10 أعوام على جوكر هيث ليدجر .. أو كيف روّج نولان للأناركية؟

فيلم الجوكر
7

10 أعوام يحتفي بها العالم بمناسبة ذكرى العرض الأول لتحفة كريستوفر نولان السينمائية: “باتمان: فارس الظلام” Batman: The Dark Knight الذي قدمه عام 2008، ليصبح الفيلم هو الثاني ضمن ثلاثية أفلام باتمان، الذي عمل نولان على إحيائه مرة أخرى على شاشة السينما وفقًا لرؤيته الشخصية؛ بعد مجموعة من الأفلام السينمائية التي قُدمت عن باتمان كان بدايتها عام 1966 مع الفيلم من بطولة آدم ويست والمقتبسة أحداثه عن مسلسل باتمان الذي عُرض في السيتينات، مرورًا بباتمان تيم برتون من بطولة مايكل كيتون، وصولاً إلى آخر تلك الأفلام بعنوان “باتمان إلى الأبد” Batman Forever والمعروض عام 1997، لتتوقف بعده أفلام باتمان.

يعود باتمان للظهور على شاشة السينما عام 2005، مع عرض الجزء الأول من ثلاثية نولان بعنوان “باتمان البداية” Batman Begins من بطولة كريستيان بيل، والذي حقق نجاحًا كبيرًا، إلا أن النجاح الجماهيري والنقدي الذي حققه الجزء الثاني من الثلاثية، بانتزاعه جائزتي أوسكار وعائد بلغ مليار دولار في الـBox Office العالمي، هو ما أحدث تغيرًا في مسيرة نولان السينمائية، فجعله على قمة مُخرجي هولييود، وصار الفيلم نقطة تحول فاصلة في تاريخ صناعة أفلام الأبطال الخارقين .. فأي جديد قدمه نولان؟

باتمان وكيف رأى الأناركية؟

باتمان والاناركية

“ما رأيك بخدعة سحرية؟!” – الجوكر

ربما تكمن كلمة السر في سيناريو الفيلم الذي شارك نولان في كتابته، فقبل أن يتولى عمله خلف الكاميرا كمخرج للفيلم، يجلس نولان مع ديفيد س. جوير لكتابة قصة فيلم The Dark Knight، ثم بعد ذلك مع أخية جونثان نولان _الذي شاركة كتابة معظم أفلامه_ للعمل على السيناريو الخاص بالفيلم.

تُظهر الثلاثية نولان كقارئ جيد للكوميكس/القصص المصورة الخاصة بباتمان؛ فرغم أن سيناريو فيلم The Dark Knight  _كما بقية أفلام الثلاثية_ كان نصًا أصليًا Original Screenplay غير مقتبس عن قصة مصورة بعينها، تظل الشخصيات، والعلاقات التي تربطها ببعضها البعض، والصراع بينها أشياء مستوحاه عما أنجزه بوب كين _أول من قدم باتمان في عالم الكوميكس في الأربعينات من القرن الماضي.

بروس واين الذي قُتل والديه في أحد الأزقة الخلفية لدار عرض سينمائي، على يد قاطع طريق دون مبرر واضح سوي أن العالم ليس مكانًا عادلاً، يرتدي قناعًا ويتحول إلى بطل يجوب الشوارع ليلاً لمحاربة الجريمة، بداية من اللصوص في الشوارع الخلفية وصولاً إلى زعماء عالم الجريمة السفلي لمدينة جوثام، مصطدمًا أثناء ذلك بمجموعة من الأشرار villains المختلين عقليًا، لا يملكون مبررات أو دوافع واضحة لأفعالهم؛ وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة في الزقاق الخلفي لدار السينما فصار لحظة سيزيفية تتكرر كل ليلة من حياة باتمان، أو هو منظور باتمان الشخصي للجريمة التي لم يجد لها منطق فصار يرى مرتكبيها وهم مرتدون ثوب الجنون والأناركية.

تتحول فكرة الأشرار أو أعداء البطل الذين يُحدثون الفوضى من أجل الفوضى إلى مهزلة على شاشة السينما من خلال مجموعة الأفلام ما قبل نولان، وسط الكثير من الضحكات الجنونية وملابس المهرجين التي جعلت مساعى البطل طوال أحداث الفيلم بلا قيمة في عين المشاهد.

وهل أبدو لك كرجل يمتلك خطة؟! – الجوكر

يصنع نولان من نقاط الضعف في الأفلام السابقة مواطن القوة في أفلامه، فيمنح الشخصيات أبعادًا تاريخية ودوافع منطقية، دون الإخلال بالأناركية كهدف أو أيديولوجية يسعى أعداء البطل إلى تحقيقها على شاشة السينما، بل جعلها فكرة مطروحة للنقاش بين أبطال الفيلم كذلك.

