“فالصمت في حرم الجمال جمال”… أفلام عالمية دون موسيقى تصويرية

أفلام بدون موسيقى تصويرية
2

على الرغم من كون الموسيقى عنصرًا هامًا من عناصر السينما؛ لما تلعبه من دور رئيسي في سرد ​​القصة، يرى الناقد فيشنو ورير من خلال مقاله على موقع “The Cinemaholic” أنَّ الفيلم يمكن أن يعبّر عن نفسه بشكلٍ كامل دون الحاجة لموسيقى تصويرية؛ إذ يعتقد أنَّ قوّة رواية القصة ترتكز بشكلٍ أساسي على الجماليات المرئية وعمل الشخصيات، إلَّا أنَّ هناك عددًا قليلًا جدًا من صُنّاع الأفلام الذين استفادوا من هذه الجوانب، وغالبًا ما كانت الموسيقى في أفلامهم مجرد أداة لإشراك المشاهد، وقد يعمل هذا أو لا يعمل تبعًا لكيفية استخدامه.

في هذا المقال نستعرض لكم مجموعةً من الأفلام السينمائية التي لا تحتوي على أيِّ موسيقي تصويرية…

(Caché (2005

تحفة مايكل هانيكه السينمائية “Caché ” أو “مُخبأ”، الفيلم الذي قدّمه عام 2005، فكان له مخرجٌ وكاتبٌ للسيناريو، ولعب فيه كلّ من دانيال أوتيويل، والجميلة جوليت بينوش دوري البطولة. الفيلم فرنسي وينتمي إلى نوعية أفلام الإثارة، إلَّا أنَّ أحداثه تنطوي على ما هو أكثر من ذلك، فكما وصفه الناقد الأمريكي الراحل روجر إيبرت: هو فيلم إثارة نفسي، يتناول حالة الرعب التي تُصيب زوجين، بسبب مجموعة من أشرطة الفيديو مجهولة المصدر، يتمّ وضعها أمام باب منزلهما، مما يجعل التوتر يُصاحب المُشاهد طوال أحداث الفيلم.

عمل هانكيه على تقديم حبكة درامية تتجاوز مصطلح “من فعلها؟!” – أي فكرة البحث عن الجاني – فقدّم ذلك من خلال مجموعة من المشاهد التي غلب عليها طابع الغموض، فكانت أغلب اللقطات عبارةً عن لقطات ذات حجم كبير Wide Shot لا يمكن أن يتبين المُشاهد من خلالها وجه نظر أيّ من الشخصيات الرئيسية.

الفيلم لا يحتوي على موسيقى تصويرية، وقد أعاد هانكيه من خلاله تعريف أُسلوب السرد السينمائي بطريقة غير متوقعة.

(The Wind Will Carry Us (1999

يُعدُّ فيلم “The Wind Will Carry Us / الرياح ستحملنا” هو أحد الروائع التي قدّمها المخرج الإيراني الراحل عباس كيروستامي خلال مسيرته السينمائية الحافلة، إذ قدّم من خلاله حكايةً إنسانيةً استثنائيةً، تدور حول مجموعة من الصحافيين يصلون إلى قرية كردية لتغطية حادثة وفاة امرأة.

يصنع كيروستامي من فيلمه تحفةً سينمائيةً غير تقليدية، فيتخلى عن استخدام الموسيقى التصويرية التي قد تمنح المشاهد إحساسًا بالانتقال إلى ذلك العالم الذي خلقه، مستبدلًا إياها بمجموعة من المناظر الطبيعية الخلّابة كان لها دور مهم خلال أحداث الفيلم كما القصة والشخصيات.

(About Elly (2009

استطاع المخرج الإيراني أصغر فرهادي أن يجعل المُشاهد على حافة مقعده طوال أحداث فيلمه “About Elly / حول إيلي”، الذي ينتمي إلى نوعية أفلام الدراما والغموض، وذلك دون الاستعانة بموسيقى تصويرية، معتمدًا فقط على صوت البحر الذي تدور أحداث الفيلم على شاطئه.

استوحى فرهادي فيلمه “About Elly” عن فيلم الغموض والدراما الكلاسيكي الذي قدّمه الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني عام 1960 بعنوان “L’Avventura” أو “المغامرة”، إلَّا أنَّ فرهادي استخدم عنصر الغموض في فيلمه “About Elly” لاستكشاف الجوانب المظلمة في النفس البشرية، أثناء بحث الشخصيات عن الحقيقة طوال أحداث الفيلم، إذ تبدأ الشخصيات في الكشف عمّا بداخلها، فيصبح الفيلم بشكلٍ أكبر عن الشخصيات بدلًا من غموض البحث عن إيلي.

