فيلم Air Doll .. كيف تحتمل قلوب البشر كل هذا الخواء ؟

فيلم Air Doll
0

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

ببساطة آسرة حاول المُعلم الياباني الجميل هيروكازو كوريدا – الحاصل على سعفة كان 2018 عن فيلمه سارقوا المتاجر- أن يجيب على هذا السؤال الاثيري الغريب من خلال فيلمه المنجز قبل تسع سنوات Air Doll او الدمية الهوائية، وهي الدمية الشهيرة المنتشرة في اليابان وكثير من دول العالم والتي تباع من اجل اغراض جنسية بالأساس.

ما فعله كوريدا هو أنه نفخ الروح في واحدة من هذه الدمى أو لنقل وضع قلبًا بداخلها، وتركها مع هذا القلب الذي لا تمل الدمية من الحديث عنه لكي تختبر الحياة البشرية وبالتالي نختبر معها محاولات الإجابة على سؤال الخواء.

في البداة ننوه أن كوريدا لا يجلب لنا الرمز في اي صورة كانت بل يأخذنا نحن إلى الرمز بشكل مرهف وهادئ، وغم انه واحد من سحرة الدراما الاجتماعية والتي لا تغيب كلية عن الدمية الهوائية لكنه هنا يكشف لنا عن تلك الخطوط الشعرية والفلسفية التي ترسم بعض من كف يده الممسكة بالكاميرا.

ربما أكثر ما يلفت النظر في هذه التجربة الفلسفية ذات البطانة الشعرية النابضة هو قدرة هذا المُعلم على خلق ما يمكن ان نسميه الانعكاسات الدرامية المُذهلة بين الشخصيات والأفكار والأزمنة الخاصة بالفيلم خاصة توظيفه للصور كعنصر من عناصر الزمن الماضي والتي تمثل في أحسن حالاتها فلاش باك بليغ دون حركة مونتاجية.

بوستر فيلم air doll

تبدو شخصية الدمية رغم شفافية جسدها المصبوغ بطبقة لون اصطناعية رقيقة مستغرقة في امتلاء غامض (بالقلب) -في واحدة من درجات رمزيته الشعرية والفلسفية ومختصرًا بهذه الرمزية (الروح والبراءة والحب والثقة بالأخرين واستقبال الحياة دون أسى أو خوف) وذلك في مقابل تلك الشخصيات التي تمتلئ بلحم ودم يجعلها غير منفذة للضوء ولا شفافة الجلد لكنها تعاني من خواء مستعر مثل كل سكان المدينة التي تجلس امامها الدمية فوق اريكة خشبية مع العجوز الذي يلقنها بعض من اسرار القلب ومعاناته والمدن وخوائها.

الموظفة العانس التي تحاول الحفاظ على بشرتها من الشيخوخة حتى تظل لديها فرصة أن تصبح جذابة في عينا رجل ربما يميل إليها ذات يوم، والشابة التي تعاني من نهم مادي شديد للطعام وتعيش في شقة اشبه بحفرة في سوبر ماركت هائل لا تكف فيها عن الأكل والتقيؤ، وصاحب نادي الفيديو الذي يعاني من أزمة منتصف عمر تجعله يساوم الدمية في صورتها البشرية على مضاجعة سرية في مقابل ألا يفضح سرها أمام حبيبها الذي تزامله في النادي.

تنعكس حالات الدمية الدرامية في حركتها من القلب إلى الخواء البشري على تلك الشخصيات وتنعكس حالات الخواء التي تعانيها الشخصيات على خطوات الدمية الدرامية في عالم البشر.

يلعب الفيلم لعبة النموذج الانعكاسي بصورة رائعة، فكأننا امام رجل واحد هو الشاب الذي يعاني من كبت جنسي نتيجة عزلة اجتماعية وإنسانية ومادية تدفعه إلى ممارسة العادة السرية على فيلم يعرض دمى جنسية وليس أجساد بشرية حية، وهو نفسه الرجل الأربعيني عامل المطعم الذي كانت الدمية تعيش معه قبل ان يخفق بداخلها القلب الحي، وهو نفسه صاحب نادي الفيديو الذي يعاني من مراهقة متأخرة وكلهم يتلخصون في العجوز الذي يجلس بجانب الدمية في الحديقة الصغيرة ليحدق في بنايات المدينة الميتة.

