يوسف شاهين… ليه؟!

افلام يوسف شاهين
0

مساهمة: محمد أيمن – مصر

لم تغنِ فيروز لبحر الإسكندرية جرّاء الصدفة، فدائمًا ما تثمرُ الإسكندرية فنانين أو على الأقل أشخاصًا لها القدرة على التذوق الفني، وكما أغدقَ علينا بحرُ الإسكندرية بعظماءٍ مثل: محمود مرسى، محمود عبد العزيز، بيرم التونسي، وهند رستم، فقد انفطرَ منه أيضًا فنانٌ عظيمٌ مثل يوسف شاهين، لكنَّ شاهين لم يكن مجرد فنان، شاهين مدرسةٌ سينمائيةٌ أَضَاْفَتْ كثيرًا إلى السينما، وسَاْعَدَتْ في تشكيل وعي وثقافة حشد من أبناءِ الجيلِ وقتها.

شاهين… البدايةُ الواقعيةُ! 

بدايات شاهين كانت بتيار الواقعية، والذي ظهرَ في الخمسينات من القرنِ الماضي على يدِ المخرج صلاح أبو سيف، والواقعيةُ تعني التعبير عن فئة معينة غالبًا ما تكون في حالة هامشية اجتماعية بشكلٍ صادق واقعي دون إبداء رأى مباشر في حالها، وتشبه غالبًا في صياغتها السينمائية الفيلم التسجيلي إلى حدٍّ كبيرٍ. 

وقدَّم خلالها شاهين أفلامًا مثل: باب الحديد في أواخر الخمسينات، وفيلم الأرض سنة 1969، والذي عَبَّرَ فيه عن قضية الفلاح المصري. 

وأمَّا في فترة السبعينات وأوائل الثمانينات رغم أنَّها قد شهدتْ أهمّ الأحداث السياسية في مصر، إلَّا أنَّ اتجاه الواقعية الذي ظهرَ في بدايات شاهين تداعى إلى حدٍّ كبيرٍ، إلى أن ظَهَرَتْ موجةٌ سينمائيةٌ واقعيةٌ جديدةٌ من أهمِّ أعلامها محمد خان وعاطف الطيب، وفي تلك الفترة بدأَ شاهين يتّجهُ لذاتيته، ويقدّم أفلامًا يتحدّث فيها عن نفسه مثل رباعيته السينمائية، ورغم ذلك كان لايزالُ يحافظُ على التيمات السينمائية التي تمسّ أبناء جيله الذين قد تكوّنت عندهم مشاعرٌ مماثلةٌ.

وتلك الذاتية الفيلمية التي تتسقُ مع النمطِ الفكري للجيلِ الذي يُخرج منه مخرج العمل قد ظَهَرَتْ عند مخرجين كُثر أهمهم الإيطالي فيدريكو فيللينى. 


السينما الأمريكية، أم الاوروبية، أم… ؟! 

في الحقيقة إنَّ السينما بدايةً من ثلاثينيات القرن العشرين كانتْ سينما موجهةً واحتكاريةً من شركات الإنتاج الهوليودية، وقد تسبب ذلك في كون أغلب الأفلام التي يتمُّ إنتاجها في تلك الحقبة أفلام تجارية أو كما أطلق عليها وقتها “أفلام المقاولات” لاعتمادها على الرأسمالية، وبسبب افتقار تلك الأفلام للقيمة الفنية لجأَ كثيرٌ من المخرجين إلى أوروبا؛ لأنَّ السينما الأوروبية وقتها – وإن كانت أقلَ كثافة بكثير من السينما الأمريكية – كانت مزدهرةً على المستوى الفني والوعي السينمائي.

كانَ النظامُ السينمائي في أوروبا وقتها مغايرًا لما كان عليه في الولايات الأمريكية، فقد كانَ يتمُّ العمل على إنتاج أفلام ذات قيمة فنية، وقادرة على استثمار مقومات السينما وعناصرها الدرامية والسردية؛ للتعبير عن الوجود الإنساني والهواجس النفسية. 