الفيلمُ تجربةٌ سينمائيةٌ ساحرةٌ ستظل عالقةً في ذهن المشاهد إلى الأبد.

(Once Upon a Time in Anatolia (2011

فيلم (Once Upon a Time in Anatolia (2011

لا شك أنَّ التركي نوري بيلجى جيلان هو أحد أفضل مخرجي السينما الموجودين على الساحة العالمية، فيمتلك جيلان بساطة عباس كياروستامي، والأناقة الشعرية لأندري تاركوفسكي، وإنسانية ثيو أنجيلوبولوس. فيلم “Once Upon a Time in Anatolia” أو “ذات مرة في الأناضول” هو مزيجٌ رائعٌ من تلك العناصر، التي جعلت منه واحدًا من الروائع السينمائية.

الفيلم لا يحتوي على موسيقى تصويرية، وقد استخدم جيلان بدلًا منها أصوات الطبيعة، وهو ما سمح للمشاهد بالتعرّف بشكلٍ أعمق على الشخصيات التي قدمها جيلان خلال فيلمه. كذلك، كان لاختفاء الموسيقي تصويرية بالفيلم أثره في إضفاء مزيدًا من الواقعية على الأحداث، وهو ما تماشى مع الطابع السوداوي الكئيب الذي أراده جيلان لفيلمه، فكأنَّ الأمر بمثابة دعوة من جيلان ليصبح المُشاهد جزءًا من عالمه.

الفيلم تجربة إنسانية عميقة ستجعل من نوري جيلان واحدًا من عظماء السينما في كلِّ العصور القادمة.

(The White Ribbon (2009

فيلم (The White Ribbon (2009

غالبًا ما تثير أعمال النمساوي العظيم مايكل هانيكه حفيظة الكثيرين بسبب منهجه المتشائم المخيف. لكن على الجانب الآخر، نجد الكثير من شخصياته التي قدّمها على شاشة السينما على الرغم من أنَّها تبدو سيئةً وبغيضةً بكلّ ما تحمله الكلمة من معني، فإنّها عاطفيةٌ من الداخل – أيّ أنَّ هانكيه يصنع شخصيات مركبة.

يُعدُّ فيلم “The White Ribbon / الشريطة البيضاء”، الحاصل على السعفة الذهبية Palme D’Or عام 2009، هو أكثر أعمال هانكيه تحديًا وطموحًا من الناحية الفلسفية حتى الآن، فيصور الفيلم حياة مجموعة من الأشخاص يعيشون في قرية ألمانية في أوائل القرن العشرين.

التصوير السينمائي للفيلم رائع، إذ تمّ تصويره بالكامل باللونين الأبيض والأسود، مما منح الفيلم جوًا أصيلًا مناسبًا للفترة التي يتناولها، فكأنَّ هانكيه قد صنع تحفةً فنيةً قادرةً على الاستحواذ على عقل المُشاهد بعد نزول تترات البداية مباشرةً.

(Four Months, Three Weeks and Two Days (2007

(Four Months, Three Weeks and Two Days (2007 فيلم

يروي فيلم “Four Months, Three Weeks and Two Days” للمخرج وكاتب السيناريو كريستيان مونجيو، حكاية امرأة حامل تحاول إجهاض جنينها بطريقة غير قانونية بمساعدة صديقتها، في رومانيا عام 1980. الفيلم قادر على جذب المشاهد منذ اللحظة الأولى؛ وذلك بسبب التوتر المصاحب للأحداث مع المشهد الأول، هذا بالإضافة إلى اهتمام مونجيو بأدق التفاصيل فيما يتعلق بالشخصيات ومواضع الكاميرا. الفيلم كذلك لا يحتوي على موسيقى تصويرية، وهو الأمرُ الذي تماشى مع أجوائِه الواقعية.

حصل الفيلم على السعفة الذهبية من مهرجان كان، وجائزة الاتحاد الدولي للنقاد “الفيبريسي”، ورُشّح لجائزة الجولدن جلوب كأفضل فيلم أجنبي.

(A Separation (2011

(A Separation (2011 فيلم

ما الحاجة إلى موسيقى تصويرية في وجود أصغر فرهادي؟… إذا نظرنا إلى الأمر بشكلٍ جدي، فهناك عددٌ قليلٌ من صُنّاع الأفلام قادرين على إبقاء المشاهد على حافة مقعده أثناء مشاهدة عمل يندرج تحت تصنيف أفلام الدراما الإنسانية.