يربط كوريدا عبر الصور التي تعثر عليها الدمية في منزل الشاب حبيبها وفي منزل الرجل العجوز بين شخصيات الرجال كلها في الفيلم، وينجح كودريا في أن يحرر سؤالا أخر من قبضة المباشرة حين يطرح لنا عبر تلك الصور التي تظهر في لقطات قصيرة فكرة البدلاء : فهل نحن في حياة الأخرين مجرد بدلاء لأشخاص كان يجب أن يكونوا هنا ولكنهم آثروا الهجر أو اضطروا للرحيل؟
تماما مثل حبيبة عامل المطعم التي سمى الدمية وكل الدمى التي قبلها وبعدها باسمها ومثل حبيبة زميل الدمية في نادي الفيديو الذي يبدو انها هجرته ومثل المرأة رفيقة العجوز التي تظهر في صور ابيض واسود في شبابهما وخلفهما كلب فيؤثر العجوز إلا يتحدث عنها ويلجأ للتورية (ان تربية الكلاب تشعر المرء بالوحدة لأن الكلاب تموت سريعا وبعد عمر قصير).

بينما يربط كوريدا مونتاجيا وبخفة شديدة بين شخصيات النساء الاخرى عبر انتقالات عادية لكنها تحمل في باطنها هذا الخيط السحري الذي يجعلهم يتماهون امامنا في صورة امرأة واحدة وحيدة وخاوية القلب تحاول أن تحافظ على بشرتها من الزمن أو معدتها من الفراغ لكنها لا تستطيع.

ويعرف هذا المُعلم متى يلجأ إلى الأزمنة الاعتبارية كالأحلام حين يكون في حاجة إليها، حيث تحلم الدمية بعد طردها من منزل عامل المطعم الذي اشتراها منذ البداية بأنها تفقد الهواء الذي بداخلها وتغرق في وسط مائي ضخم ولا نهائي، يعلم كوريدا أننا لا نحلم لان لدينا ارواح بل لأننا نملك قلوبًا، فأصحاب القلوب (الحية) فقط هم من يحلمون.

يحتوي الدمية الهوائية على واحد من ارق واغرب واكثر مشاهد الجنس حميمية وشعرية ورقة فحين تذهب الدمية إلى حبيبها – زميل العمل في نادي الفيديو- لكي تعيش معه عارضة عليها خداماتها العاطفية والشعورية والجنسية يطلب منها طلب واحد فقط هو أن يقوم بتفريغ الهواء من داخلها – حيث توجد فتحة الامتلاء بالأهواء مكان السرة في جسدها- على ان يعيد ملئها بأنفاسه مرة أخرى وهكذا يستلقيان عاريين في الفراش وينزع سدادة الهواء عنها فيفرغها منه ثم يعيد ملئها بأنفاسه فينتفخ صدرها وكامل جسدها بتلك الأنفاس ثم يعيد تفريغها فتهبط ويعيد ملئها فيرتفع صدرها وهكذا كأنها في دوامة ملونة من الممارسة الجنسية الخارقة والنشوات التي تتم عبر عملية التفريغ والملأ بلا انقطاع.

صورة فيلم Air Doll 2009

هذه الأنفاس هي كل ما يتبقى لدميتنا بعد أن يرحل الحبيب نتيجة لأنها حاولت أن تملئه بأنفاسها كما ملئها بأنفاسه، وحين يمر عليها سكير مخمور في اخر الليل بينما تجلس على اريكتها الخشبية المفضلة ويسألها هل انتِ وحيدة؟ فتجيبه لا لست وحيدة وبعد أن يبتعد تنزع اللاصق الشفاف الصغير -الذي كان حبيبها قد وضعه على يدها يوم أن اكتشف سرها للمرة الأولى- ثم تعب من انفاسه التي بدخلها مستأنسة به فأنت لا تكون حيدا حين تملك انفاس من تحب في داخلك.

يتركنا المُعلم كوريدا لمراوغات الإجابات المحتملة على سؤال القلب والخواء! لكنه يمرر لنا في سياق زيارة الدمية لصناعها الاول في بيت الدمى بعض من ملامح اجابته الخاصة حين يسألها صانع الدمى

  • ما هو شعورك بأن يكون لديك قلب؟

فتجيب الدمية – لست أدري ولكنه. أمر مؤلم!

0

شاركنا رأيك حول "فيلم Air Doll .. كيف تحتمل قلوب البشر كل هذا الخواء ؟"

أضف تعليقًا