فيلمُ الملاك: الحيرةُ بين وقائع الكتاب وإثارة الفيلم

فيلم الملاك
0

يُعتبر أشرف مروان شخصيةً مثيرةً للجدل، فهناك من يرى أنَّه جاسوسٌ قام بخيانة بلده واستغل مكانته لتمرير معلومات بالغة السرية لإسرائيل، وهناك من يرى أنَّه شخصيةٌ وطنيةٌ قامت بأكبر عملية خداع لإسرائيل.

بشكلٍ عام، من الصعب تقديم إجابة محددة عن هذا السؤال؛ لأنَّ ذلك يحتاج إلى إتاحة الوثائق والمعلومات من الطرفين، ثم تحليلها ومحاولة تفسيرها على يد الباحثين، وهو مجهودٌ ضخمٌ.

لكن لحسن الحظ، من السهل الإجابة على سؤال آخر، وهو هل يمكن اعتبار الفيلم الذي أطلقته نتفيليكس منذ أيام، فيلم جيد تتوافر فيه الشروط الفنية اللازمة للفيلم السينمائي الجيد؟ هذا السؤال أسهل من السؤال السابق؛ لأنَّه لا يتطلب مجهود بحثي حول حقيقة أشرف مروان، بل يتطلب معرفة هل حقّق الفيلم متعةً للمشاهد أم لا؟ فالمتعة هي الشيء الرئيسي الواجب توافره في أيِّ عمل فني.

تدور أحداث الفيلم حول أشرف مروان، زوج ابنة الرئيس جمال عبد الناصر، ويعرض الفيلم بشكلٍ سريع في البداية الخلاف الظاهر بين عبد الناصر وأشرف مروان، حيثُ يضيق أشرف مروان بالمراقبة التي يفرضها عليه الرئيس عن طريق مساعده سامي شرف، ونصل إلى بيت القصيد سريعًا عندما يستغل أشرف مروان وجوده في لندن للدراسة، ويقوم بمحاولة الاتصال بالسفارة الإسرائيلية وعرض خدماته عليها، لكن تتجاهله السفارة الإسرائيلية في البداية، نتيجةً لعدم معرفتها بمكانته. لكن سرعان ما يتغير الأمر بعد موت عبد الناصر، وتولي السادات حيثُ يقوم في هذا الأثناء، تعاون سري ومثمر بين الطرفين.

نقد فيلم الملاك

“يحتوي النقد على حرقٍ للأحداث”

يعتمد المخرج أريل فرومين وكاتب السيناريو ديفيد أراتا على كتاب “الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل” للكاتب يوري بار جوزيف أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، ولقد ترجم هذا الكتاب للعربية وأثار جدلًا واسعًا؛ نتيجةً لتقديم المؤلف مجموعة من الدلائل تدل على جاسوسية أشرف مروان. لكن الفيلم هنا لم يكن صورة طبق الأصل لما جاء بالكتاب، بل نستطيع أن نلمس صوت خاص ومميز لصناعه.

فتوجد الكثير من البهارات والإضافات للفيلم، حتى يكتسب طابع التشويق والإثارة، فلقد حاول المخرج وكاتب السيناريو تقديم فيلم بوليسي بالأساس. لذا، تمّ التعامل مع الكتاب على أساس اقتباس الأحداث التي تحقق هذا الغرض فقط، مثل واقعة محاولة إسقاط الطائرة المتجهة لإسرائيل، والتي تمَّ افتتاح الفيلم بها.

أو إضافة بعض عناصر الإثارة في مشهد قيام أشرف مروان بأخذ وثائق سرية من مكتب جمال عبد الناصر أثناء الجنازة، ويبدو أنَّ الأحداث المثيرة الموجودة في الكتاب قليلة ونادرة. لذا، اعتمد صُنّاعه على الخيال لتحقيق الهدف المطلوب.

فتمّ اختلاق شخصية وهمية كالممثلة البريطانية “ديانا أليس” التي تعشق أشرف مروان وتقوم بمساعدته بدون مقابل، ولقد تمّ اختلاقها حتى يكون الفيلم على غرار الأفلام البوليسية الشهيرة التي يوجد فيها دائمًا عشيقة أو عشيقات للعميل السري، والطريف في هذا الصدد، أنَّه في أحد مشاهد الفيلم تمّ ذكر شخصية جيمس بوند بين أشرف مروان وديانا أليس، حيثُ عقدت ديانا أليس مقارنةً بين أشرف وجيمس بوند!

وتم تضخيم دور سامي شرف، حيثُ ظهر في الفيلم كشخص يحاول الإيقاع بأشرف مروان والانتقام منه وذلك أثناء وجوده في السجن، وطبعًا ذلك غير موجود في الكتاب ومخالف للواقع أيضًا، لكن تمّ إضافته حتى يتمّ خلق صراع خارجي في الفيلم يقوم بين البطل وخصمه، وهذا النوع من الصراع الخارجي غير موجود بالكتاب، فالصراع الموجود في الكتاب هو صراع نفسي بالأساس يدور داخل شخصية أشرف مروان نفسه، الحائر بين انتمائِه لوطن معين وتقديمه في نفس الوقت معلومات سرية لبلد تعتبر العدو الأول لبلده. لذلك، عمد يوري بار جوزيف في عدد غير قليل من الصفحات إلى محاولة تحليل شخصية أشرف مروان نفسه، لكن يبدو أنَّ صُنّاع العمل وجدوا أنَّ هذا النوع من الصراع النفسي صعب تجسيده على الشاشة، فعمدوا إلى خلق صراع وهمي وتجاهل الصراع النفسي باستثناء بعض المشاهد القليلة مثل: لحظة بكاء أشرف مروان أثناء مشاهدته لخطاب السادات في الكنيست.

