عمالقة الغناء والطرب التركي.. قصص ما وراء الموسيقى

مغنيين أتراك عمالقة الطرب التركي
1

بحكم التقارب الجغرافي، التداخل الحضاري والثقافي على مدى مئات السنين، تشترك الثقافة التركية مع العربية بالكثير من الأمور، فإلى جانب الكباب والكفتة، والكثير من الكلمات المشتركة بين اللغتين، نتشارك مع بلاد الأناضول الكثير من التفاصيل والعادات، حب الموسيقى بشكل عام، والطرب بشكل خاص هو أحد هذه التفاصيل.

تحملُ الموسيقى التركية بصمة مميزة تمكنك من تمييز أغنية أو مقطوعة ما بأنها تركية بمجرد الاستماع إليها لمدة لا داعي لأن تتجاوز الخمس ثواني، خاصة بحضور أصوات الآلات الموسيقية التركية المعروفة مثل الساز (يعرف لدينا باسم البُزُق أو الطنبورة) والزرنة، وكمنجة البحر الأسود، وحتى العود والطبلة، وأصوات أخرى من منطقة البلقان. منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة تطورت الموسيقى التركية كثيرًا، ومع ذلك نجح بعضهم في الحفاظ على البصمة التركية الخاصة في الموسيقى، بل وإيصالها إلى العالمية شرقًا وغربًا. لا يمكن إلا أن تكون قد سمعت أغنية عربية واحدة على الأقل بلحن “مستوحى” من آخر تركي، وقد حدث العكس أيضًا.

وعلى عكس ما يتم ترويجه لنا على شاشات التلفزيون عن الثقافة التركية بأنها مغرقة في الصخب والترف الشبيه “بالحلم الأمريكي” يحب الأتراك أغاني الطرب الفخمة التي تتضمن موسيقى بآلات موسيقية حقيقية، وكلمات وألحان توازيها فخامة، ولسبب أو لآخر يطلقون على هذا النوع من الأغاني الطربية اسم “أرابيسك”، ولديهم الكثير من الأسماء العملاقة التي تعادل في قوتها أم كلثوم، أسمهان، وعبد الحليم حافظ في منطقتنا، وقد خرجت شهرة هذه الأسماء عن حدود تركيا وحققت انتشارًا عالميًا. وفيما يلي بعض أسماء عمالقة الطرب التركي الأصيل:

ابراهيم تاتليسس Ibrahim Tatlıses

الإمبراطور

اغاني ابراهيم تاتليسس طاطلس

بلا شك سيكون إيبو في مقدمة هكذا قائمة، فهو بشكل أو آخر يمثل كل ما تعنيه كلمة تداخل حضاري وثقافي من معنى. من مواليد مدينة أورفة لأب عربي الأصل، وأم كردية، وقد انعكس هذا المزيج الثقافي على ماقدمه من أعمال، فقدم التراث التركي، والأرابيسك، إلى جانب أغاني من التراث الكردي، والعربي، وأغاني باللغات الثلاثة.

وإلى جانب قوى الصوت والموسيقى التي قدمها، حملت أعماله رسائل إنسانية ووجدانية، فغنّى للأم، ودافع عن حقوق الأقليات القومية في تركيا في وقت كان فيه التحدث عن ذلك جريمة يعاقب عليها القانون (القومجي التركي المتعصب).

أغنية ابراهيم تاتليسس عن الأم (Anam Garip Anam)

وطبعًا للرقص أيضًا مكان:

له شعبية كبيرة خارج تركيا خاصة في دول الجوار مثل سوريا. أتذكر أن قدومه إلى مدينة حلب في العام 2001 أحدث أزمة حقيقية في شوارع المدينة دفع الشرطة للتدخل! لقد بيعت تذاكر حفلته التي لم تكن رخيصة على الإطلاق خلال ساعات قليلة فقط.. أحد جيراني في الحي رفع صورة والده من على جدار المنزل ليضع مكانها صورة له التقطها مع إيبو في ذلك الوقت!

تم استخدام ألحانه في الكثير من الأغاني العربية ربما كان أشهرها “تبكي الطيور” التي غناها وائل كفوري، أما اللحن الأصلي فهو لأغنية Selam Olsun التي قدمها ابراهيم في العام 1999.


سزن أكسو Sezen Aksu

صوت اسطنبول

في عام 2009 أطلق عالم الفلك الفرنسي الفرنسي جان كلود ميرلين اسمها على نيزك جديد اكتشفه بعد أن استمع إلى أغنيتها “احتفال” Kutlama، وقد تمّ اختيارها كصاحبة “أعظم صوت تركي” من قبل راديو أمريكا الوطني في العام اغاني سزن اكسو2011 في قائمة ضمت أعظم 50 صوتًا في العالم، وتضمنت القائمة نفسها كلًا من أم كلثوم، وفيروز.

