كيف غيّر فيلم Deadpool تصنيف الأفلام الأبطال الخارقين للأبد؟

فيلم ديدبول
2

تنبّأ المخرج الأمريكي الكبير ستيفن سبيلبيرج بأفول نجم تصنيف أو جنرة أفلام الأبطال الخارقين قريبًا، وفي الحقيقة هذا ليس تشاؤم مطلق، بل هو أمرٌ طبيعي تكرر من قبل مع عدّة أنواع سينمائية أُخرى مثل: الويسترن أو أفلام الغرب الأمريكي التي كانت الخيار رقم 1 للمنتجين في حقبة سينمائية ما قبل أن يعفي عليها الزمن، وأيضًا الأفلام الموسيقية التي نتذكرها اليوم في نوع من النوستاليجا، لكن هل حان الوقت لنقلب صفحة أفلام الأبطال الخارقين من تاريخ السينما، بعدما سيطرت في السنوات السابقة على الإيرادات العالمية واستحوذت على اهتمام الكثيرون؟

ربما كان هذا سيحدث بالفعل لو لم تقدّم سلسلة الرجال أكس فيلمها الشهير Deadpool عام 2016، والذي كسر الكثير من العوامل التي تسببت في جعل جميع أفلام السوبر هيروز سواءً إنتاجات مارفل أم دي سي أم الرجال أكس متشابهةً للغاية، وكادت أن تصل إلى حد الملل، ووضع ديدبول قواعد جديدة للعبة، قامت بالتدريج بإجراء تغيرات في هذا النوع السينمائي، وضخ دماء جديدة في أوصاله، وبعد عرض الجزء الثاني من فيلم Deadpool، ومضي عامين على الجزء الأول يمكن ملاحظة هذه الفروقات، والتي سأقوم بتلخيصها في النقاط التالية.

لم تعد أفلام الأبطال الخارقين للعائلات

فيلم ديدبول

واحدة من العوامل التي اعتمدت عليها إيرادات أفلام الأبطال الخارقين إنّها أفلام عائلية بامتياز غالبًا تكون تحت تصنيف PG 13، وبالتالي تصلح لكلّ أفراد الأسرة، لكن فيلم ديدبول ضرب هذه القاعدة في مقتل، فهو أنجح فيلم سوبر هيروز تحت تصنيف R؛ وذلك لما يحتويه من مشاهد عنف وجنس، والكثير من الدعابات والألفاظ غير البريئة.

وقد تخوف الكثير من المشاهدين المتحمسين للكوميكس على الأخص لما قد يحدثه هذا التغيير في نوعية أفلامهم المفضلة المقتبسة عن قصصهم المفضلة كذلك، وتصبح عنوانًا للعنف والبذاءة، ولكن في الحقيقة أنَّ صُنّع الفيلم كان لديهم اهتمام كبير اتجاه هذه الفئة على الأخص. لذلك، ظهر في النص الولاء الكبير اتجاه القصص الأصلية.

وعلى الرغم من أنَّ المتوقع في هذه الحالة انخفاض إيرادات الفيلم لاستبعاده شريحة عمرية كبيرة، فقد أتى الأمر بنتيجة عكسية تمامًا، حيثُ أنَّ هذا الانفتاح جعل للفيلم مذاقًا خاصًا، وأكسب مشاهد القتال المزيد من الإثارة، بل أنَّ الفيلم نفسه يبدو أكثر جديةً من أفلام السوبر هيروز الأُخرى، التي قد وصل بعضها لحافة الملل بسبب اتباعها قواعد الفيلم العائلي كما يقول الكتاب.

كسر فيلم ديد بول أفق توقعات المشاهد المرة تلو الأُخرى منذ المشهد الأول في الفيلم، فجعله منتظرًا للمزيد، وقد مهد ذلك الطريق لأفلام أُخرى من ذات التصنيف لتصبح أيضًا من فئة R منها فيلم الرجال الأكس الذي تلاه logan، الذي كان هذا التصنيف بالفعل هو الأمثل له بسبب عمق التحولات التي تتعرض لها شخصية وولفرين فيه، والعنف المطلوب في الصراع الأخير على الحياة الذي يخوضه، وأتى الفيلم مثل سابقه ديدبول واحد من أفضل أفلام الأبطال الخارقين على الإطلاق.

