لا توجد حرية مع الجوع: مراجعة المسلسل التاريخي La Catedral Del Mar

0

مُستندًا إلى الرواية الأكثر مبيعًا فى عام 2007 بنفس الاسم للكاتب الأسباني ” إلديفونسو فالكونس”Ildefonso Falcones”، يأتينا المسلسل التاريخي “كاتدرائية البحر” أو La catedral del mar، الذي تدور أحداثه أثناء بناء كنيسة “سانتا ماريا دل مار” في وقت محاكم التفتيش فى برشلونة بالقرن الرابع عشر الميلادي.

وقد استطاع المسلسل المكوّن من 8 حلقات من تحقيق نجاح جماهيري كبير، من خلال عرضه عبر شبكة نتفليكس، حيث كان قد تم الاتفاق بينهم وبين “أرتيسميديا” الإسبانية على منح البث التلفزيوني للمسلسلات التلفزيونية من سلسلة Atresmedia وهي العلامة التجارية التلفزيونية الروائية الإسبانية.

ويجدر القول بأن الإنتاج الضخم كان يستحق، فقد ظهر ذلك في الموسيقى والأزياء والماكياج وتصفيفات الشعر، كل شيء كان رائعًا حقًا.

أقرأ أيضًا: مدة بعض حلقات مسلسل Game of Thrones الموسم الأخير لن تتجاوز الساعة!

نظرة داخل عوالم المسلسل 

مسلسل La Catedral Del Mar

يوضح لنا المسلسل التمييز الإجتماعي والصراع المستمر من أجل الحرية والعدالة والكرامة للفقراء، وإذلال أصحاب السلطة لهم، كذلك الانتقام والحب والخيانة، والتعصّب الديني في القرون الوسطى، بالإضافة لمكانة المرأة المهمّشة في ذلك الوقت وكيف كانت القسوة أساس التعامل مع النساء سواءً من الأهل أو الزوج، “محاكم التفتيش” و “النبلاء” كل هذا نراه على خلفية بناء كنيسة كاثوليكية جديدة تكريمًا للعذراء، الكنيسة الأشهر اليوم في برشلونة، كنيسة “سانتا ماريا ديل مار” ، خلال الفترة من 1329 إلى 1384. وتعتبر الكنيسة مثالًا جيدًا للتصميم المعماري القوطي الكاتالوني الأصيل.

رحلة أرناو

مسلسل La Catedral Del Mar
إذا كنت قويًا بما يكفي لحمل الحجارة، فسوف تكون أحَدَنا
– على لسان “رامون” رئيس العمال

الشخصية الرئيسية للمسلسل “أرناو إستانيول Arnau Estanyol “ نرى حياته ومساراتها تزامنًا مع بناء الكنيسة، وقد تقمّص الدور بصورة شيطانية رائعة الممثل “إيتور لونا Aitor Luna”.

حياة “أرناو” نضال مستمر من أجل الحرية والكرامة ورفع الذل عن الفقراء، “أرناو” الصبي اليتيم الذي يكبر وهو لا يعرف أمًا له إلاّ السيدة العذراء يدعوها دائمًا ويلجأ لها باستمرار، ويبرز من هنا كيف أن المسلسل قد يُرينا عبر رحلة حياة “أرناو” الإيمانية أن الإيمان المتواضع المخلص ينتصر على إيمان الطموح.

الحب والخيانة والألم والمعاناة، تلك كانت حياة “أرناو”، التى نرى فيها أحداث القرن الرابع عشر الحروب والطاعون الأسود، والطبقة الحاكمة المتعسّفة، وتجارة العبيد، ومحاكم التفتيش الإسبانية، وحتى التعصّب الديني الرافض لوجود المسلمين واليهود في المدينة.

أقرأ أيضًا: تريلر الموسم الثامن لمسلسل Game of Thrones: الجليد ضد النار أخيراً

بؤس أم

مسلسل
قامت الممثلة “ناتالي بوزا “Nathalie Poza” بدور “فرانشيسكا Francesca” والدة “أرناو”، التي كانت حياتها عبارة عن بؤس متواصل، بدءًا من ليلة زفافها التي نرى من خلالها كيف كانت معاملة النساء في القرون الوسطى بمنتهى الوحشية، لنُلقى نظرة على حق السيد الإقطاعي في الليلة الأولى للعروس، (وهو الحق الذى سمعنا عنه لأول مرة فى فيلم”Braveheart”).

