأخرى التي اتسمت بشيء من الجمود، وكانت أجزاؤها التالية بمثابة عملية استنساخ للجزء الأول.

حرص صُنّاع السلسلة – كما ذكرنا – على تصميم عالم خاص، واهتموا بإبراز أدق تفاصيله لضمان تميُزه وتفرده، وعلى مدار الأفلام الثمانية عملوا على توسعة هذا العالم بشكل تدريجي عن طريق إدخال المزيد من الشخصيات والمؤسسات والكيانات، ورغم أنّ شخصية دومينيك توريتو تبقى هي الأكثر بروزًا، إلّا أنّها لم تكن دائمًا محور الأحداث، حتى أنّ هناك فيلمين كاملين من أفلام السلسلة تم تقديمهم بدونه، أولهما الجزء الثاني 2 Fast 2 Furious الذي ركز بالكامل على حياة الضابط براين أوكونور، وثانيهما الجزء الثالث The Fast and the Furious: Tokyo Drift الذي تتبع حياة المتسابق المتهور شون بوسويل “لوكاس بلاك”.

اتباع أساليب العالم السينمائي الممتد على سلسلة أفلام The Fast and the Furious بالعديد من الإيجابيات، أهمها جعل أحداث أغلب الأفلام شبه مترابطة تُكمل بعضها البعض، مما أتاح الفرصة أمام كُتّاب السيناريو لتنمية خط الصراع الرئيسي والخطوط الدرامية الفرعية، وتطوير البناء الدرامي للسلسلة بشكل عام دون الحاجة إلى إعادته من نقطة الصفر مع كل جزء جديد، وقد أضاف هذا للسلسلة المزيد من العُمق وحقق للجمهور تجربة مشاهدة مميزة تقوم على التعايش مع الشخصيات والتفاعل مع الأحداث، إذ صار الأمر أشبه بمشاهدة فصول متتابعة ترجع جذورها لقصة واحدة، وليس مشاهدة قصص مختلفة تدور حول نفس الشخصيات.

يبدو أنّ عالم أفلام The Fast and the Furious لا يزال قابل للتوسع والتمدد أكثر من ذلك، حيث أعلنت شركة يونيفرسال عن رغبتها في تقديم سلسلة أفلام موازية أو مشتقة من السلسلة الأصلية، على أن تكون البطولة لشخصيتي لوك هوبز وديكارد شو.

تبدُل المواقف وتعدد الانقسامات

صورة فيلم The Fate of the Furious

يمكن اعتبار التحَوّل الدائم في مواقف الشخصيات أحد أبرز السمات التي تُميز سلسلة أفلام The Fast and the Furious منذ الإصدار الأول وحتى الثامن، ومن المتوقع أن تستمر الأمور على ذات النحو خلال الإصدارات المقبلة. شهدت أحداث السلسلة تغيرات متعددة وجذرية في مواقف أغلب الشخصيات، في مقدمتهم البطلين الرئيسيين دومينيك توريتو “فين ديزل” وبراين أوكونور “باول ووكر“، بل أنّ الأمر لم يقتصر على الأبطال وحدهم بل امتد للخصوم أيضًا التي شهدت شخصياتهم تحولات كبيرة، وفي مقدمتهم لوك هوبز “دواين جونسون” ورجل العصابات ديكارد شاو “جيسون ستاثام”.

يبقى العامل الأكثر تميزًا في هذه النقطة هو أنّ التغيرات كانت واضحةً وبارزةً ومؤثرةً وأحيانًا جذريةً، وبذات الوقت لها ما يبررها ويضعها في سياق المنطق، والأهم أنّ تحولات المواقف لم يصاحبها بالضرورة تغيرات في طباع وسمات الشخصية نفسها، والأمر كان يرجع دائمًا إلى مسار الأحداث التي تقود أحيانًا إلى حدوث انقسامات بين أعضاء الفريق، أو تجبرهم على إجراء تحالفات أو موائمات مع أشخاص آخرين قد يكون بينهم من كان خصمًا بالأمس.

ساهم التبدُل الدائم في مواقف الشخصيات في تجديد دماء السلسلة، ودفع أحداثها بعيدًا عن الملل ومضاعفة جرعة الإثارة التي تتضمنها، وقد بلغ ذلك الأمر ذروته بالجزء الثامن The Fate of the Furious الذي شهد الانقسام الأكبر بين فريق الأبطال بعد انقلاب القائد دومينيك توريتو على باقية الأعضاء!

