محمد: فاتح العالم … افتتاحية تليق بمسلسل تاريخي

مسلسل محمد الفاتح
2

نجاح كبير حققه المسلسل التركي “قيامة أرطُغرُل Diriliş: Ertuğrul “، الذي أطلقت شبكة TRT التركية أولى حلقاته في ديسمبر 2014، ومستمر عرضه حتى الآن بمجموع حلقات تجاوز المائة، لتناوله سيرة الأمير الغازي أرطُغرُل، والد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية، وزعيم قبيلة “قايى” التي ينحدر من نسلها الترك، فجعل الباب مفتوحًا أمام صُنّاع الدراما التركية لتقديم المزيد من الأعمال التاريخية التي تتناول السير الذاتية لآباء الدولة التركية ومؤسسيها، خاصةً وأنّها أعمال مكتوب لها النجاح قبل عرضها، رغم ما تُحدثه من جدل وانقسام في الشارع التركي المُختلفَة أيديولوجياته بين العلمانية والإسلامية، وما تقع فيه تلك الأعمال مع أزمة ما هو تاريخي وما هو درامي.

فنجد شبكة Kanal D التركية بدأت في إذاعة حلقات المسلسل التاريخي “محمد: فاتح العالم Mehmed: Bir Cihan Fatihi“، الذي سبق عرضه بدعاية إعلامية كبيرة، جعلت مُحبي الأعمال التركية في الوطن العربي يُبدون حماسةً شديدةً تجاه المسلسل، فيحقق نسب مشاهدة عالية مع بداية عرض الحلقات الأولى منه، رغم مُنافسة مسلسل “قيامة أرطُغرُل” له.

يتناول المسلسل سيرة حياة السلطان محمد الثاني فاتح القسطنطينية، المعروف تاريخيًا بـ “محمد الفاتح”، وهو من بطولة الممثل “كنان إميرزالي أوغلو”، الذي اشتهر في الوطن العربي لأدائِه شخصية “إيزل” في المسلسل الذي حمل نفس الاسم، ومن إخراج جودت مرجان.

سيرة سابقة للفاتح ومآخذ تاريخية

مسلسل محمد الفاتح

لم تكن تجربة مسلسل “محمد: فاتح العالم” هي الأولى من نوعها في تناول صُنّاع الأعمال الفنية التركية لسيرة السلطان محمد الفاتح، فقد سبقها تجربة أخرى ظهرت عام 2012 في صورة عمل سينمائي بعنوان “فتح 1453” سُميت النسخة العربية منه باسم “السلطان الفاتح”، وحقق نجاحًا كبيرًا على الصعيد التركي والعربي؛ بسبب الأجواء الملحمية للفيلم، وضخامة إنتاجه والإبهار البصري في تصميم المعارك، حتى أنّ الفيلم قد حصل على توزيع محدود بدور العرض المصرية وقتها، قبل عرضه على القنوات الفضائية العربية.

ورغم أنّ فيلم “السلطان الفاتح” يُعد نقلةً في صناعة السينما التركية، التي كانت تعاني قبله أزمة في النصوص، والبحث عن التمويل المادي للأفلام بعد عزوف المنتجين عن الاستثمار في مجال السينما واتجاه أغلبهم للدراما التلفزيونية، فقد تعرض الفيلم لعدة انتقادات بسبب الأخطاء الفنية والتاريخية التي وقع بها، وكان أبرزها انشغال المُشاهد عن القصة الرئيسية التي تدور حول استعدادات محمد الفاتح لمعركة القسطنطينية، بقصة فرعية بطلها أحد الجنود الإنكشارية بجيش الفاتح يدعى “ألوباتلي حسن”، وعلاقة الحب التي جمعت بينه وبين ابنة مهندس مجري دخل في خدمة الدولة العثمانية.

وهي القصة التي كانت سببًا في بداية موجة الانتقادات التي تعرض لها الفيلم، فاتهم بمحاولته تقليد أفلام هوليوود دون مراعاة للمشاهد التركي صاحب الخلفية الإسلامية، الذي قد يرى في علاقة حب نتج عنها حمل خارج إطار الزواج أمرًا مرفوضًا دينيًا، خاصةً أنّ الفيلم يقدم الدعاية لفترة هامة من تاريخ الإسلام.

مشكلة أخري وقع فيها الفيلم، وهي شخصية ألوباتلي حسن التي خطفت الأضواء من شخصية الفاتح، التي لم يتمتع بطلها “ديفريم إيفن” بالكاريزما الكافية التي تؤهله لأداء الدور. رغم قدراته التمثيلية، أيضًا مساحة الدور التي أعطت شخصية ألوباتلي حسن فرصة إظهار بطولاته في ساحة المعركة، ليكتفي الفاتح بسببها دخول القسطنطينية منتصرًا.

هناك أيضًا تجربة مسلسل “الفاتح Fatih” الذي عرضته قناة Kanal D نفسها عام 2013، وتوقف عرضه بعد الحلقة الخامسة، حيث لم يحقق نجاحًا يُذكر في تركيا، ولم يصمد أمام مُنافسه “حريم السلطان” في جزئه الرابع، والذي تزامن عرضه مع عرض مسلسل “الفاتح”.