كانتْ هذه في البداية أهم نموذجين في تاريخ السينما: سينما النموذج الأمريكي بكثافة إنتاجها، وسينما النموذج الأوروبي بدورها في التعبير عن النفس البشرية والتساؤلات الوجودية.  

وهنا قد ظَهَرَتْ سينما جديدة مختلفة عن النموذجين السابقين: السينما الثالثة في أواخر الستينات، وهذه هي المدرسةُ التي تبناها يوسف شاهين بعدما تنصَّل من الواقعية التي بدأَ بها مشواره الفني ابتداءً من فيلم الاختيار سنة 1970، والذي عَبَّرَ فيه عن جيل الغضب بعد النكسة وروحهم الانهزامية وقتها. 

السينما الثالثة أو كما تسمى “سينما الجموع” التي تعلي من شأن الأفكار المشتركة في الجيل الحالي، وتتنزه بقيمة الأحلام والآمال في التغيير السياسي والثقافي للحالة الراهنة.

وبداية ازدهار هذا النوع كانَ في أمريكا اللاتينية، وسرعان ما ظهر في بلدان أوروبية أُخرى أهمها: فرنسا إيطاليا وروسيا وإسبانيا. 

وقد كانتْ حركةً سينمائيةً ثوريةً جدًا نشأتْ بهدف التغيير السياسي أو نقد الوضع خصوصًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والاستسلام لأنظمة حكم كادتْ أن تقتلَ طموح جيل كامل وقتها.

واستحال ذلك في رباعية شاهين التي تناولتْ سيرته الذاتية، لكنَّها في الحقيقة كانتْ تُعبر عن جيلٍ كاملٍ أحب شاهين أن يوثّق أفكاره وتمرده وقتها. 


إسكندرية… ليه؟! 

فيلم اسكندرية ليه - افلام يوسف شاهين

من أهمِّ أفلام تلك الرباعية: إسكندرية ليه عام 1978، والذي عَبَّرَ فيه عن جيل الأربعينات بعدَ الحرب العالمية الثانية، ورؤيتهم للوضع السياسي وقتها. 

يحيى البطل مثلًا كانَ يُعبر عن يوسف شاهين نفسه، من حبه للإسكندرية ودراسته في كلية فيكتوريا، لعشقه للمسرح والموسيقى في المدرسة، وحتى يوسف شاهين قد عرضَ في الفيلم مقاطعَ صوّرها بنفسه عندما كانَ في عمر البطل يحيى.

يصحبنا الفيلم في جولة بين الطبقات المختلفة الموجودة في المجتمع من عائلة يحيى البسيطة، وآمالها في الترقي الطبقي في ظل حفاظها على مبادئها، وبُعدها عن التعامل مع الإنجليز، وفي نفس الوقت أملها في حياةٍ أفضل ليحيى وتلقيه تعليم يضاهي تعليم الطبقة الأرستقراطية، وصديق يحيى ووالده الأرستقراطي الذي فضّل التعامل مع الإنجليز، وكذلك الشاب إبراهيم – وقامَ بدوره أحمد زكي – والذي يمثلُ أغلبَ الشباب وقتها وتمردهم لطرد الإنجليز من مصر حتى لو على حساب التقرب للألمان.

كما أقحمَ شاهين في فيلمه ملامحَ للوحدة الوطنية وقلق اليهود المتواجدين في الإسكندرية وقتها من احتمالية دخول الألمان، والأهم هو العلاقةُ الشاذةُ بين أحدِ أفراد الطبقة الأرستقراطية مع جندي بريطاني، والتي استخدمها شاهين لتصوير فحوى العلاقة بين المصريين وجنود الاحتلال وقتها، واستحالة الوفاق الفطري بينهما!

وتنتهي رحلةُ البطل يحيى بمشهدٍ له بسخرية أمامَ تمثال الحرية بعد سفره لأمريكا، وكأنَّ “جو” يُعبر عن الأمل الزائف الذي كانَ ينمو عند هذا الجيل في الخلاص في رحابِ الحلم الأمريكي. 

ويستكملُ بعدها شاهين التعبير عن ذاته في حدوته مصرية، إسكندرية كمان وكمان، وإسكندرية نيويورك. 

