الفنان أحمد راتب … آخر الرجال المحترمين

الفنان احمد راتب
0

يبدو أن هذا العام لا يريد أن ينقضي إلا وقد أخذ معه أرواحًا جميلة ثرية، أرواحًا كنا معها نطل على زمن جميل، عشنا معهم ومع أعمالهم الضحك من أعماق قلوبنا، دون خدش حياءنا.

“أحمد جمال الدين راتب العقيلي” هو فنان بدرجة مهندس، عشق التمثيل على خشبة مسرح كلية الهندسة، وبعد تخرجه التحق بمعهد الفنون المسرحية وحصل على البكالوريوس من المعهد، ومارس التمثيل على مسرح الطليعة، وفي السينما والتليفزيون في أدوار بسيطة ولكنها كانت لافتة للنظر وتترك بصمة في العمل.

وفي حوار له في التليفزيون قال إنه يدين بالفضل لعمله في المسرح للفنان الكبير “جورج سيدهم”، الذي شاهده في عمل بالتليفزيون، فأعجب به جدًا ولكنه لم يكن يعرف اسمه، فظل يقوم ببروفات العمل دون إسناد الدور لأحد، حتى استطاع أن يصل إليه وأسند اليه الدور الذي كان “فاتحة خير عليه”.

أول أدوار أحمد راتب الخالدة

كانت سماته الجسدية في بداياته هي التي حددت نوعية الأدوار المسندة إليه، فنظرًا لنحافته وطوله واتساع عينيه وارتداءه لنظارة نظر، فكانت الأدوار تشبه هذه الملامح أو تتماشى معها، فمثلًا دوره في المسرحية الخالدة “سك على بناتك” وشخصية “سامح عبد الشكور”، المعيد بقسم الحشرات، والتلميذ النجيب للدكتور رأفت “فؤاد المهندس”، والذي كان يحترمه جدًا ولا يستطيع أن يجادله في الرأي، حتى إنه كان يريد أن يزوجه أيًا من بناته، بغض النظر عن رغبته هو.

سامح عبد الشكور - سك على بناتك - احمد راتب

وعلى نفس الوتيرة تقريبًا، قدم لنا شخصية “رامي البرشومي” طالب الماجستير في مسلسل “هند والدكتور نعمان”، والذي ظل يخشى أن يعلن عن اسم عائلته خوفًا من الدكتور نعمان “كمال الشناوي” ولكنه في النهاية يتخلص من الخوف ويصارحه ليس باسمه فقط بل وبحبه لصفاء “سلوى خطاب” قريبة الدكتور نعمان الذي يبارك هذه الزيجة.

وعلى الرغم من بساطة هذه الأدوار إلا أنها علقت في أذهاننا، ولا ننسى حتى اسم الشخصية التي جسدها، بل ونطلقها على من نجد شبيه هذه الشخصية في الحياة.

كذلك دوره في فيلم “يا رب ولد”، وشخصية “عيسوي” الفنان التشكيلي الذي يدَّعي الفن ويحاول أن يقنع والد حبيبته في الفيلم “فريد شوقي” بأهميته وبفنه، وقد ساعدته ملامحه وطريقة ملابسه في أن يتقمص الشخصية ويشعرنا بأنه حقًا “فنانًا بوهيميًا”.

احمد راتب عيسوي فيلم يارب ولد

ولو لاحظنا بدايات أحمد راتب نجدها كلها كانت مع عمالقة ذلك الزمان: “فؤاد المهندس – فريد شوقي – كمال الشناوي”، فسندرك كم كان محظوظًا أن تكون البدايات مع نجوم حقيقيين، وثقوا فيه وفي براعته فكان يجتهد ليكون عند حسن ظنهم به.

الانتقال من الكوميديا إلى الدراما

ظلت أدوار الفنان احمد راتب هكذا هامشية ولكنها مضحكة ومؤثرة في روح العمل حتى انتقل بعد ذلك إلي أدوار دراما أكثر منها إلي الكوميديا، فأظهرت براعته وتميزه أيضًا…

فمن منا ينسى دور “مجاور” في مسلسل “غوايش”، والذي كان يلعب فيه شخصية شريرة تقتل وتشعل الفتنة بين الإخوة “ابن ليل”، وقد أجاد في تجسيد الشخصية جدًا رغم أن الشر كان جديدًا علينا منه، ولكن نظرات عينيه الجاحظة والشارب الذي وضعه، ونبرات صوته الغليظة كلها ساعدت على تقبل الشر وإقناعنا به.

احمد راتب مجاور مسلسل غوايش

بدأ المخرجون يرون فيه فنانًا شاملًا، وليس فقط كوميديانًا، فبدأت الأدوار تتوالى عليه باختلاف نوعياتها، حتى وإن كانت صغيرة إلا أنها كانت تترك بصمة لدى المتفرج.

