هل كان مفجرًا للمواهب أم مستغلًا للمضطهدين؟ الوجه الحقيقي لبطل The Greatest Showman

حقيقة بطل The Greatest Showman
0

تعشق هوليوود قصص النجاح اللامعة، خاصةً عندما تكون قصة نجاح تحتفي بكل قيم الحلم الأمريكي، لكن ماذا لو لم تكن تلك القصة لامعةً بما يكفي، أو شريفةً بما يكفي؟
هنا تظهر علامة هوليوود المسجلة، وهي تجريد القصة من كل ما يشوبها من مساوِئ، وإضافة بعض الشخصيات والأحداث الخيالية، وتطويعها لخدمة بطل القصة الذي لا غبار على ما يفعله!

لاقى فيلم هيو جاكمان وميشيل ويليامز The Greatest Showman نجاحًا جماهيريًا، ولكن على مستوى النقاد لم يتفق عليه الجميع؛ نظرًا للسطحية التي تم تناول القصة الحقيقية بها، وإغفال الكثير من الأحداث المهمة التي ربما كانت ستظهر البطل بصورة بعيدة عن البهجة، أو المثالية المفرطة.
قصة فينياس بارنم الحقيقية بها الكثير من التفاصيل والتعقيدات والاتهامات التي كانت ستحول مسار الفيلم الحالم تمامًا، يتحدث التقرير عن بعضها مثل: تشريحه لجثة على المسرح مباشرةً ودعوة الجمهور لمشاهدتها، ومزايدته على التذاكر كي تزيد أرباحه، واستغلاله لأصحاب العيوب والعاهات لتحقيق مكاسب طائلة من ورائهم وغيرها.

ولد بارنم 5 يوليو عام 1810 في ولاية كونيتيكت، نشأ في أسرة متواضعة الحال لم يكن لديهم مال وفير. اضطر برنام للعمل من صغره، وتنقل بين عدة أعمال وحاول إنشاء تجارته الخاصة، حتى أنّه أنشَأ جريدةً أسبوعيةً، وعلى إثر ما نشر فيها تقدمت فيه شكاوى تسببت في سجنه. تزوج بارنم من تشاريتي هاليت عام 1829، وأنجبت أربع فتيات. عام 1935 بدأ بارنم عمله كمروج عروض.

الخداع طريق الشهرة!

إعلان عن سيرك بارنم فيلم The Greatest Showman
إعلان عن سيرك بارنم وفيله الأفريقي

يخبرنا الفيلم أنّ سيرك بارنم هو احتفال بالإنسانية، وأنّه وفّر فرصة عمل وعائلة لمن نبذهم المجتمع؛ بسبب اختلافاتهم الجسدية، وبالرغم من إهماله لهم بعض الوقت والشعور بالخزي من تواجدهم وسط الطبقات العليا من المجتمع، إلّا أنّهم ساعدوه في محنته عندما خسر كل شيء، وهذا تبعًا لما جاء في الفيلم.
ما لم يحكيه الفيلم هو الجزء المشين من تاريخ بارنم فيما يخص هؤلاء الذين سخرهم واستغلهم في سبيل المكسب والشهرة. بدأ بارنم هوسه بالغرائب بكذبة وفعل مشين، حيث أجّرَ امرأةً سوداء عجوز كعبدة، وادعى أنّ عمرها تجاوز 150 عام وأنّها كانت من مربيات الرئيس جورج واشنطن. تجول بها بارنم وبدأ يغير قصتها من مكان لمكان حتى يثير فضول الجماهير، لدرجة ادعاءه ذات مرة أنّها ليست بشر بل إنسان آلي.

لم يكتفِ بارنم بذلك، بل أقام عرضًا حيًا لتشريح جثة المرأة بعد وفاتها بمقابل مادي لحضور التشريح، وكشف وقتها أنّ عمرها الحقيقي لم يتجاوز نصف ما ادعاه سابقًا.