بل إنَّ 37% من مشاهدي Deadpool كانوا بين الـ 18 و24 عامًا، بينما في فيلم الرجال أكس السابق له Days of Future Past كانت النسبة 19% فقط، أي أنَّ التصنيف R بما يحمله من عنف، وتجديد في هذا النوع السينمائي استطاع اجتذاب فئة عمرية كانت غير مرحبة بالأفلام العائلية السابقة.

كسر الحاجز الرابع

فيلم ديدبول

تعمل أفلام الأبطال الخارقين على وضع المشاهدين في حالة تامة من الإيهام، وذلك حتى يتقبلوا الخوارق والأشياء غير المنطقية المقبلين على مشاهدتها، ولذلك جاء كسر ديدبول الحاجز الرابع المرة تلو الأُخرى أمرًا غير منطقي تمامًا، فمنذ بداية الفيلم نجد ديدبول يحدّث المشاهدين، يخبرهم عما سيحدث، بل يتحدّث عن أفلام الأبطال الخارقين الأُخرى التي قدمتها ذات شركة الإنتاج من قبل.

الأهم من اتخاذ هذه الخطوة تفاعل الجمهور معها، الذين استمتعوا على غير المتوقع ببطلهم وهو يخبرهم أنَّهم في فيلم، وأنَّ ما يجري أمامهم غير حقيقي، ولكنَّه مثيرٌ للدرجة التي تجعلهم لا يفقدون تشوقهم للمزيد من الأحداث.

البطل ليس بطلًا على الإطلاق

Deadpool

عادة الأبطال الخارقين السيئة هي أنَّهم مثاليون أكثر من اللازم. لذلك، نجد المشاهدين في الكثير من الأحيان ينجذبون أكثر للشخصية الشريرة التي تبدو في قدرتها على ارتكاب الأخطاء أكثر قربًا للإنسان العادي، بالإضافة لأنَّ رسم الشخصية الشريرة غالبًا ما يكون أفضل وأكثر عمقًا.

ولكن ديدبول – وهنا أعني وايد ويلسون بطل الفيلم – يؤكّد منذ البداية على أنَّه ليس بطلًا، ولا يهدف أبدًا إلى حماية الضعفاء، فقتاله للأشرار لا هدف له سوى الحصول على المال، يفخر بقتلاه الذين تعدوا الأربعين، ولا يهتم بأنَّ حبيبته منخرطة في عمل يبدو أشبه ما يكون بالدعارة.

لم يحاول الكتاب بناء شخصية مثالية، ثم البحث عن الثغرة أو الخطأ التراجيدي الذي يدور من حوله الفيلم، كما في شخصية هالك الطبيب الطيب الذي آفته الغضب، أو أيرون مان الذي عيبه الغرور، أو سبايدر مان الذي خطأه التهور، بل هنا الشخصية الرئيسية أساسًا تتكوّن من العديد من العيوب، والهدف الأساسي لها في الجزء الأول هو الانتقام، والبحث عمن أدى به إلى التشوه وفقدانه حبيبته، ولكن تم تغليف كلّ هذا بحس دعابة قوي – سنتكلم عنه النقطة القادمة – وأداء ممتاز من ريان رينولدز، ولمسة رومانسية محببة تبدو منطقيةً في إطارها مع طبيعية البطل، والعلاقات التي يدخل بها.

دعابات بلا توقف لكلّ أنواع المشاهدين

ديدبول 2

تعودنا في أفلام الأبطال الخارقين على إلقاء الأبطال والأشرار الدعابات خاصةً خلال القتال؛ وذلك لتخفيف حدّة انفعالات المشاهدين والفيلم بشكلٍ عام، ولكن ديدبول نقل حس الدعابة هذا إلى مستوى أعلى بكثير.

فمنذ البداية نحن أمام سيل من الدعابات التي لا تنتهي، يتبادلها بهزر أو بجدية، وليس منه فقط بل هو والأشرار والشخصيات الفرعية مثل: صديقه النادل أو سائق التاكسي الهندي، المميز هنا ليست الكثرة وحدها بل أيضًا الكيف، فقد أتت هذه الدعابات لتناسب كلّ أنواع المشاهدين بصورة ذكية للغاية.

