دواعي الاقتباس الفني .. بين الحق المكفول والحق المسلوب

أفلام مقتبسة
0

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

شهدت الفترة الأخيرة جدلاً واسعاً حول مفاهيم الاقتباس والسرقة في المجالات الفنية، خاصة بعدما طالت العديد من الأعمال العربية -السينمائية والدرامية- شُبهة السرقة من أعمال أجنبية شهيرة، مما دفع البعض لاتهام صُنّاع تلك الأعمال بالإفلاس الفكري والإبداعي، بينما على الجانب الآخر دافع هؤلاء عن أنفسهم بدعوى توارد الخواطر واقتصار أوجه التشابه على الخطوط العريضة فقط.

بعيداً عن ذلك اللغط من المؤكد أن قيام بعض صُنّاع السينما والدراما بنسب أعمال آخرين لأنفسهم -دون ذكر ذلك- جريمة قذرة لا تُغتفر حال ثبوتها، لكن هل يعتبر الاقتباس فعلاً إفلاساً إبداعياً؟.. ولماذا قد يلجأ بعض المبدعين إلى الاقتباس؟ وما هي أشكاله وأنماطه وضوابطه؟

اختلاف الرؤى وتعدد المناظير

فيلم The Departed وفيلم Insomnia

إحدى أكثر حالات الاقتباس الفني شيوعاً وأفضلها أيضاً هي أن يكون الاقتباس ناتج عن اختلاف الرؤى الفنية تجاه القصة الواحدة، ويمكن ملاحظة ذلك بصورة أبرز في المسرح والأوبرا إذ أعيد تقديم عروضهم الكلاسيكية عشرات المرات ولكن في كل مرة كان يتم تناولها من منظور مختلف ويضيف الكاتب والمخرج إليها من أفكارهما وتجاربهما وروحيهما.

لم تكن السينما بطبيعة الحال بمنأى عن ذلك النمط من الاقتباسات ولا يمكن اعتباره فقراً إبداعياً، فعلى سبيل المثال وليس الحصر قام المخرج كريستوفر نولان -وهو أحد أشهر وأفضل المخرجين المعاصرين- باقتباس أحداث فيلم Insomnia عن فيلم نرويجي، كما أن فيلم  للمخرج مارتن سكورسيزي تم اقتباسه عن فيلم صيني بعنوان Infernal Affairs.

بينما المثال الثاني والأكثر وضوحاً وشيوعاً هو تقديم عِدة أفلام سينمائية مُقتبسة عن نص أدبي واحد مثل مجموعة الأفلام الأمريكية وغير الأمريكية المأخوذة عن رواية “البؤساء” Les Misérables للكاتب فيكتور هوجو أو الرواية القصيرة “أنشودة عيد الميلاد” A Christmas Carol.

اقرأ أيضاً: أنشودة عيد الميلاد A Christmas Carol .. رواية قصيرة واحدة لأكثر من عشرة أفلام!

التطوير وإعادة الإنتاج

فيلم Star Wars وفيلم The Italian Job

إعادة إنتاج الأفلام ليس أمراً مستحدثاً في السينما العالمية ولكن تزايدت وتيرته في السنوات الأخيرة حتى تحول إلى ظاهرة ملفتة للنظر والانتباه، ويُعد ذلك أيضاً أحد أنماط الاقتباس السينمائي إذ يبقى العمل الفني في النهاية مُنتسباً إلى مبدعه الأصلي الذي ابتكره وطوره للمرة الأولى، المثال الصارخ الدال على ذلك مجموعة أفلام ديزني الكرتونية التي أعيد تقديمها مؤخراً في إصدارات حَيّة Live Action، بالإضافة إلى عِدة أفلام أخرى مثل فيلم The Italian Job المأخوذ عن فيلم بنفس العنوان من إنتاج 1969، وكذلك فيلم الجريمة Ocean’s Eleven.

هناك نمط آخر من الاقتباس السينمائي -ظهر هو الآخر في الفترات الأخيرة- يتشابه نسبياً مع نمط “Remake”، وهو تطوير وتمديد السلاسل السينمائية الشهيرة من خلال تقديم أجزاء جديدة منها، وأبرز مثال على ذلك سلسلة أفلام Star Wars التي أبدعها جورج لوكاس ولا تزال مرتبطة باسمه رغم استكمالها مؤخراً على يد مبدعين آخرين في مقدمتهم جى. جى. أبرامز، الأمر نفسه ينطبق على سلسلة الحركة والإثارة Mission: Impossible المأخوذة في الأصل عن مسلسل تلفزيوني.

اقرأ أيضاً: أفلام سلسلة Mission Impossible من الأفضل للأسوأ، ومراحل تطورها

تباين البيئة والثقافات

الأفلام المُعاد إنتاجها

تكون المجتمعات أكثر قدرة على تقبُل واستيعاب الأعمال الفنية -والسينمائية- والتأثر بها كلما كانت أكثر اتساقاً مع الثقافة الشعبية والموروث السردي وأقرب إلى البيئة المحيطة بهم، من هنا تَوّلد سبب آخر لاقتباس الأعمال الفنية والسينمائية، وهو إعادة سرد القصص بأسلوب يتماشى مع الموروث الثقافي والخلفيات التاريخية لمجتمع ما وتدور الأحداث حول شخصياته وفي نطاقه الجغرافي.

