مراجعة أنمي «The Tatami Galaxy»: رحلة فلسفية بين الواقع الأليم والآمال البرّاقة

أنمي The Tatami Galaxy - واتاشي وأكاشي
3

في العادة ما أسرد مقدمات مراجعاتي بعد مشاهدة العمل مباشرة بمنتهى السلاسة والكلمات تتدفق من أصابعي على لوحة المفاتيح كالمحموم يبحث عن الدواء. لكن اليوم تأخرتُ بعد مشاهدة أنمي The Tatami Galaxy على وجه التحديد. جلست أفكر في كمية الرسائل القابعة خلف أسلوب رسمه، زواياه الإخراجية، ألوانه، شخوصه، أماكن وقوع أحداثه، وغرابته الإجمالية. هذا الأنمي أذهلني بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بداية من السيناريو المكثف بشدة، مرورًا بالغموض الذي يشوب نهاية كل حلقة، وصولًا للنهاية التي دفعتني للنحيب على عكس المتوقع. الآن دعونا نتعرف على هذا الأنمي قليلًا.


القصة

أنمي The Tatami Galaxy - واتاشي وهيوغوتشي

نحن ننتقل في حياتنا من مرحلة لأخرى بالتدريج، باحثين في كل منها عن السعادة الموعودة. لكن في النهاية قد ينصفنا القدر ويقدمها لكن على طبق من ذهب، أو يسحب البساط من أسفل أرجلنا ويصدمنا بالواقع الأليم، تلك الصدمة هي التي تسبب الضغط النفسي، الحزن، والاكتئاب المستمر الذي قد يبدو مجهول السبب. تبدأ الأحداث عندما كان الفتى الجامعي النحيل واتاشي – Watashi يأكل الرامن بعربة يُشاع أنها تصنعه من لحوم القطط. فيظهر بجانبه شخص غريب الأطوار رأسه مثل الباذنجانة ويقول إنه إله الحب والزواج، ويستطيع أن يجمعه بالفتاة التي يريدها، والذي يمنعه عن مصارحتها بحبه هو جبنه الشديد، فإذا أراد أن ينالها يجب أن يزوره في منزله الذي يكون في الطابق الذي يعلوه تمامًا. فإما أن يفعل ذلك ويفوز بها، أو لا يفعل ويخسرها ليأخذها صديقه ذو الوجه القبيح والقادم من الجانب المظلم للقمر، أوزو – Ozu. الآن يذهب الفتى إليه، وتبدأ متاهة الأحداث في التشعّب!


لماذا هذا الأنمي مميز؟

أنمي The Tatami Galaxy - واتاشي

العنصر الأول في تميز هذا الأنمي هو السيناريو المباشر والمكثّف جدًا. ففي بداية الأحداث يطرحك الكاتب أرضًا بكمية مهولة من السطور المتعاقبة والمتسارعة بشكلٍ يدفع عقلك للجنون. لكن مع مرور الأحداث يحطم آمالك في كون الإيقاع متهاديًا بعد ذلك! فالحوار ثابت على سرعته وحرقه لأوصالك العصبية. لكن الغريب بالأمر أنك ستعتاد على الأمر بعد الحلقة الثانية كحد أقصى، وعندما تأتي مشاهد قليلة غير متسارعة تشعر بالضجر وتتمنى الإسراع مجددًا. ذلك التسارع من وجهة نظري هو الجانب الفريد لأسلوب السرد القصصي لهذا الأنمي، فقد برهن أن القصة لا يجب أن تكون ملتوية في كل حلقة أو أن تكون الشخصيات تتقاذف الجمل الحوارية بين بعضها في تتابع ثابت. فقد تمحور الأنمي كله حول نظرة البطل للذي يحدث حوله، وهو السارد المباشر والوحيد بالقصة.

العنصر الثاني هو الرسم! الرسم في بداية الأمر قد تساورك بعض الشكوك حوله وأن الاستوديو قد أتى برسامين هواة ليقلل من نفقة العمل الفني. لكن مهلًا، هذا الأنمي من إنتاج استوديو ماد هاوس الشهير يا قوم. فعلى النقيض تمامًا، أرى أن أسلوب الرسم ركّز على الألوان ودِلالاتها وإسقاطاتها على الحالة النفسية لشخوص العمل. بجانب أن أسلوب الرسم الطيّع هذا خدم قصة العمل نفسه. فبدلًا من التركيز على التفاصيل الدقيقة والتي لا فائدة منها، تبسيط المشهد يجعلك تركز على البطل وما يفعله في حيّزه المكاني. وأيضًا الاستوديو عمد إلى استخدام مشاهد من الحياة الواقعية مع وضع بعض التأثيرات المرئية عليها لتندمج مع إطار الأنمي بشكلٍ لا يفصل المُشاهد عن أسلوب الرسم. كل تلك الاقتباسات الواقعية تخدم الحالة النفسية للبطل، وتخدم الغاية النهائية التي يبتغيها، تلك الغاية التي تجلت بصورة صارخة في النهاية التي سنتحدث عنها في ذيل هذه المراجعة.

العنصر الثالث هو جعل الحالة النفسية للبطل متجسدة على الموجودات من حوله. ففي مشهد تجسيد الإثارة الجنسية العارمة للبطل تم تجسيد الحالة تلك في صورة برّاد يغلي في الخلفية. بجانب إسقاطها على راعي بقر يدور في دوائر بداخله وهو مُهتاج بشدة. كما أن الكاتب هنا جسّد تصارع الضمير مع الغريزة في صورة نقاش محتدم بين أجزاء المخ المسؤولة عن تلك العاطفة المُتأججة.