“فرانشيسكا” على الرغم من كل العنف والوحشية فى حياتها، ورغم المنعطفات المؤلمة التي تأخذها حياتها فإنها تُرينا أنها في النهاية أم، فرانشيسكا كافحت للعيش، ورغم مسار حياتها فإنها لم تضعف أو تفقد قوتها وذلك ما مكّنها في النهاية من حماية ابنها، الابن الذي لم يعرفها طيلة حياته ولم يرها أبدًا.

شجاعة أب

La Catedral Del Mar مسلسل
television serie La Catedral del Mar – Diagonal TV – Director Jordi Frades

“بيرنات إستانيول Bernat Estanyol” والد أرناو، والذي قدّمه ببراعة الممثل “دانييل جراو Daniel Grao”، نرى “بيرنات” إبنًا بارًا بوالده، وبعدها كمُحب تتحطم حياته يوم زفافه، ليبدأ من هنا حياة جديدة مليئة بالتحدي والمقاومة، نرى ذلك عندما قاوم رجال اللورد لحماية زوجته، وهروبه بابنه فيما بعد لحمايته من الموت، رغم علمه بأن تصرفه ذلك سيجعله مُطاردًا من كل رجال النبلاء في أنحاء البلاد، فيُسافر عبر الغابات والأنهار والجبال للوصول إلى العاصمة، لكن “بيرنات” نجى باختبائه داخل الطبقة البرجوازية نفسها التي تطارده، مُتحمّلاً كل قسوة الحياة. عمل كما لو لم يكن هناك غد للحفاظ على ابنه على قيد الحياة، وأخيرًا عندما حصل على الحرية بعد سنوات طويلة قضاها مُختبئًا، ورغم أن هذا لم يسمح له بالامتيازات الكبيرة كمواطن حُر، فإنه دافع عن حقوقه أمام نبلاء السلطة دون خوف مما قد يحدث له، ترك “بيرنات” في “أرناو” بصمة كبيرة كانت السبب والدافع المباشر له بعد ذلك للقتال من أجل حياة أكثر عدلاً.

نقطة أخرى لصالح “بيرنات” الذي رغم فقره وملابسه المهلهلة لم يتردد فى القيام بتربية صديق ابنه، ليصبح مسؤلواً عن توفير الطعام لطفلين جائعين بل وكان مُصرًّا على تعليمهم كذلك. وإن كانت ولادة “أرناو” الفرحة الوحيدة والأعظم فى حياة “بيرنات”، لكنه عاش كذلك لحظات سعيدة مع “فرانشيسكا” في بداية علاقتهما، على الرغم من النهاية المأساوية بعد ذلك.

أقرأ أيضًا: قصة مسلسل Prison Break: عندما تعلق بين فضيلة العدالة وشهوة الانتقام

الصداقة

مسلسل La Catedral Del Mar
يُعطينا المسلسل نظرةً أخرى عن الصداقة، وكيف أن الصداقة أحيانًا قد تكون سبب آخر لإيذائنا والتسبب بأعظم الألم لنا، حتى لو كان ظاهر الفعل من أجل حمايتنا.

نرى هذا عبر صداقة “أرناو” و”جوان” العميقة التي تمتد من الطفولة، عندما قابل “أرناو” صديق عمره “جوان” عبر شوارع برشلونة، كان صبيًا مسكينًا آخر والدته محبوسة منذ سنوات وكل ما يراه منها هو أصابع يدها عبر نافذة حديدية، وقد أصبح الصبيان أقرب إلى الإخوة، ليصطدما خلال رحلتهما في الحياة ببعض الرجال الذين يُطلق عليهم “الباستيكسوس” وهم البناءون الذين يحملون أحجارًا من محجر بعيد على ظهورهم لبناء كاتدرائية رائعة، مكرّسة لعذراء البحر، ليُصبحا حينها مُحبَيْن للعذراء وهما الصبيان اللذيْن بلا أم، فيتم قبول “أرناو” في النقابة من قبل bastaixos، بينما يتم منح “جون” التعليم الكهنوتي من قبل الكهنة لرغبته بأن يصبح كاهنًا يُكرّس نفسه لخدمة العذراء.

