فيلم «I Kill Giants»: أحيانًا تكون الفانتازيا المبهرة انعكاسًا لواقعٍ مؤلم

مراجعة فيلم I Kill Giants
0
تقييم الفيلم

هناك أفلام عندما تنتهي منها تتركك بابتسامة تشق وجهك، دمعة تدفئ وجنتيك، أو مزيجًا بين هذا وذاك. لكن الفيلم الذي سنتحدث عنه اليوم سيترككم دون شك بسيل لا يتوقف من الدموع الساخنة بسخونة الآلام التي نتجت عنها، سواءٌ كانت آلام بطلة الأحداث، أو آلامكم أنتم. بجانب كل ذلك تتجلى قصة ذات أسلوب سرد قصصي جميل، إخراج ممتع، وفانتازيا نادرًا ما يتطرق إليها كُتّاب السيناريو بهذا الشكل المخملي، الطفولي المحبب إلى الجميع. إذا كنت من محبي الفيلم الفانتازي الأيقوني Bridge to Terabithia في 2007، فهذا الفيلم مُرادك دون شك بعد عشر سنوات كاملة في 2017!

والجدير بالذكر أنّ الفيلم مأخوذ عن قصّة مصورة (كوميكس أمريكية) تحمل نفس الاسم، وتم نشرها من 2008 إلى 2009 في سبعة أعداد متتالية، وحصلت على العديد من الجوائز، وتم ترشيحها لتكون ضمن الكوميكس القليلة التي تصلح لتكون ركيزةً في مشروع التعليم الممتع لدى الكثيرين، سواءً بشكل رسمي أو غير رسمي.

القصة

باربرا - فيلم I Kill Giants

«باربرا» هي فتاة صغيرة بالإعدادية، لا تستطيع تكوين الصداقات بسبب عزل نفسها عن الجميع، لكنها شُجاعة إلى أقصى حد وتتصدى للمتنمرين على الدوام. ولِمَ لا، وتلك الشجاعة نابعة من محاربتها للعمالقة والجبّارين كل شهر مرة على الأقل لحماية تلك المدينة وأهلها الأغبياء منهم. الجميع لا يعلمون ما تفعله من أجلهم، ويسخرون منها على الدوام، مُعتقدين أنّها مجرد خيالات وأوهام بداخل رأسها، لكنها بالنسبة لباربرا واقع مُتجسّد لا شك في حقيقته. بالنسبة لها، قتل العمالقة هي مهمة مقدسة وهي الوحيدة في العالم القادرة على تأديتها على أكمل وجه بالرغم من صغر سنّها وحجمها، وبين هذا وذاك تتعرف بالمصادفة على فتاة إنجليزية جديدة تُدعى «صوفيا»، وتُحاول الأخيرة إنشاء رابطة صداقة معها بالتدريج. الآن صوفيا دخلت إلى عالمها العجيب بإرادتها، الآن على صوفيا أن تتحمل العواقب!

انطباع عن القصة

باربرا وأمها - I Kill Giants

عندما نأتي إلى تحليل القصة بعض الشيء، سنجد أنّه دونًا عن سائر العناصر الفنية الصانعة للفيلم ذاته، الميثولوجيا هي عامل الجذب الرئيسي في الأحداث، ففكرة الأحداث مبنية على العديد من الميثولوجيات والأساطير المختلطة ببعضها البعض، فنجد اقتباسات صريحة من الميثولوجيا الإغريقية، النورسية، الصينية، إلخ … تلك الميثولوجيا لعبت دورًا هائلًا في جذب المُشاهد لمعرفة ماهيتها من جهة، ومراقبة تأثيرها على بطلة الأحداث من جهة أخرى، وتلك بالتأكيد نقطة تُحسب للفيلم.

و يجب أن نذكر الإسقاطات دون شك، فهناك العشرات منها مختبئة بين طيات الأحداث. بدايتها كانت إسقاطات الميثولوجيا على الواقع، ثم تصاعدت لتشمل إسقاط أفعال باربرا داخل الحرم المدرسي، والتي هي مماثلة لحال العديد من الشباب اليافعين بالمدارس الواقعية، وفي النهاية نجد الإسقاط المزجي الأفضل والصادم بشدة، فلم يكتفِ الكاتب بذكر الأساطير فحسب، بل مزجها بالواقع الأليم التي تعيشه بطلة الأحداث (والذي أظهره متأخرًا في أحداث الفيلم)، وذلك المزج أسفر عن لحظات تجلس فيها مشدوهًا ولا تستطيع النطق. أنت من البداية تعلم أنّ هناك شيئًا خاطئًا، لكن لم تعتقد أنّ كل ذلك سببه شيء مؤلم ومُدمر للنفس كهذا، خصوصًا إذا كانت نَفس طفلة بريئة لم تتعلّم قساوة الحياة بعد.