إبراز الجانب النفسي للشخصيات

صور أفلام السرعة والغضب

أحد أسرار نجاح سلسلة أفلام The Fast and the Furious هو تعلق المشاهد بالشخصيات البارزة وتعلقه بهم، وبالتأكيد تلك الحالة لم تنتج عن القصة المثيرة أو مشاهد الإبهار المُنفذة بحرفية شديدة، بل تعد نتيجةً مباشرةً لاهتمام هذه السلسلة بالتركيز على الجانب الإنساني للأبطال على خلاف أغلب سلاسل أفلام الحركة الأخرى التي ينصب كامل تركيزها على الحدث.

 تضمنت مجموعة أفلام The Fast and the Furious العديد من قصص الحب الرومانسية التي جمعت بين الأبطال، أبرزها قصة براين أوكونور مع مايا توريتو، وعلاقة دومينيك توريتو بزوجته ليتي، بالإضافة إلى جيسلي والشاب الآسيوي هان. بخلاف الجانب الرومانسي اهتم الفيلم بالتركيز على مفهوم الصداقة ورابطة الأخوة، وغير ذلك من العلاقات الإنسانية التي زادت من درجة الترابط بين المشاهد والشخصيات.

لعل أهم ما يُميز الخطوط الدرامية بالسلسلة هو أنّها لم تأتِ مُقحمةً أو دخيلةً عليها، بل كان يتم تضفيرها ببراعة مع خطوط الصراع المحورية، بل إنّ تلك العلاقات في أحيان كثيرة كانت هي المُحرك الرئيسي للأحداث، ودافعها للأمام ومحور أغلب الأفلام، تجلى ذلك بوضوح بالجزء الرابع Fast & Furious الذي قامت حبكته على الثأر لمقتل ليتي، وكذلك بخاتمة الجزء السابع Furious 7 المُفعمة بالمشاعر التي لم يكن مُخططًا لها، وأُعِدت خصيصًا لتكريم الراحل باول ووكر، ورغم ذلك جاءت مُتسقةً تمامًا مع طبيعة السلسلة، وكأنّها جزء أصيل منها.

الخصوم جزء أصيل من بناء العمل

صور شخصيات Fast and Furious

تركز أغلب الأفلام بشكل مُفرط على شخصية البطل بينما تُهمش الخصوم، وتنظر لهم باعتبارهم عنصر إضافي ومجرد استيفاء للهيكل الدرامي واستكمال دائرة الصراع، لكن الحقيقة على النقيض تمامًا، ويمكن القول بأنّ الاهتمام بالخصوم كان أحد العوامل الرئيسية التي زادت من قيمة ثلاثية The Dark Knight، وجعلت منها إحدى أفضل سلاسل أفلام الأبطال الخارقين، في حين كان تهميشهم سببًا رئيسيًا في تدني المستوى الفني لفيلمي The Amazing Spider-Man.

تعد سلسلة أفلام The Fast and the Furious من أكثر الأفلام التي فطنت إلى أهمية الخصم، ودوره في حفظ توازن العمل السينمائي بصفة عامة، والعمل القائم على التشويق بشكل خاص، ولذلك كان للخصوم حضور طاغي وتأثيرهم في مسار الأحداث لم يكن أقل من تأثير الأبطال أنفسهم، كما اهتم السيناريو بإضفاء بعض العمق عليهم عن طريق توضيح خلفيتهم، وإبراز الدوافع التي تحركهم والأهداف التي يسعون إليها، ولعل ذلك كان السبب في إسناد أدوار الخصوم لعدد من الأسماء البارزة في هوليوود آخرهم – الحائزة على الأوسكار – تشارلز ثيرون.

صورة فيلم The Fast and the Furious

نجحت سلسلة أفلام The Fast and the Furious في اجتياز كافة العقبات والتحديات التي واجهتها، وبرع صُنّاعها في تحقيق التوازن ما بين التطوير الدائم والمستمر في بناء الحبكة وأساليب التنفيذ، وبين الحفاظ على روح السلسلة وطابعها الخاص، ويُمكن القول بكل ثقة بأنّ تلك السلسلة – رغم وصولها إلى الجزء الثامن – تمتلك من الخصائص والمقومات ما يؤهلها للاستمرار، ومواصلة إبهار المشاهد وتحقيق النجاح من خلال أجزاء جديدة.

0

شاركنا رأيك حول "لماذا نجحت سلسلة أفلام The Fast and the Furious في تحدي الاستمرارية؟"

أضف تعليقًا