رأفت الهجان .. مسلسل جاسوسيّ من التسعينيات يمكنك مشاهدته عشرات المرات

رأفت الهجان طاقم العمل
2

في مشاهدتي الثالثة للمسلسل المصري “رأفت الهجان” في العامين الأخيرين، ومع متابعتي لقصة العميل الاستخباراتي المصريّ الأسطوريّ الذي زرعته الاستخبارات المصريّة في قلب الكيان الإسرائيليّ، وعلى الرغم من عشرات القصص التي حامت حول كونه عميلاً مزدوجاً للإسرائيليين، لا يزال هذا المسلسل من أفضل الأعمال الجاسوسيّة التي شاهدتها في حياتي، على الرغم من وجود عشرات الأعمال الهوليودية والعربية الأخرى التي تحاول تقديم أمراً مميز في مجال قديم بقدم الأدب بحد ذاته.

ما يجعلني أقول هذا في مشاهدتي الثالثة للمسلسل بعد أن تخطيت النوستالجيا في المشاهدة الأولى، والإعجاب الطفوليّ في الثانية، هو بنية المسلسل القصصية التي تجعله -بغض النظر عن صحّة القصة كما قدّمها المسلسل- أحد أفضل البنيات البوليسية الجاسوسية. ومجرد التفكير بأن هذا العمل صدر قبل ربع قرن تقريباً الآن، لا يمكنني سوى الشعور بالذهول من هذا الفنّ. ربما يكون هذا الرأي متحيّزًا قليلاً ولكنني سأحاول تبريره بشكل موضوعيّ قدر الإمكان.

كيف تسرد قصة جاسوسيّة صحيحة

المهمة المستحيلة

للتمييز فقط، هناك نوعان رئيسيّان للقصص الجاسوسيّة التي يمكنك مصادفتها أثناء تصفّح دليل التلفزيون لديك، الأول هو النوع ال”cool” الذي يحاول إظهار الجواسيس والعملاء السريين على أنهم أبطال خارقين، أعمال مثل Kingsman و James Bond وحتى Mission Impossible تركز على الجانب الرائع والممتع والخارق للجواسيس، ونوع آخر من الأعمال يأخذ مقاربة أخرى للقصص الجاسوسيّة، مع المحاولة على الإبقاء على الجانب الرائع فيها، دون التخلي عن “الواقعيّة” إن صحت تسميتها بهذا الاسم، كأعمال مثل 24 وalias وحتى سلسلة Bourne التي تحاول التركيز على الجزء “المؤلم” من حياة الجواسيس.

لا مشكلة لديّ بالنوعين شخصياً، ولكل متابع تفضيلاته بالتأكيد، ولكن النوع الثاني من هذه القصص يعاني من مشكلة الحوارات الطويلة والمشاهد البطيئة التي قد تضيع الكثير من وقت العرض دون تقديم أي فائدة فعليّة للقصة، وبينما تختلف طريقة حل هذه المشكلة من عمل للآخر، كضبط زمن الحلقة بشكل جيد في 24 أو ترك هذه الحوارات كما هي في alias، أو حتى تحويل العرض إلى مجموعة من القتالات والانفجارات والقصص الخيالية مثل Bourne، هناك طريقة أخرى للتعامل مع هذا، طريقة رأفت الهجان.

كيف يسرد رأفت الهجان أحداث القصة

رأفت الهجان

لا يمكنني إنكار وجود الكثير من الحوارات الطويلة، والميلودرامية أحياناً، في رأفت الهجان، سترى الكثير من الخطابات عن الوطنية، الكثير من الخطابات عن حماس الجاسوس الشاب، رغبته برؤية أخته، شوقه للوطن، وغيرها الكثير من المشاهد التي تبالغ في عرض مشاعره للمتابع، ولا يمكنني إنكار أن هذه المشاهد تشكّل جزءاً طويلاً من المسلسل ككل، ولكنّها وضعت بطريقة صحيحة لا تجعلها أكثر قبولاً فحسب، بل أكثر إمتاعاً.