أطلقت أول ألبوم غنائي لها في العام 1975، وعلى مدى مسيرتها التي مازالت مستمرة إلى اليوم، قدمت فاطمة يلدريم كل مافي بلاد الأناضول من تنوع وثقافات، فظهرت الموسيقى التركية، الكردية، وحتى الأرمنية في موسيقاها، ودمجت بين قوة الطرب، الأرابيسك، والموسيقى الحديثة أيضًا.

يجتمع كل مافي سزن أكسو من عظمة في أغنية مثل Gülümse “ابتسم” التي صدرت في العام 1991، بدءًا من الكلمات شديدة الرمزية عميقة المعاني، واللحن المؤثر للأرمني آرتو تنشبوياجيان، وطبقات غنائية تنتقل بسلاسة القوة والغضب إلى الهدوء إلى حدّ اليأس بشكل مؤثر.

“ماذا لو كنتُ جائعاً، وأمي غاضبة مني وكل القرية تقاطعني، ولا أملك حتى قطة.. هل تفهمني؟ هيا ابتسم”

أصبحت أغنية Aşk التي أطلقتها في العام 1978 من أكثر الأغاني التركية انتشارًا في الأوساط العربية بعد استخدامها في مسلسل حب للإيجار.

“أنظر المطر يهطل، وعيناك في كل قطرة منه. أنظر الريح تهب، والريح هي أنت”


مسلم غورسِس Müslüm Gürses

مسلم بابا

مسلم غورسيس

من غنائه في حقول القطن التي كان يعمل فيها عندما كان في سن 13، تحول مسلم أكباش إلى واحد من أكثر الأصوات شهرة وقوة في تركيا. قدّم الموسيقى الفولكلورية التركية والعثمانية منذ العام 1967، ويمكنك بسهولة أن تلاحظ مستوى التشابه بين موسيقاه وألحان عربية لأم كلثوم مثل ألف ليلة وليلة.

قبل وفاته في العام 2015، خرج “مسلم بابا” قليلًا عن النمط التراثي، وقدّم الأنماط الموسيقية الحديثية مثل الموسيقى الكلاسيكية، موسيقى البوب، والروك، وقد نجح بعمل خلطة موسيقية فريدة وصلت إلى الجيل الجديد في أغاني مثل “نيلوفر” و “الوداع يا اسطنبول”

لمستنا يد الزمان. تغير كلُّ شيء في كلينا من زمان. لم نعد الذي كُـناه


أحمد كايا Ahmet Kaya

احمد كايا

كان محبو أحمد كايا يتداولون أشرطته الغنائية بشكل سري وبحذر شديد، فبسبب مواقفه السياسية التي كانت تدعو إلى الاعتراف بالحقوق القومية للمواطنين الكرد في تركيا تمّ منع تداول جميع أغانيه لفترة طويلة، ولم يشفع له فخره بوطنيته التركية، ولا تقديمه للموسيقى التركية بأفضل صورة ممكنة، ولا كون 99% من أغانيه باللغة التركية.

خلال مسيرته، سجّل ما يقرب من 20 ألبومًا، وكان معروفًا بموسيقاه الاحتجاجية ومواقفه حول العدالة الاجتماعية. غنى للحب، الأم، التضحية، الأمل، والمنفى. إيقاعات الأناضول، الطنبور الكردي، وصوت الكمان والغيتار في الخلفية، إلى جانب القصائد المؤثرة، وقصة كفاحه جعلته من أكثر الموسيقيين تأثيرًا في تاريخ تركيا الحديثة.

سحر موسيقى أحمد كايا دفع الفنانة الإنجليزية أديل إلى اقتباس لحن أغنيتها Million Years Ago من أغنية Acılara Tutunmak الشهيرة لأحمد كايا.

إن كانت المعاناة حرية، فنحن الاثنان أحرار. هي عصفور دوري بلا مأوى، وأنا كناري في قفص.

يقال إن إبعاده عن بلاده تركيا كان السبب وراء المشاكل الصحية التي لاحقته إلى منفاه الباريسي حتى توفي بأزمة قلبية عن عمر لم يتجاوز 43 عامًا، ليدفن في مقبرة Père Lachaise Cemetery الشهيرة في باريس إلى جانب الكثير من الشخصيات المؤثرة في مجال الأدب والثقافة والفن.

بعد سنوات من وفاته، تمّ ردّ الاعتبار له في تركيا، وتكريمه في أكثر من مناسبة، وسُمّيت على اسمه الشوارع، والمدارس، خاصة في “مالاطيا” مدينته الأم.


بالطبع مازال هنالك الكثير من الأسماء التي تستحق الإشارة إليها، وقصص مؤثرة كانت السبب وراء الكثير من المقطوعات الموسيقية التركية التي وصلت إلى العالمية، من هو الموسيقي التركي المفضل لديك اليوم؟

1

شاركنا رأيك حول "عمالقة الغناء والطرب التركي.. قصص ما وراء الموسيقى"

أضف تعليقًا