فيلم “سعيد مثل لازارو” البراءة كذئب عجوز جائع!

فيلم Happy as Lazzaro
0

كقصص الأطفال وكحكايات قبل النوم تقدم لنا المخرجة والكاتبة الإيطالية “أليس رورفاغر” في فيلمها الثالث الذي شارك في مهرجان كان ونالت عنه جائزة أفضل سيناريو في كان 2018 الدراما الاجتماعية والفانتازيا فيلم Happy as Lazzaro عن قصة الفتى الطيب لازارو وأهل قريته المعزولة.

ذلك الفتى الطيب حد السذاجة صاحب الملامح الطفولية البريئة. بلا أب ولا أم. يستغله الجميع ويقبل ذلك بطيب خاطر دون إبداء أو حتى التفكير في الامتعاض تماماً كالشجرة في قصة الشجرة المعطاءة الشهيرة.

يعيش لازارو في قرية صغيرة منعزلة تدعى “إينفيوليتا” تتكون من بضعة منازل لفلاحين وعمال فقراء يعملون في وسية المركيزة ألفونسينا تاجرة التبغ. في النصف الأول من الفيلم نتعرف على عالم الفلاحين الصغير وحياتهم الصعبة وخوفهم الشديد من الذئب وأمل بعض الشباب في مغادرة القرية إلى المدينة.

الفلاحون يعيشون على الكفاف ومدينون للمركيزة دائماً. تأتي المركيزة مع ولدها الأرستقراطي المدلل الذي يشعر بالملل ثم يقابل لازارو ويقرر اختلاق قصة عن اختطافه ليجعل والدته المركيزة تدفع فدية وهمية يريد استغلالها لصالح الفلاحين التعساء يمرض لازارو بشكل مفاجئ وينتهي النصف الأول به وهو يسقط من أعلى تل.. في النصف الثاني من الفيلم تأتي الشرطة لتبحث عن الابن المخطوف فيكتشف رجال البوليس القرية المعزولة والاستغلال الغير قانوني للفلاحين من المركيزة فيتم إخلاء القرية ويُنقل أهلها إلى المدينة ويقبض على المركيزة ويحجز على أملاكها وتمر السنوات. ثم تبدأ الفانتازيا ببعث لازارو من ثباته ليجد نفسه في مستقبل عالم أبوكاليبسي.

فيلم Happy as Lazzaro

الفيلم يحمل الكثير من الدلالات في قصته وأحداثه وحتى في اختيار بعض الأسماء. فالقرية المعزولة في أول الفيلم تدعى “إينفيوليتا” يمعنى الطاهر أو البكر. واسم البطل له دلالته المقصودة.. فـ لازارو بالإيطالية هو “لعازر” بالعبرية والذي يعني بالعربية المعين. ولعازر في الإنجيل هو صديق المسيح الذي مرض ثم مات فأقامه المسيح بعد موته بعدة أيام.

تقول أليس (مخرجة وكاتبة الفيلم) في أحد ندوات مهرجان كان أن الفيلم له دلاله روحية بالنسبة لها. فالفيلم يتحدث في جوهره عن البراءة والطيبة وكيف يفكر الناس في الأخر. فلازارو مع أنه دائم المساعدة لأهل قريته الذين لا يتوانون في استغلاله إلا أن معظمهم أنكروه وتوجسوا منه وأرادوا إهماله بعد بعثه في حين أنهم أصبحوا وللمفارقة مهمشين في العصر الحديث. أثناء خروجوهم من القرية تركوه وراءهم بلا تفكير وعندما عاد أرادوا نبذه. فالبعض قال أنه شبح والبعض قال أنه شيطان حتى المرأة العجوز البائسة تشترط أن يعمل ويكسب قوت يومه ليبقى معهم. وهو لا يبالي بكل ذلك ويساعدهم بلا كلل أو ملل ولا يطلب منهم شيئاً بل يعطي كل ما يملك من طعام وشراب للأخرين.

وهذا التوجس والإنكار وعدم التقبل أحياناً هو ما دفع صانعة الفيلم أليس لربط شخصية لازارو بالذئب من خلال قصة أطفال أسطورية تمت حكايتها في منتصف الفيلم عن قديس وذئب عجوز جائع منبوذ من مجتمعه.