المفتاح في هذا أمران رئيسيّان، الأول وقت انتشار القومية العربية، وكون هذا النوع من الخطاب مستحباً لدى أغلبية المشاهدين، ولو لم يكن مستحباً لدى الأغلبية الآن، والثاني هو التنقل في السرد بين الجزء البصريّ والكلاميّ، على الرغم من أن السرد مستمرّ على طول المسلسل، العرض ينتقل بك بين المشهد والآخر ليبقيك مركّزاً بما يسرد، مخالفاً الكثير من الأعمال العربية في التسعينيات، والتي يمكنك تخطي مشاهدة الجزء البصريّ فيها بالكامل والاستماع لها على الراديو دون فقدان جزء كبير من كيان القصة. يمكن القول أيضاً أن تعريف القصة على أنها “حقيقية بالكامل” وأنها “من سجل المخابرات المصريّة” يجعلها أكثر إقناعاً للمتابعين بما يحصل فيها – ولو كان فيها شيء كبير من المبالغة.

جذب المشاهد لتثبيت نظره على الشاشة ومتابعة تحركات الشخصيات وانتقالها من الدولة للأخرى وتغير تعابير وجهها بشكل واضح، ومخاطبته بالخطاب الأقرب لطريقة تفكيره في تلك الفترة، مفتاحان رئيسيان يجعلان رأفت الهجان جزءاً من الثقافة العربية، على الأقل في مصر وسوريا في فترة التسعينيات وبداية الألفية الثانية. مما يجعل السرد الطويل للكثير من الأحداث في المسلسل أمراً مقبولاً لدى المشاهدين، دون إظهار الشخصية الرئيسية على أنها بطل خارق، ودون تحويل المسلسل إلى سلسلة انفجارات وعراكات كبيرة.

السؤال الأهم الآن؟ هل هذا كافٍ لمشاهدة المسلسل الآن؟ ماذا لو كنت مناهضاً للقومية العربية أصلاً؟ حسناً، هذا ليس كافيا حتماً. ولكنّه جزء ضروري من الخلطة التي تجعله قابلاً للمشاهدة الآن. ففي وقت تركز فيه الأعمال البوليسية والجاسوسيّة على العامل البصريّ، يجب أن يكون مسلسل قديم قادرا على منافستها وأن يكون أيضاً قادراً على جذب نظر المتابع للشاشة، ومداعبة مشاعره – أحدهما أو كلاهما.

قصة من ملفات المخابرات المصرية

رأفت الهجان الحقيقي

لا يمكنني الدخول بنقاش عن كون رأفت الهجان عميلاً مزدوجاً أم لا، ولكن يمكن القول أن القصة المبنيّة على ملفات المخابرات المصرية مثيرة للاهتمام جداً. في المرتين الأولى والثانية التي شاهدت فيهما هذا المسلسل لم أكن أفكر أبداً بكون رأفت الهجان عميلاً مزدوجاً، وأخذت كل الأحداث بقيمتها السطحيّة، ولكن في المشاهدة الثالثة قررت التركز في احتمالية كون هذا الشخص فعلاً عميلاً مزدوجاً، مع علمي أن الكثير من المشاهد قد ضخّمها المسلسل لتكون دراميّة أكثر من اللازم وكي يداعب عواطف المشاهدين في تلك الحقبة، والممتع أن المسلسل -على الرغم من كونه مقتبساً من ملفات المخابرات المصرية- يبدو منطقياً في الحالتين.

ربما هذا أكثر ما يجعل المسلسل إثارة للاهتمام بالنسبة لي، الشك في كون القصة التي نراها هي القصة الحقيقية، أم أنها قصة مزدوجة، تختلف عندما تنظر لها من جانب آخر، وتحاول تفسير تفاصيلها من زاوية مختلفة.

الجزء الأكبر من القصة المسرودة يعتمد على كلام رأفت الهجان بنفسه، ولا يمكن القول أن لدى الاستخبارات المصرية طريقة للتحقق منه في تلك الفترة، أي أنه مبني على ثقة العميل المشرف على العملية برأفت الهجان، يمكن القول أن هذا الأمر عديم الأهميّة في سياق القصة عادة، ولكن عند وجود احتمال “بناء القصة على أحداث حقيقية” وأن للقصة دورًا في أحداث تاريخية ضخمة في المنطقة، يبقى تحليل الأحداث ومحاولة فهمها بأشكالها المتعددة أمراً ممتعاً.

