لطالما كان الرفض ندًّا للإنسان، يقف قُبالته في مجالاتِ الحياة المختلفة، مثل الحياة العاطفية، وقد يكون رفضًا من المجتمع بشكلٍ عام. يُعرقل الرفض البعض ويشلّ حركة البعض الآخر، ولكنه على مختلف أشكاله يُشعر متلقيه بأنه منبوذ، وشُعور النبذ قاتل. فهناك من يستطيعون التعامل مع الرفض وتقبله كأي عقبة قد تقابلهم في طريق السعي، بل ويعدونها فرصةً ثمينة لتطوير مهاراتهم ومُواصلة السعي إلى أن تطأ أقدامهم أرض الوصول.

والبعض الآخر لا يستطيعون تقبل الرفض بصدرٍ رحِب، يرونه كعدوٍ لدود جاء لينتقصَ منهم، يظلون واقفين مكانهم واجمين، يشعرون أن العالم بأسره قد تآمر ضدهم، فيمضي العالم في طريقه ولا يمضون. ونظرًا لانتشارِ جرائم الرفض مؤخرًا، مثل أن يقتل رجل امرأة فقط لأنها رفضت الزواج منه أو أن يحرق أحدهم شركة لم يتم قبوله للعمل فيها؛ قررتُ اليوم، أن أتتبع خطوات بعض أبطال الأفلام الذين تعرضوا للرفض وكيف تعامل كل منهم معه.

اقرأ أيضًا: أفضل أفلام نتفلكس 2022.. نماذج متنوعة من أشهر منصة عرض في العالم

Hidden Figures | فيلم 'شخصيات مخفية' وفنّ التعامل مع الرفض

  • التقييم: 7.8
  • مدة الفيلم: ساعتان و7 دقائق

هي دراما / سيرة ذاتية مُستوحاة من رواية لمارجوت دي تشارلي وتناقش فكرة التعامل مع الرفض، تدورُ أحداثها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وتتبع القصة الحقيقية لثلاث نساء أمريكيات من أصل إفريقي، واللاتي كنّ يعملن في وكالة ناسا كـ "أجهزة كمبيوتر بشرية" ونتيجة لمهاراتهن الرياضية والهندسية النابغة، شاركت كاثرين جونسون ودوروثي فوغان وماركي جاكسون، واللاتي تلعب أدوارهنّ الممثلات تراجي هينسون، أوكتافيا سبنسر وجانيل مونويه على الترتيب، في البرنامج لإرسال روّاد الفضاء الأمريكيين. ولكن باتت كل مشاركاتهنّ محدودة وضئيلة.

في ظلّ المناخ العنصريّ السائد في ذلك الوقت، تُجبَر النساء الثلاث على العمل في قسم أجهزة الكمبيوتر في المنطقة الغربية التي تقع في جناح منفصل ومعزول. كان التمييز يُمارس في تلك الحُقبة على النساء العاملات بشراسة، فما بالُك بنساءٍ من أصل إفريقي؟

مُورس عليهن تمييز مستمر وبشكلٍ مُضاعف. ولكنهن كنّ يستقبلن ذلك الرفض من الزملاء والمدراء بالعمل الجادّ والدؤوب، وحين تحتاج أمريكا لشخصٍ ليتفوق على العلماء الروس، يستقر الاختيار على كاثرين كونها الأكثر مهارةً. وقد كان هذا بمثابة اعتراف ضمنيّ بتفوقهنّ بعد سنواتٍ طويلة من الرفضِ والتهميش.

The Man who knew infinity | الرجل الذي عرف اللانهاية

  • التقييم: 7.2
  • مدة الفيلم: ساعة و48 دقيقة

سرينيفاسا رامانوجان، شابٌ هنديّ مولعٌ بالرياضيات، يأخذنا معه خلال بداية القرن الماضي في رحلةٍ مختلفة مع الرفض. بحماسٍ متقدّ يحاول رامانوجان شرح مدى حبه للرياضيات وانبهاره بها لزوجته، وأنها تشبه الرسم ولكن بدون ألوان. وقد فشل رامانوجان من التخرج من كليته بسبب دراسته الانفرادية الشبه مهووسة بالرياضيات، والتي عرضته لموجاتٍ من الرفض والسخرية من أقرانه. ولكن تلك لم تكن المواجهة الوحيدة مع الرفض.

يستمر رامانوجان في إرسال نظرياته لرياضيين إنجليز، لتُقابل دومًا بالتغافل والرفض، إلى أن حالفه الحظ ووقعت تلك النظريات في يدِ الجنرال هاردي؛ عالم الرياضيات البريطاني في كامبريدج. الذي يدرك فورًا أن ذلك الشاب الهندي يمتلك قوى فكرية مذهلة، ومن هنا، ينطلق بطلنا إلى إنجلترا ليقابله الرفض بالترحاب للمرة الثالثة.

