أحمد زكي
0

حينما يبدأ الإنسان منا بالقراءة يجد نفسه إجباريًا في وقت ما من حياته أمام ثلاثية نجيب محفوظ أو ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، ويتكرر رقم ثلاثة في حياته فيجد في الرياضة لاعبًا واحدًا يسجل ثلاثة أهداف في نفس المباراة فيما يعرف باسم ”هاتريك“ ويجد أيضًا في الرياضيات ثلاثية فيثاغورث، يجد في الهندسة مجسم ثلاثي الأبعاد، وحتى في اللغة يوجد مصادر الأفعال الثلاثية، حتى يأتي إلى الفن فيجد ثلاثية أحمد زكي وعاطف الطيب.

تعاون أحمد زكي والطيب في خمسة أفلام، بداية من التخشيبة مرورًا بالحب فوق هضبة الهرم، وانتهاءً بالثلاثية، وقد تتساءل لمَ اخترت تلك الأفلام وأسميتها الثلاثية دونًا عن غيرها من أفلام عاطف الطيب؟

أفلام عاطف الطيب

لعلك تجد الإجابة عند عاطف نفسه وقد سُئل في أحد اللقاءات ”هل ممكن مُخرج كويس عنده موضوع عادي يقدر يطلع منه فيلم على مستوى؟“.

فيجيب عاطف قائلًا:
المخرج مش مجرد تكنيك، المخرج أساسًا مفكر وإذا كان فكره لا يظهر من خلال فيلمه فالتكنيك لن يقدم له العذر عن ركاكة الموضوع، إنما مهم أساسًا أن يكون للمخرج رؤية واضحة للمجتمع الذي يعيش فيه، رؤية واضحة لنفسه هو عايز ايه من دنيته…“.

وبما أن الطيب كان دائم البحث عن الحرية والعدالة وإنصاف المظلومين، وكان دائم البحث عن وجوه النبلاء والبسطاء بلغة سينمائية متفردة، فهو لم يجعل أفلامه استهلاكية جماهيرية واتسم في إخراجه بالواقعية، اهتم بتصوير مصر وشوارعها دون تجميل، ضف على ذلك موهبة أحمد زكي الفذة وتفرده في تجسيد انفعالات الشخصية وآلامها حتى دون كلام فيصبح من السهل الآن الإجابة على السؤال.

أحمد زكي في فيلم الهروب

من الطبيعي أن يتحدث الناس عن سلسلة أفلام متصلة تحمل فيها الأجزاء تتابعًا للأحداث، أو حتى تتكلم عن كُل فيلم على حدة، لكن لماذا قررت أن أجمع ثلاثة أفلام منفصلين بقصص وشخصيات مختلفة في حين أن كُل واحد منهم يمكن الحديث عنه ومراجعته!

في سينما عاطف لا يمكن أن تجده يعرض لك الشخصية دون أن يُبرز لك التغيير، لا يزرع الشر أو الخير المطلق ويجعلك مجبرًا أن تتقبل دوافع الإنسان كأنه خلق كما تراه على الشاشة بالعكس تمامًا، فهو يسرد لك تاريخ الشخصية وكيف تحولت وتلك النقطة الأولى المتصلة في الأفلام الثلاثة وإن كانت تلك السمة موجودة في كُل أفلام الطيب.

من كواليس فيلم ضد الحكومة

من كواليس فيلم ضد الحكومة

تتشارك تلك الأفلام في مفهوم الأرض ذات الطين والرمل والزرع، فيلم البريء وهو أول الأفلام إنتاج ١٩٨٦ فأحمد سبع الليل فلاح مصري بسيط يزرع أرضه إلى أن يتركها فيما بعد ويلتحق بالأمن المركزي، والفيلم الثاني الهروب وهو إنتاج ١٩٩١ منتصر رجل صعيدي ترك أرض والده من أجل أن يجد نفسه في المدينة القاهرة -اسمُ على مسمى- كي يحصل على فرصة عمل جيدة، وأما ضد الحكومة الفيلم الثالث إنتاج ١٩٩٢ فالأرض فيه هي العدل والبحث عن قُبلة حرية تُنبت بذورًا في أرض جديدة.

أرى أيضًا أن أسماء الأفلام متشابكة وبالترتيب الصحيح، فيولد الإنسان منا بريئًا لا يكره ولا يحمل من متاعب الحياة شيئًا، ثم تنتقل حياته إلى سلسلة من الهروب، قد يهرب من المدرسة، من المسؤولية، من الخيبات والآمال، حتى إن الإنسان أحيانًا قد يهرب من نفسه بدون أي كيليشيه، وفي مرحلة ما يجد الفرد نفسه ضد الحكومة لا في المؤسسات بعينها، لكن في أي تسلط قد تجده من الآباء أو حتى المديرين، فالحياة سلسلة من الجري والعناء المتواصل.

كادر عاطف الطيب في فيلم الهروب

في كل فيلم تجد توصيفًا لنوع معين من الأشخاص، فتجد الجاهل والساذج وفي نفس الوقت البسيط المُحب في شخصية سبع الليل، وتجد المتعلم الهارب إلى زحام القاهرة من أجل فرصة عمل، وتجد مقاول الأرواح المثقف الواعي في ضد الحكومة، أي واحد منا قد يصبح فردًا بعينه منهم أو مزيجًا بين الثلاثة.

لا يمكن أيضًا أن تقر بالإجرام في أي شخصية، حتى في فيلم الهروب وهو أقواهم في فكرة القتل، يقول عاطف نفسه أن منتصر كان متمردًا وليس مجرمًا فهو بالأساس طيب الفطرة، وهذا يعود بك إلى البريء الطيب الودود الذي يحمل عبء أعداء الوطن دون أن يعرف ما الذي يعنيه الوطن أساسًا، وحين يستيقظ من سباته يجد أنه ضد الحكومة مرة أخرى، وهنا نستنج أن الحياة تتبدل وتعود بين هؤلاء الثلاثة بترتيب أو بدون ترتيب.