لا يعني هذا أن القصة بقيمتها السطحيّة، أي دون التفكير باحتمالية كونه عميلاً مزدوجاً، ليست ممتعة. ولكنّ الفكرة تضيف حتماً لمتعة المشاهدة، وقد تجذب “مناهضي القومية العرب” لمشاهدة المسلسل بنظرة مختلفة.

المشي على الخط الرفيع

أمر آخر يجعل رأفت الهجان عملاً صالحاً للمشاهدة اليوم، هو قدرته على المشي على الخط الرفيع، بين العنصرية وحالة الحرب، بين التوصيف الصحيح لحياة الجاسوس وبين قوانين التلفزيون وملائمتها للمجتمع في ذاك الوقت، بين عرض الأحداث بأدق طريقة ممكنة مع إبقاءها مثيرة للاهتمام بما يكفي للمشاهد كي يتابع للحلقة القادمة. ربما لا يكون هذا واضحاً لهذا سأضع ثلاثة أمثلة عمّا أقصده عندما أقول أن هذا المسلسل مشى على خطّ رفيع جداً يفصل بين العمل المرفوض تماماً، وبين العمل التاريخي الصالح للمشاهدة.

أولاً، الفترة التي صدر فيها المسلسل لم تكن بعيدة جداً عن فترة الحرب بين الدول العربية والكيان الإسرائيليّ، وعلى الرغم من أن الحرب عادة تدفع الطرفين لتوجيه البروباغاندا بأقبح صورها على بعضهما، يبقى رأفت الهجان كمسلسل بعيداً عن العنصرية، ويظهر اليهود كفئة منفصلة من الناس، والإسرائيليّن كفئة منفصلة. دون أن “يصالح” حقيقة أن الحرب موجودة، أو أن يدفع المؤشر نحو اليمين ويباهي بالمحرقة مثلاً.

يمكنك رؤية الكثير من المشاهد التي تذكر فيها المحرقة، كاللحظات التي يتحدث فيها رأفت عن عائلته اليهودية المزعومة، ولكن لا يدفع المسلسل البروباغاندا حول المحرقة ليحولها لعمل “مشرّف” في الحرب العالمية الثانية، على الرغم من العداء الواضح لدولة إسرائيل، وفي نفس الوقت، لا يبدي المسلسل “شفقته” على الشعب الإسرائيلي المحتل في فلسطين، مبقياً الحديث على الخط الفاصل بين هاتين الهاويتين، على الرغم من كون ميلانه لناحية تقديس المحرقة قد يكون مفهوماً في فترة حرب كتلك.

حالياً، مع الآراء المتضاربة جداً حول هذا النوع من المواضيع، وجود عمل يبقى على الخط الفاصل أمر جيد جداً.

ثانياً، يصف العمل حياة رأفت الهجان بكافة تفاصيلها، ولا يخشي من البداية بعرض الحياة اللعوبة للشاب مع الفتيات اليهوديات في مصر، ونقطة ضعفه في الجنس اللطيف. وعلى الرغم على أن هذا النوع من التصوير موجود بكثافة في الأعمال البوليسية الأجنبية وبشكل أوضح، رأفت الهجان ينجح في تقديمه دون الخروج عن الثقافة المنتشرة في ذاك الوقت، بإبقاء الحديث عن هذا النوع من الأمور واضحاً، دون الدخول بالتفاصيل التي قد تجعل بعض المشاهدين يتخلون عن مشاهدته.

ربما لا يكون هذا مهماً لهذه الدرجة الآن، ولكن في تلك الفترة، جعل هذا الأمر المسلسل أكثر شعبية حتماً بين الجميع، حتى في المنازل الأكثر محافظة وتديناً.