ما إن وضع رامانوجان قدمه فوق أرض إنجلترا حتى بدأت الإهانات ونظرات التحقير من ملاحقته، لا لكونِه هنديًا في وقتٍ كانت الهند فيه تحت احتلالِ بريطانيا فقط، بل لأنه قادم من بيئة متواضعة يسعى ليلقى قبولًا لقدراته التي يراها هاردي دونًا عن البقية قدرات فائقة. جديرٌ بالذكر، أنّ هذا الفيلم هو الآخر ينتمي للسيرة الذاتية ويناقش كيفية التعامل مع الرفض، وقد توصّل رامانوجان إلى مجموعة كبيرة ومتنوعة من الصيغ الرياضية، والتي لا يزال بعضها يُستخدم لدراسة وتحليل الثقوب السوداء حتى يومنا هذا.

To walk invisible | أن تسير متخفيًا

  • التقييم: 7.4
  • مدة الفيلم: ساعتان

عندما يتعلق الأمر بالأخوات برونتي، دائمًا ما تتكاثر الأسئلة والأساطير، كيف استطاعت ثلاث نساء مُنعزلات نسبيًا، نظرًا لأنهن بنات كاهنٍ يعيش في ريفِ يوركشاير، أن يكتبنَ رواياتٍ مبهرة، تظلّ إلى وقتِنا الحاليّ محتلة لركنِ الأكثر مبيعًا؟ يتتبع الفيلم حياة الأخوات برونتي من عام 1845 حتى عام 1848 وهي الفترة التي قررن فيها أن تخرجَ كتاباتهن للنور.

كنّ يسرن بخطواتٍ ثابتة ولكن متأنية تجاه ذلك العالم الشاسع والذي كان يقتصر دخوله على الرجال فقط آنذاك. مع إدمانِ أخيهنّ للكحول وانتكاساته، وتقدم والدهن في العمر، تجد الأخوات الثلاث -إيميلي برونتي التي تلعب دورها الممثلة كلوي بيير، والممثلة فين أتكينز في دور شارلوت برونتي وأخيرًا آن برونتي التي تتقمصها الممثلة شارلي مارف- أنفسهن أمام اختيار واحد لا ثانيَ له، ألا وهو إخراج مواهبهنّ من جُحرها الكامن.

تقول شارلوت في حوارٍ لها مع أختيها في أثناء الفيلم:

”عندما يكتب رجل شيئًا ما، يتمّ الحكم على ما كتبه، ولكن عندما تكتب امرأة شيئًا ما، يتمّ الحكم عليها وعلى شخصِها.“

يناقش الفيلم فن التعامل مع الرفض. نعم، تمكّنّ بعد مُحاولات مستميتة من نشرِ أعمالهنّ ولكن مُقابل التخلي عن هويتهنّ الحقيقية ونشرها عن طريق أسماءِ رجالٍ مُستعارة، حتى يتقبل الناشر والمجتمع ما سُطّر في تلك الروايات. استمررن في التعرضّ للرفض ومقابلته بالتخفّي، إلى أن تملكتهنّ الشجاعة وقررن مقابلته بالتمردّ. من خلال شخصياتهن المتباينة تمامًا، تبرع الممثلات الثلاث في إبراز صفات كل منهن على حدة.

بين صرامة إيميلي ومسالمة آن وغموض شارلوت، هاجمت الأولى الرفضَ حتى قضت عليه والثانية كادت أن ترفع له الراية البيضاء، أما الثالثة فروّضته كحيوانٍ شرس إلى أن صارَ أليفًا يرقد تحت قدميها.

Forrest Gump | فورست غامب

  • التقييم: 8.8
  • مدة الفيلم: ساعتان و22 دقيقة

ومن الأخوات برونتي اللائي يسرن بخطواتٍ متأنية تجاه عالمٍ يرفضهن ويتغافل عن مواهبهنّ، إلى فورست غامب الذي يركض بكل ما أوتيَ من قوة تجاه هدفه، والذي حصل توم هانكس على جائزة الأوسكار الثانية من خلال تأدية دوره. يتناول الفيلم عقلية النمو أو The growth mindset التي تتيح لصاحبها القيام بأي شيء مهما بدا صعبًا، فقط إذا تحلى بالإصرار والصبر الكافي لإتمام هذا الشيء. في بداية الفيلم، يظهر فورست مع والدته وهي تخبره بأن الحياة تشبه صندوقًا مليئًا بالحلوى المتنوعة، وأنه لا يعرف أبدًا أي نوع سيحصل عليه.