صورة من فيلم الملاك

غلب على الفيلم منذ البداية هدف تقديم فيلم بوليسي فقط، ولا شيء سوى ذلك، ولقد تمّ مخالفة الكتاب في مرات كثيرة وبطريقة مضحكة أحيانًا حتى يتمّ تحقيق عامل الإثارة، والمثال الأشهر على ذلك، تقديم شخصية القذافي بطريقة كارتونية، حيثُ تمّ تقديمه كملك من ملوك ألف ليلة وليلة، تحاط به الغواني والراقصات، وذلك في مخالفة لمؤلف الكتاب الذي لا ينفي جنونه لكنّه تطرق في الوقت نفسه إلى الطابع التقشفي الذي ساد في بداية حكمه.

لكن تظل المخالفة الأكبر والأهم في الفيلم هي مخالفة روح الكتاب وهدفه، فإذا كان هدف الكتاب إثبات فرضية جاسوسية أشرف مروان وولائه لإسرائيل، فإنَّ هدف الفيلم هو عكس ذلك تماما، فتمّ تقديم أشرف مروان في النهاية وبطريقة مفاجِئة كشخص وفي لوطنه، حيثُ تمّ كلّ ذلك بمعرفة السادات وتحت علمه، ولقد تمّ الكشف عن هذه الحقيقة في النهاية على عادة الأفلام البوليسية فيما يعرف “بالتويست”، حيثُ يتمّ كشف شيء في النهاية يكون بمثابة المفاجأة.

بالطبع، لا يوجد ما يمنع أن يكون للفيلم السينمائي طابع خاص ومختلف عن الأصل المقتبس منه، لكن المشكلة هنا أنَّ هدف صُنّاعه مضطرب وغير محدد، فالفيلم وضع نفسه في منطقة الوسط، فلا هو فيلم أكشن جيد المستوى، ولا هو فيلم توثيقي لشخصية حقيقية مثيرة للجدل.

فالفيلم حائر بين وقائع الكتاب، والإثارة الواجب توافرها في الفيلم الجيد، فتمّ التعامل مع الفيلم على طريقة تقديم شيء من كلِّ شيء. تمّ تقديم بعض لقطات الأكشن، وتمّ تقديم بعض الوقائع الواردة في الكتاب، لكن هذه الطريقة بالذات جعلته فيلمًا حائرًا ومضطربًا في الهدف، فلا هو أخلص للنوعية أفلام الأكشن التي تهتم بالأساس بالحبكة المشوقة والمعارك المتقنة، ولا هو قدّم الفيلم كفيلم توثيقي يهتم بكشف الحقائق.

ولقد ظهر هذا الاضطراب على بطل الفيلم نفسه، مروان كينزاري، فقام بأداء الشخصية بطريقة مضطربة يسودها التخبط، فتارةً نراه جيمس بوند الجريء القوي، وتارةً نراه شخص يسعى للسلام ولديه هدف، وهذا الاضطراب راجع لاضطراب صُنّاع الفيلم أنفسهم، وبشكلٍ عام سيجد المشاهد المصري صعوبةً في التفاعل مع الممثلين؛ نتيجة التحدث بطريقة غريبة لا تمت للعامية المصرية بصلة، وهذا إن دل على شيء فيدل على عدم دقة وجدية صُنّاع الفيلم، فلم يشغل صُنّاع الفيلم أنفسهم باستدعاء مصحح للهجة المصرية، وهو شيء من اليسير حدوثه.

 وعدم الجدية لا يظهر في اللهجة فحسب، بل يظهر في الشخصيات أنفسها، فطريقة تقديم جمال عبد الناصر، تمّ بطريقة مضحكة، فظهر في الفيلم كرجل يشرب الخمر مع ابنته في السفارة ببساطة وأريحية، وهذا مخالف لما هو معروف عن عبد الناصر المشهور بمزاجه الشرقي المحافظ! فلم يشغل مؤلف الفيلم نفسه بالقراءة عن الشخصيات التي يقدمها حتى لا يظهر الفيلم بهذا الشكل الكوميدي.

الخلاصة، سيظل الخلاف حول شخصية أشرف مروان مستمر، لكن بالنسبة للفيلم لا يوجد خلاف يذكر حول ضعف العمل الفني وعدم جودته.

اقرأ أيضًا: أعمال دان براون… بين الأفلام والروايات، ماذا كانت الاختلافات؟

0

شاركنا رأيك حول "فيلمُ الملاك: الحيرةُ بين وقائع الكتاب وإثارة الفيلم"

أضف تعليقًا