إنَّ عبقرية فيلم “Separation / انفصال” لا تكمن في القصة بقدر ما نجح فرهادي في تقديمه من خلالها، فيبدو الفيلم للوهلة الأولى كدراما طلاق تقليدية، لاحقًا تبدأ الشخصيات في الكشف عمّا بداخلها فتجعل المشاهد يطرح بعض التساؤلات حول أخلاقياتها. كلّ ذلك جعل من فيلم “Separation” في المجمل مادةً لا يوجد مخرج قادر على صناعتها بقدر فرهادي.

الفيلم لا يحتوي على أيِّ موسيقى تصويرية، إلَّا أنَّ التوترَ الذي خلقه فرهادي في كلِّ مشهد قادرٌ على أن يجعل المشاهد منغمسًا كليًا في الأحداث ناسيًا أيّ شيء آخر.

(Uzak (2002

فيلم (A Separation (2011

تكمن عبقرية فيلم “Uzak” أو “مسافة” للمخرج نوري بلجي جيلان في اعتماده على الأثر القوي القادرة بصريات السينما على إحداثه، يوحي عنوان الفيلم بالبرودة وربما الجفاء أيضًا، وهو بالضبط ما يدور حوله الفيلم. ذلك، الإحساس بالانفصال العاطفي عن الناس والأشياء الأقرب إلينا، نختبرها كبشر في مرحلة ما من حياتنا.

في ظل الجمل الحوارية القليلة وعدم وجود موسيقى تصويرية، فإنَّ أُسلوب جيلان البسيط قد يبدو صعبًا للغاية، لكن قد يصبح الأمرُ على العكس من ذلك عندما يكون المُشاهد على استعداد لكي يغرق كليًا في عالم جيلان الساحر.

(Winter Light (1963

فيلم (Winter Light (1963

لدى إنجمار بيرجمان تلك القدرة على جعل المشاهد غارقًا في عالمه المليء بالمشاعر الإنسانية بما تحويه من حميمية وجمال غريب، فيتعرض فيلم “Winter Light / الضوء الشتوي” لموضوعات بيرجمان المألوفة حول الوجودية والإيمان، فالفيلم هو رحلة لاستكشاف تلك العلاقة المعقدة للإنسان مع الله، وقد تخلى بيرجمان عن فكرة الاستعانة بموسيقى تصويرية في فيلمه، إذ أراد أن يخلق جوًا قاتمًا للغاية يعكسُ الفراغَ والقلقَ الذي يعتري بطل الفيلم.

(Two Days, One Night (2014

(Two Days, One Night (2014 فيلم

قد يبدو الأُسلوب الواقعي الذي ينتهجه كلّ من الأخوين داردين جافًا عاطفيًا وكئيبًا من الناحية الجمالية، لكن يبقى فيلم “Two Days, One Night/ يومان وليلة” دراما إنسانية قوية للغاية استعرض من خلالها الثنائي قدرتيهما على رواية القصص التي تصبح فيها الشخصيات هي المحرك الأساسي للأحداث.

فيتناول الفيلم معاناة امرأة مع مرض الاكتئاب تعود إلى عملها، لتكتشف أنَّ زملاءَها في العمل يستفيدون من غيابها، حيثُ يحصلون على مكافآت نظير العمل الإضافي، لتجد بطلة الفيلم نفسها لا تمتلك سوى عطلة نهاية الأسبوع لإقناع زملائِها من أجل التخلي عن مكافآتهم؛ لكي تتمكن هي من العودة إلى العمل مرةً أُخرى.

الفيلمُ لا يحتوي على موسيقى تصويرية، إلَّا أنَّ كلَّ مشهد بالفيلم قوي دراميًا بما يكفي لجعل المُشاهد منجذبًا إلى الأحداث.

(Dog Day Afternoon (1975

فيلم (Dog Day Afternoon (1975

قد لا يدرك المُشاهد بعد الانتهاء من مشاهدة في فيلم “Dog Day Afternoon / عصر يوم قائظ”، أنَّه قد أمضى قرابة الساعتين في مشاهدة فيلم تدور أحداثه حول عملية سطو غريبة تتمّ على أحد البنوك، دون أن يتمّ الاستعانة طوال تلك المدّة بموسيقى تصويرية، وهنا تكمن عبقرية سيدني لوميت.

الفيلم مبني على أحداث حقيقية وقعت بداية السبعينات، من بطولة آل باتشينو، الذي يلعب دور شاب يدعى سوني يقوم بعملية سطو على أحد المصارف للحصول على المال من أجل إجراء عملية تحول جنسي لصديقه. الفيلم لا يحتوي على موسيقى تصويرية، وقد أضفى ذلك واقعيةً وجديةً على حبكة الفيلم التي تبدو هزليةً.