لاحظ بارنم خلال تجوله حب الجماهير للعجائب وكل ما هو غريب عن ما ألفوه، فبنى عمله وشهرته على هذه الفكرة. اشترى متحفًا وامتلأ بكل ما هو غريب، حقيقي كان أم مزيف لا يهم، الأهم هو النجاح. حوى المتحف الحيوانات الحية والمحنطة، من بين هذه الحيوانات كانت مجموعة أفيال، وادعى أنّ من بينهم الفيل الأضخم في العالم جامبو وهو لم يكن كذلك، وقتها أشاع بارنم أنّها لا تشعر بالألم بسبب جلدها السميك، وكان هذا هو المبرر للمعاملة الوحشية لتدريبها، باستخدام قضبان حديدية ساخنة، وغير ذلك من الإساءة في معاملة باقي الحيوانات، وحشدهم في أماكن لا تلائم احتياجاتهم.

فرصة عمل أم استغلال؟

بارنم وتوم ثامب فيلم The Greatest Showman
بارنم وتوم ثامب

لم يكن كل ما فعله بارنم سيّئ بالطبع، لكن الفظائع التي ارتكبها لا يمكن إغفالها. من بين شخصيات عروض بارنم الشهيرة الجنرال توم ثامب كما أسماه، وهو رجل قزم يدعى تشارلز ستراتون، ويقال أنّه كان قريب بارنم، وأنّه لم يكن إلا طفل أخذه بارنم وعلّمه كل الحيل والأكروبات.

حقق توم ثامب خلال سنوات التجوال الكثير من المال، وافترقا لكنه كان مخلصًا لبارنم، وعندما احترق المتحف وخسر بارنم أمواله عاد إليه تشارلز وساعده بالمال. التوأم الملتصق شينج وإينج كانا من السعداء بالعمل مع بارنم وحققا مكاسب مادية.

إعلان عن رأس الدبوس والرجل الكلب كما أسماهم بارنم فيلم The Greatest Showman
إعلان عن رأس الدبوس، والرجل الكلب كما أسماهم بارنم

“ما هذا؟ أهو رجل قرد!” كان هذا هو الشعار الذي أطلقه بارنم على ويليام جونسون أفريقي أميركي مصاب بالميكروسيفالي، الذي يتسبب بصغر حجم رأس المريض، وضعه بارنم في قفص بين القرود، وألبسه فروًا وجعله يصرخ ويهز قضبان القفص كما تفعل القردة، وفي مرات أخرى قدمه تحت اسم رأس الدبوس.

بارنم الذي عاش طفولته في فقر شديد كان هدفه الشهرة وجمع المال والمكانة المرموقة بين الطبقات الراقية، وهذا ليس هدفًا سيّئًا بالطبع، لكن وسيلته لتحقيق هذا لم تكن دائمًا شريفةً، وبالتأكيد لم تكن ورديةً كما أظهرها الفيلم.

قصة حب زائفة

The Greatest Showman جيني ليند، يمين الصورة واليسار ريبيكا فيرجسون التي قامت بدورها
جيني ليند يمين الصورة، واليسار ريبيكا فيرجسون التي قامت بدورها

مطربة الأوبرا ذات الجمال الأخاذ وقعت في حب بارنم وقبلته على المسرح أمام الجميع، وفارقته حزنًا على رفضه حبها. هكذا اختزل وزيّف الفيلم جزءًا كبيرًا من علاقة جيني ليند مطربة الأوبرا ذات الموهبة الفذة بفينياس بارنم.

التحقت ليند السويدية بعالم الموسيقى منذ طفولتها حتى أصبحت من أشهر مطربات الأوبرا في أوروبا، وكل من سمعها فُتن بصوتها، علاوةً على مساهمتها الدائمة في الأعمال الخيرية، ما أكسبها مكانةً مرموقةً في المجتمع الأوروبي. قررت ليند التقاعد عام  1849 ولم تبلغ الثلاثين بعد، لكن تغير الأمر عندما التقت بارنم.

أثناء وجوده في لندن بمصاحبة فرقته، سمع بارنم عن ليند وشهرتها الواسعة وسمعتها الطيبة، فما كان منه إلّا أن جازف كما يفعل دائمًا، وكانت مجازفته أنّه لم يسمعها تغني مطلقًا، لكن بارنم رجل شهرة وسمعة، وكانت ليند فرصته في كسب مكانة وسط طبقات المجتمع الراقية، بعد الهجوم الشديد الذي يتعرض له دائمًا.