العنصر الرابع والأخير هو الرسائل الخفية خلف توافه الأمور. فعلى سبيل المثال، تحدث البطل بشكل مستطرد في جزء كبير جدًا من حلقة كاملة عن مدى راحته في كونه يسكن في غرفة ذات أربع حصائر ونصف! في حين أن الذين يعيشون في غرف ذات عدد حصائر أكبر من ذلك يعانون بكل تأكيد. فيمكن أن ينفرد أحد الأركان بنفسه وينعزل عن باقي الغرفة ويعلن التمرد على الساكن. أما المساحة الصغيرة التي يوجد فيها البطل تسعه وهي تحت تصرفه تمامًا، كما أنها باستخدام الخيال تكون كالقصر له. ذلك المشهد الطويل الذي قد لا يكون ذا فائدة، هو في الحقيقة إسقاط واضح على البلدان التي تسعى للحصول على أراضٍ كثيرة لكن لا تستطيع التحكم فيها بالنهاية. في حين أن الدول الصغيرة إذا استخدمت خيالها وحنكتها ستصبح ذات شهرة وسلطة مهولة.


الشخصيات

أنمي The Tatami Galaxy - واتاشي وهيوغوتشي وأوزو وأكاشي

الشخصيات حرفيًّا لم يكن بها أدنى عيب. الشخصيات التي قد تراها ثانوية في بداية الأحداث، يصدمك الكاتب في النهاية بأنها محبوكة كي تكون خيوطًا مترابطة لتصنع حبل النجاة لك من جحيمك الذي وضعت نفسك فيه.

وعلى عكس جميع الأعمال الفنية، فيجب على الشخصيات أن يكون لها ماضٍ خاص بها. شخصيات هذا العمل ماضيها وحاضرها ومستقبلها يتقابلون جميعًا على خط زمني واحد يتنقّل فيه البطل من منطقة لأخرى، كل حلقة بحثًا عن الحياة الجامعية الواعدة. حقًا أسلوب فريد في جعل المشاهد يتعلق بالشخصيات دون أن يشعر. أفضل شخصية أعجبتني هي شخصية المعلم سايتورو هيغوتشي – Seitarou Higuchi. والتي من وجهة نظري تمثل الكاتب ومراقبته للبطل كابن له في هذا العمل.


الرسم والتحريك

أنمي The Tatami Galaxy - واتاشي يصرخ

الأنمي من إنتاج استوديو Mad House الشهير في عام 2010. أسلوب الرسم السيريالي والغريب كان مناسبًا جدًا للفكرة المطمسة المعالم حتى منتصف الأنمي، ومناسب أكثر للنهاية الرائعة التي سنتحدث عنها بعد قليل. وبالطبع التحريك لا يجب أن أنتقده في شيء لأن أسلوب الرسم هذا، بطبيعة الحال، يتطلب أشكالًا مختلفة وفريدة من التحريك.


النهاية: انطباع خاص

أنمي The Tatami Galaxy - واتاشي يركض

– يوجد حرق شديد هنا!-

النهاية حقًا جعلتني أبكي بشدة قبل أن أضحك من كل قلبي في تضاد عجيب. ففي النهاية اكتشف البطل أنه حاول عيش الحياة الجامعية الواعدة بكل طريقة ممكنة لكن في النهاية يفشل، لأن الفرصة كانت تتأرجح أمامه كل هذا الوقت ولم يأخذ بها، تمامًا كما حاولت العجوز نصحه طوال الأنمي. وفي الجزء الأخير من الحلقة الأخيرة عندما كسر البطل الحاجز الأخير الذي يفصل بين عالمه المنطوي والعالم الخارجي، ذهب بعدها إلى أوزو الذي كان سيقفز من الجسر ليحميه. الآن كل خيوط القصة تتجمع وأجزاء الأحجية المتناثرة تتلاصق من جديد لتخلق الصورة الأشمل والتي ستدفعك للذهول. في هذا المشهد خصوصًا يجب أن أركز على التجريد الذي حدث! فعندما كان البطل يجري لينقذ أوزو – الذي ظلمه كل ذلك الوقت – جرّد عنه كل شيء، كل الذكريات وكل المحاولات الفاشلة، كل ذلك تركه خلفه في صورة ملابسه التي تخلص منها بالتدريج وهو يجري تجاهه. بدأ حياته الجديدة وهو عارٍ، تمامًا كرضيع يستشرف الضياء لأول مرة. مشهد الجري هذا الذي جعلني أبكي من كل قلبي حقًا.


الموسيقى

الموسيقى رائعة جدًا والأغنيات الداخلية بالأنمي أذهلتني فعلًا. خصوصًا أغنية المعلم هيغوتشي قبل أن ينطلق بعدها ليجوب العالم، بجانب أغنية البداية الأولى المميزة جدًا. في الفيديو الذي في الأعلى تجدون أغنية المعلم الجميلة تحت عنوان “Maru o Sagashite”.


رأي شخصي

هذا الأنمي عبارة عن زمردة برّاقة تحمل بداخلها نفسك الغامضة. سترى نفسك في البطل، وإن لم تكن ترى نفسك فيه الآن، سترى فيه فترة من فترات حياتك. أنمي نفسي وفلسفي من الدرجة الأولى وفاق توقعاتي فعلًا. هيا ماذا تنتظرون؟ شاهدوه، فهناك الكثير بانتظاركم!

3

شاركنا رأيك حول "مراجعة أنمي «The Tatami Galaxy»: رحلة فلسفية بين الواقع الأليم والآمال البرّاقة"

أضف تعليقًا