وعن عشقِ شاهين الجم الإسكندرية، وتمثيله لها على أنَّها بلدُ الأمل والأحلام والنضال واللقاء، على الرغم من تمثيله للقاهرة في كثير من أفلامه بالعكس تمامًا مثلما ظهرَ في فيلمه التسجيلي “القاهرة منورة بأهلها”، والذي لاقى عنه شاهين اتهامات بالانحياز والقاهرية السلبية، فلما سُئل شاهين عن لِمنَ يصنعُ أفلامه قال: “أصنعها لنفسي أولًا، ثم للإسكندرية ثانيًا، ثم للجمهور ثالثًا”.

ومع أعمالٍ مثل: المصير، والآخر، والناصر صلاح الدين استطاعَ أن يحققَ شهرةً كبيرةً في مهرجانات عالمية مثل: برلين وكان وغيرها، وينالَ جوائز عالمية يتمُّ تتوجيها بتكريمه في مهرجان كان عن مجملِ أعماله سنة 1997. 

اقرأ أيضًا: أفضل أفلام عُرضت في مهرجان كان السينمائي 2018 من وجهة نظر النقاد


علّي صوتك بالغنا! 

مسيرةُ شاهين الفنية أسفرتْ عن أعمالٍ كثيرةٍ اِمْتَزَجَتْ فيها الدراما مع البنية السينمائية المشبعة بالموسيقى والغناء، وقد كانَ ذلك جليًا في كثيرٍ من أفلامه مثل: سكوت هنصور، المصير، حدوتة مصرية. 

حقيقة، قد تبنى عددٌ من السينمائيين مدرسة السينما الخالصة التي تعتمدُ بشكلٍ كبيرٍ على الصورةِ السينمائية، وتصميم الكادرات أكثر من باقي العناصر المقحمة في الفيلم مثل: الموسيقى أو الحوار أو المونتاج… إلخ.  

يوسف شاهين بخلاف ذلك كان يعطي اهتمامًا للوحاته السينمائية كاملةً بكلِّ عناصرها بدون أي استثناء، ويقدّم لفيلمه كلَّ الصفات التي تجعلهُ يتميّز ويمسّ أكبرَ قدر من المتلقيين، الذين بكلِّ تأكيد غالبًا ما ينجذبون لأحد أطراف بنية الفيلم عن الآخر. 


حقًا فوضى…! 

وأمَّا عن آخِر وأهم أفلامه الروائية الحديثة : هي فوضى! 

كالعادة شاهين بكونه مثيرًا للجدل في الموضوعات التي يناقشها، فهو يُعبر في الفيلم عن التسلط في الأجهزة الأمنية في فترة ما قبل الثورة والكبت الجنسي، ويُعتبر الفيلمُ بمثابة أول عمل فني يتنبَّأ بالثورة، وظهرَ فيه كادرات ومشاهد حدثت تمامًا في يناير، ومن أهمها مشهد اقتحام القسم، والذي استعانَ فيه شاهين بستمائة فرد من خلفيات دينية، وأنماط مختلفة كما ظهر في تكوين المشهد. حقّق الفيلمُ وقتها عشرة ملايين جنيهًا من حيث الإيرادات، وكانَ نجاحًا غير مسبوق لأفلام شاهين التي عادةً ما تطغى فنّيتها، ومدى اهتمامها بالعناصر السينمائية على استقبالها الجماهيري.

إلى أن كانَ عام 2008، وتعرّض شاهين لنزيفٍ في المخ نُقل على إثره إلى باريس، وبعد غيبوبة دامت ستة أسابيع فارق يوسف شاهين الحياة، التي قضى عمره وراءَ الكاميرا يُعبر عنها بكلِّ صدق وتلقائية.

سيظلُّ يوسف شاهين أيقونةً في تاريخ السينما، ومنطلق لأيِّ أحد ليس فقط لديه الرغبة في دخول مجال السينما، لكن لأيِّ إنسان يريدُ أن يستشعرَ سحر الفن السابع في أبهى صوره الحديثة.

0

شاركنا رأيك حول "يوسف شاهين… ليه؟!"

أضف تعليقًا