لا يخلو الحب في تلك القصص ولكنه ليس حبًا عاديًا، فالحب في أفلام عاطف مُتعب وأحيانًا دون معالم واضحة كما أحبت صباح منتصر في الهروب، الهروب الذي جعل زوجة مصطفى خلف المحامي تتوارى وتهرب بابنها وتبدأ حياة جديدة، حياة المُحبين تلك التي لم يتحصل عليها سبع الليل رغم إعجابه بنوارة.

أحمد زكي في فيلم البرئ

أؤمن أيضًا أن الإنسان يحمل نصيبًا من اسمه بالإيجاب أو السلب وهو أمر جلي في الثلاثية، فأحمد سبع الليل لم يكن سبعًا بل مغفلًا يمكنه أن يأكل الملح مع الحلاوة، ومنتصر لم يكن منتصرًا بل كان دائم الهرب والتمرد، ومصطفى خلف لم يترك خلفه سوى ماضِ سيئ يواجه حاضرًا نقيًا، وبعيدًا عن الأفلام، فعاطف الطيب كان عطوفًا طيبًا في شخصه وفي إبراز معاناة المهمشين، وأحمد زكي كان زكيًا وذكيًا ومتفردًا في التجسيد إلى حد كبير.

يشدد فيلم البريء على ضرورة أن يكون الإنسان متعلمًا حتى لا يُستغل أو أن يعيش حياته بأدمغة غيره، وحذر من التلاعب بالمعرفة في ضد الحكومة، ونبهك إلى مصير المتعلم المنجرف وراء عاطفته في الهروب.

في تلك الثلاثية أيضًا بحث عن الهوية، فسبع الليل البريء لم يكن من الأساس مقدرًا له أن يترك أرضه فكان دائم الحنين إليها، ومنتصر الهارب بحثًا عن أرض تحتويه رغم أنه أقر بأن بلده هي الوحيدة التي كان يجد فيها الراحة، وأما في ضد الحكومة فالهوية كانت البحث عن الحق والعدالة حتى لو عاش الإنسان جُل حياته محتالًا يمكن أن يتغير في لحظة ما.

من كواليس فيلم ضد الحكومة

وبمناسبة التغير فعاطف لم يقتصر أن يجعل الإنسان الخَيّر شريرًا كما فعل في البريء والهروب -مع اختلاف المعرفة في رأس كل منهما- بل أيضًا حول الشرير إلى إنسان طيب مسالم في ضد الحكومة، فالطيب يبحث عن الملمح الإنساني دائمًا.

الأم تلعب دورًا أساسيًا في تلك الأفلام، فهي محبة وخائفة وخاسرة في كُل من البريء والهروب، وغير موجودة في حياة المحامي وكأنما يخبرنا عاطف الفارق الكبير بين تلك الحياة وتلك!

بعد مرور 15 عامًا على رحيله .. تدشين موقع إلكتروني باسم أحمد زكي

زوزو نبيل وأحمد زكي

تظهر لك أيضًا فروق الشخصيات ومدى تمسكها بالمبادئ، ومن الصعب أن أقول إن سبع الليل كانت لديه مبادئ فهو مغسول الدماغ، أما منتصر فله مبادئه الواضحة في المحافظة على الوعد وعدم الخيانة والأمانة والشرف وتلك المبادئ هي من أطاحت به، فهو مظلوم وقاتل في نفس الوقت، وأما صديقنا المحامي فكان يملك من المبادئ الكثير حتى تنازل عنها وتاجر بأرواح الناس حتى كسرته نفسه الإنسانية وغلبته قضية ابنه، كما حدث مع منتصر وكسره وفاة والدته.

بين الطائر الجريح في البريء والصقر الجامح في الهروب والعصفور الحالم في ضد الحكومة، ثلاثة أفلام يحملن جمال القصة وبراعة التنفيذ، التفرد التام في أداء أحمد زكي في كل منهم له مشهد تاريخي، ولكن بعيدًا عن عاطف وأحمد زكي، كان طاقم العمل إجمالًا في تلك الأفلام مبدعًا ومخلصًا تمامًا كعظمة الموسيقى التصويرية.

الموسيقار مودي الإمام

تتشابك الموسيقى مع بعضها البعض هى الأخرى وكأنما بينهم روح خفية فتسمع في الهروب ”يا بكرتي يا أم الجرس رنانة، أبي خده البحور وأنا حيرانة“ وأجدها مرتبطة مع موسيقى وكلمات البريء ”قلبي اللي كان بريء، زي الطير الطليق، إزاي ضلت عيونه، لما شاف الطريق؟“، ويمكن أن نضم خيط الموسيقتين مع جملة أحمد زكي في مرافعته ”كُلنا فاسدون“ فهل فعلًا يتحول الأمر بنا -وكأننا نسير على الجسر هاربين من البريء إلى كُلنا فاسدون!

لا ينتهي الحديث أبدًا عن عاطف الطيب وأحمد زكي فقد حاولا بكل أشكال السينما إنصافنا، وإدراكنا لتلك الأفكار هو رد جميل بسيط لهما ولكل من شارك في أعمالهما، فكل الحب لأحمد زكي وللطيب عاطف الطيب.

عاطف الطيب

0

شاركنا رأيك حول "ثلاثية أحمد زكي وعاطف الطيب: البريء والهروب وضد الحكومة .. ما المشترك بينهم؟"