ثالثاً، يروي رأفت الهجان تفاصيل دقيقة جداً بخصوص الجاسوس المصريّ، بداية من تعلمه، وانتهاءً بوفاته وتبليغ زوجته، ولكنه يبقي هذا السرد ممتعا بتنقله بين الأحداث وتحريك المشاهد بين المنطقة والأخرى والفترة الزمنية والأخرى بسلاسة. يبقى المسلسل على الكثير من التفاصيل الاستخباراتية التي ربما تبدو كخيال علميّ للكثير في ذاك الوقت، دون المبالغة في تقديمها وتهويلها، مبقياً بذاك “معيار الواقعية” على المنتصف، دون الاستهزاء بالمتابع، على الأقل من ناحية الدقة الاستخباراتية.

استخدام الصفات المميزة للشخصيات

ربما يكون هذا الأمر مبالغة شخصية من طرفي، وربما يكون مقصوداً من مخرج المسلسل ومن الممثل “محمود عبد العزيز” ولكن ما لا يمكنني عدم ملاحظته من لحظة البداية وحتى نهاية المسلسل، أن كافة الشخصيات الموجودة تبدو مميزة، كلها تبدو جاذبة للأنظار، عدا الشخصية الرئيسية بذاتها، رأفت الهجان. ولملاحظة هذا ربما عليك مشاهدة المسلسل لأكثر من مرة، دون التركيز على رأفت كالشخصية الرئيسية للعمل.

من البداية، يفترض لرأفت أن يكون المثال على “اليهودي المعياريّ”… ابتداء من الاسم ليفي كوهين، وحتى الشكل وطريقة الكلام والتفكير. وبينما يمكنك ملاحظة أن رأفت يرتدي ملابس اعتياديّة ويتصرف بطريقة اعتياديّة ولو على الظاهر بالنسبة ليهوديّ، وأن كل “الذكاء والحنكة” التي يمتلكها مخفيّة ولا يمكن لمن يراقبه من الخارج معرفتها، يمكنك ملاحظة أن باقي الشخصيات كلها تمتلك “صفات مميزة” تجعلها بارزة على الشاشة.

بين إدمان الخمر، الجمال الباهر، الشك المستمر، اندفاع الشباب، الطمع، الحب، وغيرها من الصفات، تلتزم كل شخصية من شخصيات المسلسلة بصفة نمطيّة تجعل من السهل تمييزها عن غيرها، في مسلسل يتضمن العشرات من الشخصيات الجانبيّة الضروريّة للقصة، وفي زمن لم تكن في دقّة العرض عالية كما اليوم، هذا النوع من التمييز النمطيّ بين الشخصيات مهم للمشاهد في تذكّرها والتفريق بينها. ويبقى ممتعاً لمحاولة وضع هذه الشخصيات ضمن التصنيفات التي يفترض لها أن تكون ضمنها.

رأفت الهجان هو الشخصية الوحيدة في المسلسل، التي لا تمتلك “صفة” ظاهرية يمكن تمييزه من خلالها، ولو أن الذكاء والحنكة والوطنيّة من الصفات التي حاول المسلسل غرزها في عقل المشاهد لهذه الشخصية، إلا أنها ليست صفات قادرة على إظهاره بين جمع من الشخصيات مثلاً.

نهاية

أعتقد أن رأفت الهجان من أفضل المسلسلات العربية في تلك الحقبة، وأنه لا يزال في ساحة المنافسة على الأقل في نظري مقارنة بالأعمال البوليسية الموجودة حتى الآن، ولو أن نظرتي لما فيه تغيرت مع الزمن، ولا تزال تتغير بكل مشاهدة، إلا أن متعتي عند رؤية حماس رأفت أمام محسن ممتاز، وتأثري لحزنه عند موت جمال عبد الناصر، لا تنقص مهما كررته على الإطلاق.

أقرأ أيضًا: بعد وفاة الساحر… 10 أدوار أيقونية في مسيرة محمود عبد العزيز

2

شاركنا رأيك حول "رأفت الهجان .. مسلسل جاسوسيّ من التسعينيات يمكنك مشاهدته عشرات المرات"