كل هذا جعل فكرة تقديم أعمال سينمائية وتلفزيونية تتناول سيرة السلطان محمد الفاتح، متاحةً في نظر القائمين على صُنّاع الفن بتركيا، طالما بقي هناك مساحة للتجريب، لتقديم ما هو أفضل.

نظرة على الحلقات الأولى من مسلسل “محمد: فاتح العالم”

يظهر مع نزول تترات البداية محمد طفلًا صغيرًا يتأمل سيوف ودروع أجداده، وهو يُعرّف بنفسه وكذلك حلمه الذي لازمه منذ صغره بفتح القسطنطينية، ليُلقي بك المسلسل بعد تلك الافتتاحية في ساحة أحد المعارك، لتتعرف على محمد مقاتلًا شجاعًا في جيش والده السلطان مراد الثاني.

تتعرض الحلقة الأولى من المسلسل لأزمة محمد، التي تكون أساس الصراع الذي ينشأ في الحلقات التالية، وهي رغبته في فتح القسطنطينية التي تواجه بالرفض من رجال الدولة وكذلك والده، الذي يرى محاولة السعي في سبيل تحقيق ذلك قد تهدد بزعزعة استقرار الدولة وربما سقوطها، حتى أنّه يوصي وزيره “خليل الجندرلي” وهو على فراش الموت، أن يقف في وجه ولده محمد بعد توليه الحكم، إذا أراد أن يدفع بالدولة لحرب القسطنطينية.

يرصد المسلسل في الحلقة الأولى أيضًا، المكائد التي تعرض لها محمد من قبل معارضيه، وهو في طريقه إلى “آدرنه” عاصمة الدولة العثمانية؛ لاستلام عرش أبيه، وتناولت الحلقة دوافع هؤلاء المعارضين، فيظهر “خليل الجندرلي” الوزير الأعظم رجلًا وطنيًا مخلصًا للدولة العثمانية، لكنه يرى في محمد رجلًا أهوجًا، ويشعر بالرعب من سياسة التغيير التي يحملها إلى الدولة، حتى أنّه يستعين بالجيش الإنكشاري لمنعه من دخول المدينة. كذلك، الأمر مع القسطنطينية، التي تخشى هي الأخرى من سياسة محمد على معاهدات السلام التي أبرمتها مع الدولة العثمانية، فتحاول تولية ابن عمة “أورهان” بدلًا منه، بمساعدة وزير خائن في الحكومة العثمانية، وهو “إسحاق باشا”.

على عكس الأعمال الدرامية التي تستعرض السير الذاتية لأصحابها وتقوم بسرد الأحداث بطريقة تصاعدية على الشاشة، يبدأ مسلسل “محمد: فاتح العالم” أحداثه في عام 1451 – عامين قبل فتح القسطنطينية – من نقطة عالية يأخذ بعدها في الهبوط تدريجيًا، ليسمح للمشاهد بالتقاط أنفاسه والتعرف على سيرة الفاتح، الذي أفرد له في الحلقة الأولى مجموعةً من مشاهد الفلاش باك التي تناولت حياته السابقة، عمل المسلسل على سردها بشكل أعمق في الحلقات التالية.

وكما تناول المسلسل في حلقته الأولى شخصية محمد المُحارب المُعتد بحلمه، فإنّه قد تعرض له في الحلقة الثانية كشخصية لها عقلية استراتيجية، يحاول من خلالها كسب معارضيه والتحايل عليهم، تمهيدًا لوضعه في مواجهة مباشرة مع أعدائِه بالقسطنطينية في الحلقة الثالثة.

الدين والدول التركية في مسلسل فاتح العالم

مسلسل محمد الفاتح

في الوقت الذي رفضت فيه الحكومات التركية المتعاقبة بأيديولوجياتها المختلفة الاعتراف بالمذابح التي ارتكبتها الدولة العثمانية في حق مسيحي الآرمن، يُسلط المسلسل الضوء على علاقة محمد الفاتح برعايا الدولة العثمانية من المسيحيين الأرثوذكس، حيث يُبدي الفاتح تضامنه مع قضية أهل القسطنطينية في تمسكهم بمذهب كنيستهم أمام مساعي الإمبراطور البيزنطي “قسطنطينوس” لاتحاد كنيسته مع الفاتيكان لمواجهة الخطر العثماني، رغم أنّ ذلك التضامن قد يهدد بالقضاء على حلمه بفتح القسطنطينية.

وبعكس ما قدمه مسلسل “حريم السلطان” حول دخول جارية سليمان القانوني في الإسلام إرضاءً له، يُقدم مسلسل “محمد: فاتح العالم” صورةً مغايرةً عن نساء السلطان الراحل مراد الثاني من أهل البلاد المفتوحة، فيظهرن المسلسل وقد بقين على ديانتهن المسيحية الأرثوذكسية، في إشارة إلى عدم إجبارهن على الإسلام.