قد يكون المثال الأبرز على ذلك هو الفيلم الياباني الشهير “الساموراي السبعة” Seven Samurai -إنتاج 1954- الذي قامت هوليوود بـ”أمركته” من خلال فيلم The Magnificent Seven عام 1960 والذي يُصنف اليوم كأحد أفضل أفلام الويسترن وأحد أشهر كلاسيكيات السينما العالمية، ومن ثم أعادت تقديمه عِدة مرات كان آخرها في عام 2016 للمخرج أنطوان فوكوا، كما تم تمصيره من خلال فيلم شمس الزناتي للمخرج سمير سيف.

توجد أمثلة أخرى عديدة على ذلك منها الفيلم المصري “الامبراطور” الذي يعد تمصيراً لفيلم Scarface بطولة آل باتشينو، الذي أعاد رواية نفس القصة بذات الحبكة مع تغيير ما يلزم لتكون أكثر ملائمة لواقع وطبيعة المجتمعات الشرقية، والأمر نفسه ينطبق على الفيلم المكسيكي Midaq Alley المقتبس عن عمل أدبي مصري هو رواية “زقاق المدق” للأديب نجيب محفوظ.

اقرأ أيضاً: أقوى أفلام الويسترن تبعًا لتقييمات موقع Rotten Tomatoes

اقتباس الشخصيات

شخصية باتمان وشخصية كابتن أمريكا

تطورت آليات صناعة السينما كثيراً على مدار العقود الماضية ومع تطورها أصبحت مفاهيم الاقتباس وضوابطه أكثر تشعباً وتعقيداً، فلم تعد تقتصر على نقل قصة أحد الأفلام بالكامل أو استلهام خطوطها العريضة فحسب، بل امتدت لتشمل الشخصيات السينمائية الشهيرة كل على حِدة، نظراً لأن بعضها تم تناوله من خلال أفلام عديدة على يد كتاب ومخرجين مختلفين.

الأمثلة على هذا النموذج تفوق ما يمكن حصره من بينها جميع شخصيات عالم مارفل السينمائي (MCU) وشخصيات عالم دي سي السينمائي (DCU) التي تعود ملكيتها الأدبية لكتاب الكوميكس الأصلي وليس كُتّاب السيناريو، يُضاف إلى ذلك شخصية العميل البريطاني “جيمس بوند” وشخصية “زورو” والعديد من الشخصيات الخرافية مثل الوحوش “جودزيلا” أو “كينج كونج” وغيرهم الكثير.

تبقى ملكية الشخصيات على اختلافها مملوكة لمطوريها حتى لو تم تقديمها في إطار يختلف كلياً عن النص الأصلي الذي أبدعه مؤلفها الأول، مثل قيام كريستوفر نولان بتقديم شخصية “باتمان” في صورة أكثر واقعية ومن خلال سيناريو أصلي -غير مقتبس عن الكوميكس بشكل مباشر- في ثلاثية The Dark Knight، ولعلك لاحظت سابقاً أن اسم الممثلة “أوما ثورن” مدون إلى جانب المخرج “كوينتين تارانتينو” بصفتها شريكته في تطوير شخصية “العروس” بطلة فيلم Kill Bill على الرغم من أنها لم تساهم في كتابة قصة الفيلم أو السيناريو الخاص به.

اقرأ أيضاً: 10 أعوام على جوكر هيث ليدجر .. أو كيف روّج نولان للأناركية؟

في الختام يمكن القول بأن الاقتباس في السينما -وفي المجالات الفنية بشكل عام- ليس جريمة ولا ينتقص من قدر المُقتبس ولا يمكن الاعتداد به مؤشراً على النضوب أو الفقر الإبداعي، والدليل الأبرز على ذلك أن العديد من الأعمال المُقتبسة حققت نجاحاً وشهرة تفوق الأعمال الأصلية المأخوذة عنها بمراحل، بل أن بعض السينمائيين البارزين يرون أن الاقتباس يساهم في إثراء الفن السابع بأشكال عِدة.

لكن في النهاية تبقى هناك ضوابط محددة للاقتباس تأتي في صدارتها حفظ الحق الأدبي للمُبدع الأصلي والإشارة إليه بشكل صريح وواضح، وهو حق أصيل لا يسقط تحت أي ظرف أو أي مُسمى أو تبريرات واهية ومهما كان قدر الاقتباس لابد من الإشارة إلى صاحبه، وإلا تحول الأمر إلى جريمة أخلاقية في المقام الأول وجريمة فعلية في المقام الثاني يُعاقب عليها القانون في دول عِدة.

0

شاركنا رأيك حول "دواعي الاقتباس الفني .. بين الحق المكفول والحق المسلوب"

أضف تعليقًا