الحب

La Catedral Del Mar
نظرة أخرى هذه المرة عن الحب فى القرون الوسطى، حب والد “أرناو” ووالدته الذى لم يكتمل بسبب سيطرة النبلاء على الفقراء، كذلك حب “أرناو” الابن..

“أرناو” الذي أحب مرّتين فى حياته ومع ذلك تزوج من فتاة أخرى لم يكن يحبها ولم يُحسن معاملتها بالمرة، وتلك ربما تكون النقطة السوداء الأولى والأكثر سوادًا فى حياة “أرناو”، وبسببها فرّ هاربًا للمشاركة فى الحرب.

“أندريا دورو Andrea Duro” لعبت دور “ألديس Aledis”، وهي امرأة متمردة بطبيعتها، وهي حب المراهقة لأرناو، شخصية مستفزة وغير محبوبة بالمرة، ورغم هذا لا نملك إلاّ التعاطف الإنساني نحوها بسبب القسوة التى تتعرض لها من والدها وبعد ذلك زوجها، وحتى ما تتعرض له بعد ذلك من خلال إصرارها على إيجاد “أرناو” الذي هناك على الجانب الآخر يحارب تاركًا زوجته خلفه، ومع ذلك هذا لا يهم “ألديس” فهي تحب وترى أنه الطبيعي هو وجودها بجانب “أرناو”، ورغم النهاية المأساوية لرحلتها، لكنها كانت محبّة حقيقية، لعبت بعد ذلك دورًا مع والدة أرناو لإنقاذه.

“ميشيل جينر Michelle Jenner” الممثلة ذات الملامح الرقيقة كانت مناسبة جدا لدور “مار mar” الحب الحقيقي لـ “أرناو”، الطفلة اليتيمة التي تعلّقت به عند محراب العذراء فى الكنيسة التي تُبنى، ليُقنعه الكاهن بأخذها تحت جناحه لحمايتها، لتكبر فى ظله ويكبر معها حبها له، ما يجعلها ترفض الزواج لما تحمله في قلبها تجاهه، ليأتي من “أرناو” بعد ذلك ما لم تتوقعه منه أبدًا، وتلك هي النقطة السوداء الثانية في حياة “أرناو”.

أقرأ أيضًا: قصة مسلسل La Casa De Papel: عندما اكتشفنا أن التشويق والإثارة ليسوا حكرًا على الدراما الأمريكية

مسلسل La Catedral Del Mar هو محاولة لتحديد لحظة التحوّل في التاريخ الكاتالوني، من منظور خاص يركز على برشلونة، حيث يستعرض المسلسل التاريخ الكاتالوني بين “لا فيجا” و “لا نويفا” كاتالونيا، فإن العناصر الأكثر إثارة في قصة “أرناو”، تسمح لنا باستكشاف التحوّل الملحوظ الذي يحدث في العلاقات بين مختلف القطاعات الاجتماعية والعواقب العنيفة في كثير من الأحيان، وزيادة الحِراك الاجتماعي الذي ظهر نتيجة لذلك.

قصة مسلسل La Catedral Del Mar قاسية ومؤلمة تحكي عن وقت لم تكن فيه العدالة هيَ الفعل الأصوب بالنسبة للناس ولم تكن معاملة النساء هيَ الأفضل، وهذا يستدعي القول بأن المسلسل رغم كونه جديرًا بتجربة المشاهدة، لكنه غير مناسب بالمرة لذوي القلوب الضعيفة والمعرّضين لارتفاع ضغط الدم، لاحتوائه على مشاهد وحشية وعنيفة ودموية.

0

شاركنا رأيك حول "لا توجد حرية مع الجوع: مراجعة المسلسل التاريخي La Catedral Del Mar"

أضف تعليقًا