هناك بالطبع دلالات سياسية للفيلم تشير لاستغلال رأس المال للعمال والفلاحين على مر الأزمان مع اختلاف صور وأشكال هذا الاستغلال. فالفيلم في نصفه الأول أشبه بمحاكاة للعصور الوسطى والإقطاعيين الذين يملكون الأرض ومن يعمل عليها كعبيد. وفي النصف الثاني نرى النظام الاقتصادي الحديث وقد تطور ليصبح بعض أرقام في خزنة إلكترونية محصنة داخل بنك يحكم سيطرته على الجميع حتى على من كانوا إقطاعيين وأرستقراطيين في الماضي.

وهناك البعد الإجتماعي في استغلال القوي للضعيف والضعيف للأضعف منه في سلسلة أشبه بالسلسلة الغذائية التي يأكل فيه القوي من هو أضعف منه. وليكون بطل الفيلم لازارو هو الشذوذ الذي يثبت ويفضح تلك القاعدة. وفي الفيلم إشارة للمهاجرين الغير شرعيين حين يمر عليهم لازارو في طريقه من قريته للمدينة لنجد معاون الماركيزة نفسه وقد تقدم بالعمر إلا أنه يمارس نفس وظيفته القديمة تقريباً مع هؤلاء المهاجرين وكأنهم العبيد الجدد.

في النهاية المؤثرة نرى أهل القرية يقبلون دعوة ابن الماركيزة على العشاء بكل إجلال واحترام حتى أنهم يذهبون إليه بأقصى أناقة ممكنة بل ويشترون بكل أموالهم حلوى ليفاجئوا بأن الأمر كله مزحة سخيفة وأن حاله ليست أفضل من حالهم كثيراً فيتركون له ولزوجته الحلوى في إشارة لتعاطف تطهيري وغفران لكل ما حدث.

ثم نرى أهل القرية يحنون لأرضهم الأولى ويفكرون في الرجوع إليها. ثم يدخلون للكنيسة في خشوع وتردد لسماع موسيقى الأرجون فيُطردوا منها فتفر الموسيقى من الكنيسة إليهم تلاحقهم وتواسيهم.

يدخل لازارو البنك. البراءة البكر في مواجهة الرأس مالية. يدخله فيراه أهل المدينة المذعورون كذئب عجوز جائع يهددهم فينهالون عليه بالضرب حتى يقتلوه. يموت لازارو كنبي كفر قومه به فقتلوه أو كشهيد قتلته بشاعة العالم الذي صنعه الإنسان وصنع منه قيوده ولكي يعيش فيه عليه أن يقتل براءته.

ولأن شخصية لازارو شديدة الرمزية في الفيلم فمن الممكن تأويلها وتفسيرها للكثير من الدلالات. فنرى طوال الفيلم أن أهل قريته يتعاملون معه كشيء أو مجرد أداة. أداة محايدة يمكن استخدامها في الخير أو الشر دون اعتراض أو إصدار أحكام. فهو أداة لحمل الأشياء وتحريك الجدة ولتنفيذ مخطط كاذب عن اختطاف ابن المركيزة  ويمكنه المساعدة في إتمام أكثر من عملية سرقة. وإذا طُلب منه أن يجرح نفسه يفعل ذلك بكل تأكيد. وإذا تمت إهانته لا يرد بل لا يرمش حتى. تماماً كالطبيعة توفر لك خيراتها والأدوات والخامات اللازمة بشكل محايد بدون أحكام مسبقة إلا إن الإنسان لا يتوانى في استخدامها في الشر وإهمالها وتحقيرها وفي النهاية يبدو أنه يقتلها.

وينتهي الفيلم ونحن نشاهد لازارو وما يرمز إليه (البراءة – الطيبة – الطبيعة) من وجهة نظر المدينة الحديثة كذئب عجوز جائع غريب يتجول وحيداً بين السيارات!

المخرجة "أليس رورفاغر" مع الممثل "أدريانو تارديولو" في ندوة بمهرجان كان
المخرجة “أليس رورفاغر” مع الممثل “أدريانو تارديولو” في ندوة بمهرجان كان

ومن الجدير بالذكر أن الفيلم هو التجربة الأولى للمثل الإيطالي الشاب أدريانو تارديولو صاحب الأداء الرائع والمتقن لشخصية البطل “لازارو”.

 

0

شاركنا رأيك حول "فيلم “سعيد مثل لازارو” البراءة كذئب عجوز جائع!"