أحمد راتب وعادل إمام

عند مراجعة أعماله وجدنا إنه من أكثر الفنانين الذين قدموا أعمالًا مع الفنان الكبير “عادل إمام“، وكلها أدوارًا هامة جدًا ومؤثرة، هذا وان دل فإنه يدل على موهبة حقيقة وفهم لقدرات فنان قدير مثل “أحمد راتب” فـ “عادل إمام” من الذكاء في اختيار من يقف إلى جواره ولو حتى بدور صغير، وكانت كل أدواره التي قام بها مع الزعيم هي بمثابة رسائل موجهة

للجمهور، فمثلًا شخصية “شلبي” في فيلم “الإرهاب والكباب”، ذلك الصعيدي الذي يعمل ماسح للأحذية في مجمع التحرير الذي تدور أحداث الفيلم كلها فيه، ويتعاطف “شلبي” مع عادل إمام “أحمد فتح الباب”، ويقف معه بسلاحه الذي جاء من الصعيد به، هاربًا من القصاص بالثأر منه على جريمة قتل حكم عليه فيها في أقل من ثلاثة أشهر، على الرغم من أنه ظل نحو ستة عشر عامًا ليحصل على حقه في أرضه التي سرقت منه، ولما سأل البطل “شلبي”: “انت شايل سلاح ليه؟! انت وقفت معايا ليه؟!”، كان رده: “وقفت جمبك علشان مستعجل الموت!! المحاكم عندينا يدها خفيفة قوي وهي بتدي الحكم بالسجن والإعدام، وإيديها تقيلة أوي وهي بتدي الحقوق لأصحابها”.

احمد راتب شلبي الارهاب والكباب

حوار في الصميم ولخص كلامًا كتيرًا ممكن يكتب في صفحات في سطرين معبرين، الكاتب العظيم “وحيد حامد” كتب الرسالة و “احمد راتب” أوصلها بكل صدق وسلاسة وبدون افتعال.

كذلك دوره في فيلم “المنسي”، وشخصية “فرغلي” عامل التحويلة في محطة السكك الحديدية، والذي كان يعمل بالتناوب مع “المنسي – عادل إمام”، ويحكي احمد راتب أن دوره بالفيلم كان مشهدًا واحدًا فقط، وفيه يحذر البطل من التأخير عليه، فالمكان مسكون بالعفاريت وهو يخشاهم، وأن المخرج أضاف مشهدًا آخر بعد انتهاء تصوير الفيلم بحوالي شهرين، فقد شعروا أن مشهد النهاية يحتاج إلى أحمد راتب لتأكيد أنه على الرغم مما حدث للبطل من ضرب في أحداث الفيلم على يد بشر، إلا أن “ما عفريت إلا بني آدم”، ويظل “شلبي” ينادي على منسي ويسأله: “هما طلعولك يا منسي؟!”.

احمد راتب فرغلي فيلم المنسي

ولا ننسي “طيور الظلام” ودور “محسن” الذي يساعد “فتحي – عادل إمام” في الحملة الانتخابية والذي كان دوره يمثل الإنسان الشريف المعتدل الذي لا يبحث عن المال عكس فتحي الوصولي، فكان بدوره يمثل شريحة كبيرة من المجتمع.

وتوالت أعمال احمد راتب مع عادل إمام منها: “الإرهابي – اللعب مع الكبار – السفارة في العمارة – عمارة يعقوبيان – التجربة الدانماركية”.

القصبجي والدور التليفزيوني الأيقوني

ونأتي لأحد أهم أدوار الفنان الراحل احمد راتب في الدراما التليفزيونية والتي حصل فيه على العديد من التكريمات تقديرًا على العبقرية في الأداء ودور “محمد القصبجي” في مسلسل “أم كلثوم“.

احمد راتب القصبجي مسلسل ام كلثوم

دور عبقري وأداء من شدة الإتقان لاعتقدنا إنه كان “القصبجي” في عالم موازي، يقول أحمد راتب عن هذا الدور إنه عندما أُسند إليه تجسيد هذه الشخصية، بدأ يجمع كل المعلومات والأخبار التي كتبت عن القصبجي، ويسمع كل الأغاني التي لحنها، ودقق في كل صوره حتى يتدرب كل تفصيلة صغيرة فيها.

فبحث عن موديلات النظارات التي كان يرتديها، وكان يقوم بتسريح شعره حتى تبرز عظام رأسه تمامًا مثلما كان يبدو القصبجي، وكان يسأل عن طريقة جلوسه على المسرح، فكان نتاج ذلك شخصية من أعظم ما أدي في الدراما في رأيي المتواضع، وكان يقول إنه أراد بهذا العمل أن يرد الاعتبار لفنان عظيم لم يأخذ حقه في التكريم وهو على قيد الحياة.

آخر أعماله

شارك في السنوات الأخيرة في العديد من الأعمال المميزة سواء في التليفزيون أو السينما وكان وجوده إضافة للعمل ومؤشر لأهمية الموضوع المطروح بالعمل، فلقد تعودنا منه على الاختيارات الهادفة بعيدًا عن التنازلات والإسفاف، فكان دائمًا عند حسن ظننا.

كان آخر أعماله التي قدمها لشاشة التليفزيون في رمضان الماضي ومسلسل “الخروج”، في دور أب كان رتبة في البوليس ولكنه تقاعد نتيجة لإصابته، دور جميل ومؤثر يخشى على ابنه وينصحه.

رحم الله فنان قدير محترم ترك لنا رصيدًا من الإبداع الفني الذي سيخلد اسمه، مهما تعاقبت الأجيال، فالفن الجيد باق ونحن الراحلون.

0

شاركنا رأيك حول "الفنان أحمد راتب … آخر الرجال المحترمين"