(M (1931

فيلم (M (1931

يُعدُّ فيلم “M” واحدًا من أهم الأفلام في تاريخ السينما، فتدور أحداثه في مدينة ألمانية تشهد حالةً من الرعب بسبب وجود قاتل متسلسل للأطفال بها، تفشل الشرطة في إلقاء القبض عليه، ما يجعل مجرمي المدينة يشاركون رجال الشرطة في عملية القبض على القاتل.

لا يمكن وصف أيّ عمل سينمائي قدّمه المخرج الألماني فريتز لانج بالتقليدية، ففريتز الذي لم يكن من مؤيدي استخدام الموسيقى التصويرية في أفلامه، يستخدم الصمت في فيلم “M” لتكثيف التوتر ورفع حالة الرعب والترقب لدى المشاهد، وقد نجح هذا التكنيك نجاحًا شديدًا في تحويل الفيلم من مجرد فيلم ينتمي إلى نوعية أفلام الجريمة والغموض إلى أحد أفلام الرعب التي ستظل صالحةً للمشاهدة مهما طال الزمن.

(Beyond the Hills (2012

فيلم (Beyond the Hills (2012

يمكن القول أنَّ فيلم “Beyond the Hills / ما وراء التلال” هو أكثر الأعمال التي تمّ التقليل من شأنها للمخرج كريستيان مونجيو، فتدور أحداث الفيلم حول علاقة بين امرأتين نشأتا معًا، تنتقل واحدة إلى ألمانيا بحثًا عن حياة أفضل، بينما تلتحق الأُخرى بالدير لتصبح راهبةً بالكنيسة الأرثوذكسية، ويرصد الفيلم اجتماع المرأتين معًا مرةً أُخرى. الفيلم تمّ تصويره بالاستعانة بأزياء ومواقع تصوير حقيقية دون الحاجة إلى القيام بالكثير من الخدع السينمائية، وهو كذلك لا يحتوي على موسيقى تصويرية مما تناسب مع طبيعة السرد.

حصل “Beyond the Hills” على جائزة أفضل سيناريو من مهرجان كان السينمائي عام 2012، ويُعدُّ الفيلم العمل الخامس في مسيرة مخرجه كريستيان مونجيو.

(Rope (1948

فيلم (Rope (1948

تجربة ألفريد هتشكوك الأقل شهرةً بين أعماله، والتي لم تنل استحسان الجمهور أو النقاد وقتها، لكنها استطاعت أن تحقّق نجاحًا نسبيًا، وتحتل مكانًا فريدًا بين العديد من الكلاسيكيات التي صنعها خلال مسيرته الطويلة والناجحة. فيلم “Rope / حبل” هو أكثر أعمال هتشكوك جرأةً من ناحية التجربة، إذ تمّ تصوير الفيلم وعمل المونتاج له بطريقة تجعل اللقطات تبدو وكأنَّها لقطةٌ واحدةٌ مستمرةٌ أو ما يُعرف بالـ Long Take، وهو ما منح الفيلم واقعيةً على عكس أعمال هتشكوك الأُخرى، والتي قد تمنح المُشاهد شعورًا بأنَّ مواقع التصوير غير حقيقية. كذلك، تخلى هتشكوك في الفيلم عن الموسيقى التصويرية، مما خلق جوًا فريدًا من التوتر وجعل أُسلوب السرد أكثر تطورًا.

(Interiors (1978

فيلم (Interiors (1978

دراما عائلية سوداء قدمها وودي آلن بعنوان “Interiors” كانت بمثابة نقطة تحول في مسيرته المبكرة، مع تقديم الأفلام الرومانسية الكوميدية التي ساهمت في تكوين هويته كمخرج.

الأُسلوب والجماليات في الفيلم يظهر فيها تأثُّر آلن الواضح بأسلوب السويدي إنجمار برجمان، حتى أنَّ آلن قد خفف من حس الدعابة الخاص به ليضفي بعض الظلمة على فيلمه، وهو ما تناسب مع سعيه خلال أحداث الفيلم الكشف عن مكنون الطبيعة البشرية. الفيلم لا يحتوي على موسيقى تصويرية، إلَّا أنَّ آلن استطاع التعبير عن العاطفة بداخل شخصيات فيلمه بشكلٍ مذهل.

قد يُعدُّ الفيلم أكثر أعمال وودي آلن افتقارًا للمتعة والحيوية، إلَّا أنَّه في النهاية تجربةٌ قادرةٌ على ترك بصمتها بداخل المُشاهد.

2

شاركنا رأيك حول "“فالصمت في حرم الجمال جمال”… أفلام عالمية دون موسيقى تصويرية"

أضف تعليقًا