فهناك سخريةٌ مباشرةٌ يمكن فهمها بسهولة من كلّ أنواع المشاهدين، ثم طبقة أُخرى من الدعابات الموجهة إلى عاشقي الأفلام بشكلٍ عام وأكس من بشكل خاص، منها تلك الخاصة بوولفرين وفيلم لوجان، والتي تكررت عدّة مرات بمنتهى الذكاء على مدى الفيلمين، والطبقة الثالثة هي موجهة لمحبي وقارئي كوميك ديدبول الأولياء.

هذا التخصيص استطاع جذب أكبر عدد ممكن من المشاهدين، وأيضًا أشعر المتفرجين من الأنواع الخاصة التي ذكرتها بالأعلى بالامتنان، كما لو أنَّ الفيلمَ يوجه لهم تحيةً خاصةً.

والأهم أنَّ الفيلم كسر تلك القاعدة بأنَّ أفلام الخارقين يجب أن تحتوي على الكثير من الضرب والقليل من الدعابة، فهنا نجد العنف مجاورًا خطوة بخطوة مع السخرية، في امتزاج مثير للغاية، فلا تعلم هل تقزز مما تشاهده من الدماء المتطايرة، أم تكاد تقع من المقعد ضحكًا من دعابة ملقاة، بينما السيفين الخاصين بديدبول يخرجان من ظهر الشرير.

لن ننقذ العالم اليوم

ديدبول 2

هدف الأبطال الخارقين دومًا هو إنقاذ العالم أو مدينتهم أو عائلتهم من الدمار أو الشرير أو الوحش الآلي، هدف نبيل لبطل أنبل بالتأكيد، ولكن ديد بول نقل هذه الصراعات العظيمة إلى مجال أصغر وذاتي للغاية، فلم تعد الأهداف يجب أن تكون نبيلةً حتى يستطيع المشاهد التعاطف معها، فمحاولات وايد ويلسون في العثور على الشرير الذي شوهه ليعيده إلى حالته الطبيعية أمر متقبل تمامًا، بل يشجعه عليه الجمهور، وفي الجزء الثاني إنقاذه للطفل الذي بدا كأنّه الابن الذي لم يُنجَب له ولحبيبته أمر شخصي للغاية، ولكن تعاطفنا معه أيضًا.

تأثّر فيلم لوجان أيضًا بهذا التغيير، فنجد أنَّ الجزء الأول منه الصراع هو فقط للبقاء على قيد الحياة، لم يكن هدف وولفرين إنقاذ شخص ما سوى نفسه وصديقه، وباقي الفيلم الطفلة التي تعلق مصيرها به، وعلى الرغم من أنَّ هذه الحروب الشخصية قد تبدو تافهةً بجوار الأهداف الكبيرة مثل: إنقاذ الكوكب من ثانوس في الأفنجرز، ولكنّها حصلت على اهتمام وتعاطف أكثر من المشاهدين.

اللعب على عيوب أفلام الأبطال الخارقين الأُخرى

ديدبول وأبطال أكس مان

هل فيلم ديدبول هو فيلم أبطال خارقين؟ بالطبع نعم، ولكنّه لا يقول على نفسه إنّه بطل خارق!

هذه نقطة قوة استخدمها صُنّاع فيلم ديدبول بغاية الذكاء، هم بتصريح بطلهم إنّه ليس بطلًا بالأساس، وهدفه ليس حماية الآخرين حصلوا على تذكرة مجانية تخول لهم السخرية واللعب على عيوب أفلام الأبطال الخارقين الأُخرى، سواءً تلك الخاصة بسلسلة الرجال أكس التابعة لنفس شركة الإنتاج أو عالمي مارفل ودي سي.

نقد النوع الذي قام به فيلم ديدبول ساهم في إثرائِه، وكشف عيوبه، بل التلاعب بها وإظهارها بصورة مثيرة للسخرية لدرجة جذابة، وشاهدنا تأثير ذلك على أفلام مثل: Thor: Ragnarok  الذي سخر فيه بطله من نفسه عدّة مرات.