دخل بارنم في مفاوضات مع ليند ليقنعها بالعدول عن التقاعد، ويصحبها إلى أميركا في جولة غنائية موفرًا لها كل ما تطلبه، على أن تؤدي من 100 إلى 150 حفلة يصل أجر الحفل الواحد إلى ألف دولار. توجد قصة أخرى تقول أنّ بارنم أرسل محاميه ليقوم هو بالاتفاق مع ليند، وكان يتواصل معهم بالرسائل ولم يلتقيها إلّا عند وصولها أميركا، لكن كيفما كانت طريقة الاتفاق، فقد وافقت ليند بعد مفاوضات كثيرة، ومنذ الاتفاق وحتى تاريخ وصولها أميركا استغل بارنم كل لحظة ليفعل ما يتميز به، التسويق والدعاية وإثارة فضول الجماهير.

لم تكن جيني معروفةً في أميركا إلّا لأوساط قليلة من محبي الأوبرا ولمن سافروا أوروبا وحظوا بفرصة معرفتها، وقد أتاح بارنم فرصةً حقيقيةً لهم لسماع صوت ملائكي لم يسمعوه من قبل.

نجاح عارم في أميركا

وقت وصول جيني حضر لاستقبالها ما يقرب من ثلاثين ألف شخص التفوا حول الميناء لتحيتها والترحيب بها، وكانت مفاجأةً لها، والفضل يعود لبراعة بارنم في الدعاية.

جرت الأمور بسلاسة ونجح الحفل الأول لجيني نجاحًا مدويًا، وانهال عليها المدح في الصحف، واتسعت شهرتها مع كل ولاية قاموا بزيارتها، واكتسب بارنم سمعةً مغايرةً لما كان من قبل، وصار صاحب مكانة مرموقة في الأوساط الثرية؛ لظهوره بصورة مروّج للفن الحقيقي وليس للخدع التي اعتاد تقديمها.

لكن وبعد تقديمها 93 حفلًا حول أميركا، ومكاسب مالية وفيرة ذهب الجزء الأكبر منها للأعمال الخيرية، قررت ليند تبعًا لأحد بنود العقد إنهاء التعاقد مع بارنم، والأسباب اختلفت من مصدر لآخر، السبب الأول هو أنّ ليند أُرهقت من التجول وأصابها الملل؛ لأنّ طبيعة ليند مالت أكثر للهدوء، ولم تشعر بالراحة وسط الحشود بشكل دائم.

السبب الآخر أنّ بارنم فعل كل ما بوسعه ليكسب المزيد من المال من تعاقده هذا، كأن يقوم بالمزايدة على تذاكر الحفلات حتى قبل وصول ليند إلى أميركا، ورفضه في مرات عديدة اقتراح ليند بتخفيض سعر التذاكر لغير القادرين حتى يتمكنوا من الحضور، جذب الحشود والجماهير لمحاوطتها في كل مكان وهو ما لم يكن يعجبها دائمًا. إذا صح أي من هذه الأسباب يبقى الأمر الأكيد هو تزييف علاقتهم سويًا التي لم تكن إلّا علاقة عمل فقط، والإساءة لسمعة سيدة لم تهتم إلّا بعملها وحبها للخير.

بارنم يتبرأ من إرثه!

بارنم وزوجته تشاريتي
بارنم وزوجته تشاريتي

في أواخر حياته اتجه بارنم للسياسية وألّف عدة كتب، ودافع عن ما فعله من أشياء مشينة بحجة أنّه كان صغير السن ولا يدري تمامًا ما يفعل، لكن سيرك بارنم استمر بالشراكة مع سيرك بايلي حتى وفاته عام 1891، واستمرت معاناة الكثيرين به. ربما أراد بارنم محو كل أثر للأشياء غير الإنسانية التي فعلها، وجاءت هوليوود مدافعةً عنه ممجدةً إرثه الذي بناه على آلام الأضعف منه، لكن التاريخ سجلها.

وفي عام 2017 أُغلق سيرك بارنم الذي صار اسمه Ringling Brothers and Barnum & Bailey  بعد ما يقرب من قرن ونصف من العمل.

0

شاركنا رأيك حول "هل كان مفجرًا للمواهب أم مستغلًا للمضطهدين؟ الوجه الحقيقي لبطل The Greatest Showman"