فيقدم نولان في أولى أفلام الثلاثية شخصية “راس الغول”_الذي لعب دوره ليام نيسون_ رئيس “جماعة الظلال” وهي منظمة تتبنى فكرًا أناركيًا؛ فتسعى لتدمير الدول والمدن التي تعاني من الفساد، ثم تعمل إعادة إحيائها مرة أخرى في مناخ أفضل. يطرح نولان وجهتي النظر على الشاشة إلا أنه دائمًا ما يرشد المشاهد في النهاية إلى وجهة النظر التي يتبناها، فيظهر باتمان الذي يقف بالمرصاد لفكرة راس الغول التي تظهر نبيلة لكن ثمن تحقيقها غالٍ من أرواح البشر.

في فيلم The Dark Knight يضرب نولان بالقواعد السابقة عرض الحائط، محققًا نجاحًا سيظل خالدًا في تاريخ السينما باستخدامه نقاط الضعف في أفلام باتمان السابقة_ المتعلقة بأبعاد الشخصية ونظرية الفوضي من أجل الفوضي_ صانعًا أسوأ كوابيس باتمان على شاشة السينما .. “الجوكر”.

10 سنوات على جوكر هيث ليدجر

فيلم الجوكر

“أتريد أن تعرف كيف حصلت على تلك الندوب؟!” – الجوكر

بعكس محاولات كُتاب الكوميكس/القصص المصورة صناعة تاريخ لشخصية الجوكر، كما فعل ألان مور في القصة المصورة بعنوان “باتمان: المزحة القاتلة” Batman: The Killing Joke الصادرة عام 1988، يصنع نولان من الجوكر أكثر الأشرار إثارة للرعب على شاشة السينما بجعله شخصيًا بلا ماض؛ فلا يمتلك اسمًا أو هوية معروفة، الندوب في وجهه والمكياج الذي يرتديه تجعل من الصعب تبين ملامحه، محاولات باتمان ورجال الشرطة التوصل إلى هوية الجوكر من خلال بصمة إصبعه والحمض النووي الخاص به التي تنتهي إلى اللا شئ، جعلت من الجوكر شخصًا قادم من العدم بالنسبة لهم.

الجوكر نفسه يقوم بسرد روايتين مختلفتين عن الندوب في وجهه، فيخبر جامبول _أحد رجال العصابات _ أنا والده السكير هو من منحه تلك الابتسامه على وجهه حين وضع سكينه في فمه قائلاً: “لما أنت متجهمًا هكذا؟ .. دعني أضع ابتسامه على وجهك”، بينما يخبر ريتشل _صديقة بروس_ أنه صنعها بنفسه إسعادًا لزوجته التي كانت تعاني تشوهًا في وجهها إلا أنها تخلت عنه بعد ذلك.

قد يظهر الجوكر من خلال الروايتين بمظهر الشخص الأضعف، الذي تعرض لحادثة عنف ما سببت له صدمة، فصار يختلق الحكايات عن ماضيه، لكن في واقع الأمر هو عرض يقوم به الجوكر لإثارة الرعب في نفس أعدائه واضعًا سكينه داخل أفواههم، وكأنه على استعداد أن يعيد تمثيل تلك الواقعة مرات عديدة على أرض الواقع إذا رفضوا التعاون معه؛ إذ يُعد ذلك العرض جزءً من استراتيجية يتبعها الجوكر لتدمير أعدائه نفسيًا للإيقاع بهم والقضاء عليهم.

فيلم الجوكر

لم يكن الجوكر لعنة على أعدائه فقط، بل امتدت لعنته لتطول هيث ليدجر الذي لعب شخصية الجوكر خلال أحداث الفيلم، لينهي مسيرته الفنية بعد الانتهاء من تصوير المشاهد الخاصة به بجرعة زائدة من المسكنات ومضادات الاكتئاب.

أعتمد هيث ليدجر على أسلوب “المُعايشة” من أجل أدائه لشخصية الجوكر على شاشة السينما، قفام بعزل نفسه في غرفة بأحد الفنادق لمدة ستة أسابيع، عمل خلالها على دراسة شخصية الجوكر سيكولوجيًا، كذلك حركاته وإيمائاته وتلك الضحكة السادية الخاصة به.