الشيء الأخير المميز من وجهة نظري هو أنّ بطلة الأحداث ذاتها طفلة. ذلك، يجذب الانتباه ويجعل المُشاهد ينظر إلى ردود الأفعال بمزيج من الترقب والاستغراب، فالأطفال دائمًا مادة خصبة لدراسة النفس البشرية، فهم في بعض الأحيان عفويّون، متصنّعون، ومتأرجحون بين هذا وذاك، ودون شك كل فعل يقومون به سوف يؤثر في بناء شخصيتهم بشكلٍ أو بأخر، وهذا ما ظهر بشدة في مساق الأحداث، وهذا ما جعل الفيلم مميزًا إلى أقصى حد. يقولون أنّ الأعمال الفنية ما هي إلّا حالات شعورية، وطالما تحققت تلك الحالات المؤثرة على نفس، فتلك الأعمال جديرة بالاحترام حقًا، وهذا الفيلم جدير بالاحترام حقًا.

الشخصيات

باربرا وصوفيا - I Kill Giants

الشخصيات ليست بالكثيرة جدًا أو القليلة جدًا، فتوفر لدينا هنا العدد المناسب من الشخصيات. من وجهة نظري لم يتم تسليط الضوء على البطلة فحسب، بل كان توزيع الأدوار متناسقًا بين جميع الشخصيات، وهذه نقطة جيدة، فجعل البطل الشخصية الوحيدة في الصورة يُهمّش سائر الشخصيات دائمًا. أرى أنّ أفضل الشخصيات هي المعلمة «مولي»، فهي الشخصية الوحيدة التي تريد مساعدة الكل دون أدنى مقابل يُذكر، فقط النزعة نحو تقويم السلوك وخلق البشر بسواء هي محركها الأول والأخير. المعلمة مولي هي التجسيد الحقيقي للمُربي الفاضل، والصورة الإنسانية العُليا التي يجب علينا جميعًا أن نكون عليها.

التمثيل

كارين - I Kill Giants

في هذا الفيلم يجب ألّا ننتظر الكثير فيما يختص بالكفاءة التمثيلية أمام الكاميرا، ففي النهاية الفيلم فانتازي وطاقم عمله الرئيسي من الأطفال والمراهقين، مما لا يسمح بوجود مساحة كافية لإظهار الكفاءة التمثيلية الرصينة المطلوبة. لكن من الجهة الأخرى نجد أنّ هناك بعض المشاهد التي نشهد فيها رصانةً وكفاءةً عاليةً جدًا في التمثيل، مثل مشهد احتضان باربرا لأمها في آخر جزء بالفيلم، ومثل الحديث ذو الطرف الواحد بين بابرا وأختها «كارين». أرى أنّ أفضل أداء تمثيلي كان من نصيب إيموجين بوتس في دور كارين، تليها ماديسون وولفي في دور باربرا، وأخيرًا زوي سالدانا في دور المعلمة مولي.

الإخراج

فيلم I Kill Giants

الفيلم من إخراج أندريس وولتر – Anders Walter، وهو عاشق للكادرات الواسعة بالتأكيد، ففي بداية الفيلم افتتح المخرج الشاشة بمشهد واسع للغابة، ثم توالت الكثير من المشاهد بالأحداث تتضمن تصوير مظاهر طبيعية في كادرات واسعة جدًا، وتلك المشاهد الفسيحة تُعتبر شيئًا لا يستطيع أي مُشاهد رفضه أو الاعتراض عليه، فرؤيتها وحدها تجعلك لا شعوريًّا ترتاح نفسيًّا، مما يجعلك في توافق وتناغم مع أحداث الفيلم التي تدور غير متسارعة بعض الشيء، وكانت جودة إخراج باقي المشاهد تتراوح بين المتوسطة والجيدة.

الموسيقى

في هذا الفيلم تم استيعاض الموسيقى بالأغاني الرقيقة التي كانت مناسبةً للأحداث بشدة. هذا لا يعني أنّ الموسيقى التصويرية غير متواجدة، بل بالعكس كانت. لكن وجود الأغاني من جهة وتعاقب الأحداث من أخرى لم يجعلاني ألاحظ بشكلٍ كافٍ تلك الموسيقى، من وجهة نظري أفضل أغاني الفيلم كانت أغنية Glimpse of a Time التي تجدونها في الفيديو بالأسفل.

رأي شخصي

رحلة نفسية وفانتازية لم نُعاصرها منذ فيلم Bridge to Terabithia في 2007، عمل فني على درجة كبيرة من رصانة التنفيذ ودقة السرد وبراعة الإخراج، فيلم يستحق المشاهدة دون شك، خصوصًا مع العائلة.

0

شاركنا رأيك حول "فيلم «I Kill Giants»: أحيانًا تكون الفانتازيا المبهرة انعكاسًا لواقعٍ مؤلم"