لا نحتاج لميزانية عملاقة لفيلم أبطال خارقين جيد

من أهم سمات أفلام الأبطال الخارقين الميزانيات الكبيرة الموضوعة لها، وذلك حتى تتيح لصُنّاعها استخدام المؤثرات البصرية بصورة واسعة، بالإضافة لعدّة عوامل أُخرى، وقد قام فيلم ديدبول بخرق هذه القاعدة بوضوح، فالجزء الأول بلغت ميزانيته الكاملة 58 مليون دولار، بينما فيلمي مارفل اللّذين تمَّ عرضهما في ذات العام 2016، وهما كابتن أمريكا ودكتور استرينغ كانت ميزانية كلّ منهما 250، 163 مليون دولار على الترتيب، أي أربعة أضعاف ميزانية ديدبول تقريبًا، وأيضًا كانت ميزانية فيلم X-Men: Apocalypse  في ذات العام 178 مليون دولار، بينما بلغت ميزانية فيلم Batman v Superman: Dawn of Justice من عالم دي سي السينمائي 300 مليون دولار.

وبالتالي أوضحت الأرقام أن ليس بالميزانيات العظيمة فقط يتمُّ صنع أفلام جيدة، بل إنَّ فيلمًا يُعتبر محدود الميزانية كديدبول استطاع ليس فقط حصد إيرادات أكثر من ميزانيته عشرات المرات، فقد تعدت إيراداته 780 مليون دولار، ولكن كذلك حصل على ترشيحات عدّة للجوائز منها ترشيحين للجولدن جلوب.

كيف تصنع جزءًا ثانيًا أفضل؟

ديدبول 2

قام فيلم ديدبول بالجزء الأول بكسر الكثير من قواعد النوع كما أوضحت، بل وضع قواعد جديدة وأبهر المشاهدين، لكن وقع في مشكلة وهي ماذا يستطيع أن يقدّم في جزئه الثاني حتى يحافظ على هذا الابهار؟

هذا السؤال تمت الإجابة عنه في الجزء الثاني، الذي امتلك الفرصة أكثر من الجزء الأول في استخدام القواعد الجديدة التي وضعها لنوعه السينمائي، فالجزء الأول على الرغم من كونه ساعتين إلا عشر دقائق، إلّا أنّ زمنه لم يكن كافيًا سوى بالتعريف بشخصية ديدبول والعالم المحيط بها، لكن لم نشاهده يقيم تحالفات أو يستخدم قدراته لهدف سوى الانتقام، والجزء الثاني تجاوز مرحلة تأسيس الشخصية لمشاهدتها، وهي فعّالة في عالمها الجديد، أيضًا استطاع كُتّاب الفيلم تقديم جرعة كوميدية أكبر من الجزء الأول على الرغم من بداية الفيلم المأساوية.

وهي النقطة الثالثة التي أود التحدث فيها، ففي الجزء الأول على الرغم من وقع تشوه ديدبول عليه، فإن ذلك التأثير الخارجي لم يكن عاملًا دراميًا كافيًا حتى مع ارتباطه بفقدان حبيبته خوفًا من نبذها له، ولكن الجزء الجديد تمّ إيجاد عامل درامي مهم محرك للأحداث وهو الفقدان الفعلي للحبيبة، والذي ترك ندبة حاول وايد ويلسون تجاوزها من خلال أحداث الجزء الجديد.

في الحقيقة راهن صُنّاع فيلم ديدبول بجزئيه الكثير من الرهانات، والتي بالتأكيد ظن الكثيرون في مجال صناعة الأفلام بهوليود إنّها مجنونة، ولن تؤدي إلَّا إلى الفشل الذريع، ولكن النجاح الساحق الذي حققه الفيلم أكَّد على أنَّ تصنيف أفلام الأبطال الخارقين كان بحاجة بالفعل إلى فيلم يكسر من قواعده العتيدة، ويجعله أكثر مرونةً حتى يستطيع الاستمرار لفترة أطول في سوق السينما، وأتى فيلم ديدبول بجزئه الثاني ليؤكد على صحة نظرة صُنّاعه، وتعطش المشاهدين للمزيد من هذه الأفلام المجنونة التي تناسب روح العصر الأكثر جنونًا.

 

اقرأ أيضًا :

2

شاركنا رأيك حول "كيف غيّر فيلم Deadpool تصنيف الأفلام الأبطال الخارقين للأبد؟"