أراد ليدجر خلق أداء خاص به بعيدًا عن الأداء الذي قدمه جاك نيكلسون لتلك الشخصية في الفيلم الذي عُرض عام 1989، لذلك استوحي مظهر الشخصية الفوضي غير المُرتب عن سيد فيشوس، عازف الجيتار ومغني الروك بفرقة Sex Pistols _ أحد الفرق الغنائية بالسبعينات_ كذلك أستعار ليدجر من أداء مالكوم ماكدويل حين لعب دور أليكس دي لارج في الفيلم الأكثر رعبًا وسوداوية لستانلي كوبريك “A Clockwork Orange” الذي عُرض عام 1971، وتناول حكاية شاب يجوب الشوارع ليلاً مع أصدقائه ناشرًا الرعب؛ فيقوم بسباقات ليلية بالسيارة، ويعتدي على المتسولين بالضرب، ويغتصب أي فتاة يقابلها، ليس لشئ سوى المرح.

لاحقًا تنفي عائلة ليدجر وجود علاقة بين أدائه لشخصية الجوكر وأسباب وفاته، مُعلنة أنه استمتع بأدائه شخصية الجوكر كثيرًا.

كيف تعامل نولان مع الأناركية؟

“المجرمون ليسوا معقدين يا ألفريد، كل ما علينا هو معرفة ما يسعون إليه.” – باتمان

على عكس شخصية راس الغول التي قدمها نولان خلال أحداث الجزء الأول من الثلاثية، والتي جعلها تتبني فكرًا أناركيًا من أجل تحقيق غاية ما، يقدم نولان الجوكر الذي يسعى إلى الفوضي من أجل الفوضي لاشئ سوى لإثبات وجهة نظره الأناركية حول عدم جدوى القوانين والأنظمة، الكل فاسد ويمكن أن تلطخ أيديهم بالدماء، فكما يصف نفسه خلال أحد الحوارات بالفيلم “أنا مبعوث الفوضى”.

“بعض الرجال لا يريدون شيئًا سوى رؤية العالم يحترق”. – ألفريد

حاول نولان هذه المرة، بخلاف فيلم Batman Begins الذي فرض من خلاله باتمان نوعًا من الوصاية في اختياره إنقاذ العامة من الأناركية، أن يمنح أولئك العامة من خلال فيلم The Dark Knight فرصة الاختيار..

سفينتان في عرض البحر، إحداهما تُقل مدنيين، والأخرى عليها مساجين يتم نقلهم من سجن جوثام، كلاهما في الطريق إلى ملاذ أمن خارج المدينة، ولكن على طاقم إحداى السفينتين تفجير الآخر قبل منتصف الليل، في مشهد وكأنه تجربة معملية أراد أن يثبت من خلالها الجوكر أن الكل متورط، فهل يستسلم طاقم السفينتين للفوضى؟

مع الفكر الأناركي الذي يتبناه الجوكر يُصبح من الصعب مجادلته أو التفاوض معه، مما يجعل مهمة باتمان في الإيقاع به وتسليمه للعدالة مهمة صعبة.

يروى ألفريد لبروس/باتمان حكاية عندما كان في بورما يعمل لحساب الحكومة المحلية، التي كانت تحاول شراء ولاء رجال القبائل بالأحجار الكريمة، حيث كانت قوافل الحكومة _ المحملة بالأحجار_ تتعرض للهجوم، وبعد بحث لمدة ستة أشهر عن الأحجار وجودها ملقاه على الشاطئ، فقد كان قاطع الطريق يرميها دون سبب منطقي بعد سرقتها، وبسؤال بروس كيف تمكنوا من الإيقاع بقاطع الطريق، يجيب ألفريد: “كان علينا إحراق الغابة بأكملها”.

تتضمن الحكاية حلاً قد يُمكن باتمان من تنفيذ مهمته الصعبة، فهل يتنازل عن مبادئه ويتبع أسلوب الجوكر الفوضوي من أجل الإيقاع به؟

“إما أن تموت بطلًا، أو تحيا طويلًا لترى نفسك تتحول إلى شرير”. – هارفي دنت

في النهاية، يقودنا نولان من خلال أحداث في الفيلم إلى نقطة البداية مرة اخرى، أو إلى الفكرة التي يميل إليها وأراد المُشاهد أن يهتدي إليها بنفسه؛ الحملة الانتخابية لهرفي دنت التي دعمها بروس/باتمان إيمانًا منه باليوم الذي لن تصبح في جوثام بحاجة إلى أبطال مُقنعين لتطبيق العدالة، بل إلى أبطال منتخبين يطبقون القانون ويحاربون الفساد كهارفي دنت_ “فارس النور” The White Knight كما يلقب_ والذي يظهر بالنهاية أنه كان الهدف الذي سعى خلفه الجوكر.

7

شاركنا رأيك حول "10 أعوام على جوكر هيث ليدجر .. أو كيف روّج نولان للأناركية؟"

أضف تعليقًا