لم يتوقع أي شخص حتى فورست نفسه ما ستؤول إليه حياته، تمامًا كما ضربت له أمه مثالًا بصندوقِ الحلوى. فقد كان طفلًا يُشار إليه على أنه منخفض الذكاء، يرتدي سنادات لساقيه تُعيقه عن الركض وتعرّضه للتنمر والسخرية المستمرة. وحين يتحرر من تلك السنادات أخيرًا، يركض كما لم يركض من قبل، يُطلق سراح ساقيه لمُسابقة الرياح ومسابقة أقرانه الذين سخروا منه وهم فوق دراجاتهم ويسبقهم، ويسبق الريح.

كان ذلك بمثابة الظهور الأول للرفض في حياةِ فورست، أما المشهد الآخر الذي يظهر فيه الرفض فقد كان حين اعترف لجيني -صديقة طفولته والوحيدة التي آمنت به من بين أقرانه- بحبّه ورفضته، وتلعب دورها الممثلة روبن رايت، وحينها أخبرها في مشهدٍ مؤثر:

”ربما لا أكون ذكيًا ولكنني أعرف ما هو الحب.“

رغم أن فورست يجد نفسه في مغامرات عدّة تتقاذفه، من جندي يحارب في فيتنام للاعب بينج بونج محترف، إلا أنّ حبه لجيني يظل دائمًا يسحبه ويلاحقه. وبعدما لاقى اعترافُه الرفض لم ينهر أو ييأس، بل أكمل حياته لأنه يؤمن بأن الصندوق لا يزال يحمل له العديد من المفاجآت.

Me, Earl and the dying girl | أنا وإيرل والفتاة التي تحتضر

  • التقييم: 7.7
  • مدة الفيلم: ساعة و45 دقيقة

غريغ، بطل الفيلم الأول، الذي يلعب دوره توماس مان، وإيرل بطل الفيلم الثاني، وأخيرًا توجد راشيل، تلعب دورها الممثلة أوليفيا كوك البطلة الثالثة المُصابة باللوكيميا (سرطان الدم)، يواجهون جميعًا الرفض، ولكن كلٌّ بطريقتِه.

يرفض غريغ ببساطة أن يصبحَ نفسه، أن يتقبلها كما هي، تُبقيه آلياته للحماية -الذي صنعها بنفسِه- على مسافة آمنة من تكوين أعداء، ولكنها تمنعه في الوقت ذاته من متعة التعرّف على أي أصدقاء جدد، فهو مألوف للجميع، ولكن لا أحد حقًا يعرفه عدا إيرل -صديقه أو كما يطلق عليه شريك عمله- الذي تمكّن من تخطي تلك المسافة، وأصبحا يقضيان معظم وقتهما في صنع مُحاكاةٍِ ساخرة للأفلام الكلاسيكية. مُحاكاةٍ يريانها رديئة، ولكن راشيل كان لها رأيٌ مختلف.

يمتنع غريغ عن التقديم في الجامعات لأنه شبه موقن أن جميعها سترفضه، يرى نفسه فاشلًا وليس وسيمًا بالقدر الكافي، يسيطر عليه خوف مرضيّ من الرفض، ما ينعكس بشكلٍ مباشر على تقييمه المنخفض لذاته. حين تطلب والدته منه مرافقة راشيل للرفع من معنوياتها، يتردد كثيرًا قبل أن يأخذ الخطوة. ولكن حين يأخذها أخيرًا، تغير راشيل نظرته تجاه كل شيء، وبالأكثر تجاه نفسه.

حين تكتشف راشيل سرّهما الذي حرصا على إخفائه بصناعة الأفلام، تطلب منهما أن تشاهدها جميعًا لتقتل الوقت في أثناء رحلة علاجِها. ومن ثم، يقرران صنع فيلم عن راشيل نفسها، في أثناء رحلة راشيل مع السرطان ومرافقة غريغ وإيرل لها، يختبر غريغ للمرة الأولى أن هناك عالم آخر خارج ذلك الجِدار المنيع الذي بناه لنفسه خوفًا من رفض الناس له. بدأ بفهم مشاعر من حوله بصورةٍ أكثر فاعلية، وحين ترفضه الجامعة التي حثته راشيل على التقديم فيها، يتقبل هذا الرفض ويراه محفزًا للتقديم في جامعاتٍ أخرى. كانت رحلة راشيل العلاجية بمثابةِ رحلةٍ فيصلية لغريغ، علمته ألا يهاب الخوف وأن يتقبله مثل أي جانبٍ من جوانب الحياة.