عمل المسلسل على إظهار الدولة العثمانية الإسلامية في تلك الحقبة التاريخية كدولة علم تأخذ بالأسباب وتؤمن بإعمال العقل، وهي فلسفة استعرضها محمد الفاتح في حواره مع مُساعده “ديليباش”، حين أظهر له حساباته لظاهرة خسوف القمر، وظن الأخير أنّها معجزة. كذلك، أوضح المسلسل التقدم العلمي للحضارة الإسلامية من خلال خرائط محمد الفاتح ورسوماته الهندسية لمدينة القسطنطينية، وعلى الجانب الآخر أظهر المسلسل الدولة البيزنطية منافسةً للعثمانية في الحضارة والعلم، فقدم ذلك من خلال شخصية “إليني” التي ظهرت ندًا للفاتح.

مشكلة تقع فيها معظم الأعمال الفنية التركية، التي تدور أحداثها في فترات تاريخية مختلفة للدولة العثمانية، حيث يتم إسقاط بعض التفاصيل المميزة لملابس وأزياء الفترة، كما حدث في مسلسل “طائر النمنمة Çalıkuşu” الذي تغافل عن ارتداء الرجال به للطربوش والنساء لليشمك، رغم أنّ أحداثه تدور في بداية القرن العشرين. الأمر يتكرر مع مسلسل “محمد: فاتح العالم” الذي أهمل تفصيله ارتداء النساء به لغطاء الرأس (الحجاب) خارج المنزل.

تعرض المسلسل لمسألة تحويل كنيسة “آيا صوفيا” إلى مسجد على يد محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية، فيصفها محمد في أحد مشاهد المسلسل بأعظم المعابد، ويعلن رغبته أن يمنحها للإسلام كهدية إذا دخل المدينة، وهي مسألة توقف عندها الباحثين في كتاباتهم التي تناولت سيرة الفاتح، قد يقوم المسلسل بتوضيحها وتناولها بشكل أعمق في الحلقات القادمة.

قدم المسلسل صورةً عن تأثر الإسلام في تركيا بالنزعة الصوفية، من خلال شخصية العالم “آق شمس الدين”، الذي لعب دور الأب الروحي لمحمد الفاتح، فيظهر في أحد المشاهد العالِم “شمس الدين”، وهو يصطحب محمد في جولة أثناء نومه داخل مدينة القسطنطينية، ويمنحه في نهاية الحلم تفاحةً، ليستيقظ بعدها محمد ويجد التفاحة إلى جواره.

مسلسل محمد الفاتح

وتظل أفضل الأشياء المُتعلقة بمسلسل “محمد: فاتح العالم” هي الموسيقي التصويرية لـ”أتاكين أطاش“، الذي لفت أنظار صُنّاع المسلسل له، بعد مشاركته من قبل في وضع الموسيقى التصويرية لمسلسل “حريم السلطان” مع “فاهير آتاك أوغلو” و “سونير أكالين”، وحقق من خلالها نجاحًا كبيرًا، حيث يعمل “أطاش” في موسيقاه على تقديم ألحان شرقية يتخللها الكثير من الآلات الغربية، وهي تركيبة تُضفي على العمل مزيدًا من الحيوية.

المسلسل يُعرض بشكل أسبوعي على قناة Kanal D التركية أيام الثلاثاء، وتتجاوز مدة الحلقة الـ 120 دقيقة، ويمكن لجمهور المسلسلات التركية في الوطن العربي متابعة حلقات المسلسل على مواقع الإنترنت يوم الأربعاء بعد صدور الترجمة.

2

شاركنا رأيك حول "محمد: فاتح العالم … افتتاحية تليق بمسلسل تاريخي"

  1. Abo Fouad

    مسلسل بدايته مدهشة وتتحدث عن فترة عظيمة في التاريخ الاسلامي وصاحبة أثر على مستوى التاريخ العالمي؛ الممثل المؤدي لدور الفاتح صاحب كاريزما جعل شخصيته تليق بالدور؛ مسلسل رائع على مستوى حلقاته حتى الآن وعلى أي مشاهد عربي مشاهدته لمعرفة تاريخ تلك الفترة بعيداً عن مزايدات ومهاترات السياسة؛ يكفي أن هذا الفاتح العظيم وجيشه شرفاً أنهما قد حققا نبوءة النبي (ص) في فتح القسطنطينية

  2. Moaead Barhom

    احتلونا قرابة ال 400 سنة….. وتجد البعض يقول انه فتح
    لعن الله هذا الفتح وهذه السلالة من مؤوسسها الى اخر حفيد له.
    ارتكبوا اشنع المجازر بأهل سوريا (وخاصة الطائفة العلوية يُقال قُرابة ال 40 ألف في مجزرة التلل) بحجة انهم يطبقون الشرع.
    فهل قام المسلسل بتصوير وحشية هذه العائلة؟ ام انهم اكفتوا بتلميع التاريخ العثماني

أضف تعليقًا