مضت السنوات الأخيرة بغير تأثير من جانب الدراما المسلسلة، ونادرًا ما ترك عمل خلالها أثرًا لدى المشاهدين، أو دعاهم إلى تذكره ودوام مشاهدته. ورغم الكثرة المفرطة في أعمال الكوميديا -سينمائيًّا وتلفازيًّا- إلا أن عملًا واحدًا ظلَّ هو الأكثر مشاهدةً، والأطول اتصالًا بالجمهور؛ هو مسلسل "الكبير أوي". الذي ما زالت تُعرض أجزاؤه الخمسة السابقة على شاشات التلفاز، وما زالت تبثُّ آلاف المقاطع على يوتيوب؛ سواء حلقات كاملة أو مقاطع مجزأة من الحلقات. وتدلُّ أعداد المشاهدات على حب الجمهور لهذا المسلسل خاصةً. فما هو سر هذا النجاح؟ وكيف خُطط لاستمرار هذا النجاح في جزئه السادس الجديد؟

أسباب نجاح الكبير أوي

لا شك أن أهم أسباب نجاحه هو كونه عملًا كوميديًّا؛ مما يجعله صالحًا للمشاهدة عند فئات ضخمة من المشاهدين. ويزيد من هذا الإقبال نفور الجو الإعلاميّ العام من الموضوعات ذات القيمة، والتسطيح المستمر للجمهور. لكنْ هناك الكثير من الأعمال الكوميدية؛ فمما جاءت خصوصية الكبير أوي؟

السبب الأول جاء من الفكرة -وصاحبها أحمد مكي نفسه- التي تمركزت حول اختيار بيئة ثقافة مصرية عربية خالصة لتدور فيها أحداث المسلسل. وباختيار هذه البيئة الخالصة مكانًا للأحداث فقد مهَّد صنَّاع العمل للكثير من الكوميديا التي ستتولَّد تلقائيًّا من الحدث الرئيسي؛ وهو دخول شخصية "جوني" الذي يمثل الضدَّ لهذه البيئة الدرامية؛ حيث حمل الثقافة الأمريكية بكل جِيناتها. وهذا التقابل الكبير بين عناصر التكوين الدرامي (البيئة العربية وثقافتها التي يمثلها الجميع، والثقافة الأمريكية التي تشرَّبها جوني وأصدقاؤه) يمثل بناءً ناجحًا تمامًا لخلق طوفان من كوميديا الموقف الطبيعية، التي تخلو من التكلُّف والافتعال. ومن هنا نرى جودة الفكرة التي أتى بها أحمد مكي.

السبب الثاني جاء من صناعة العمل كوميديًّا؛ حيث استطاع مصطفى صقر، ومحمد عز الدين، بالاشتراك مع تامر نادي في توزيع الكوميديا على كامل أجزاء العمل؛ على خلاف كثير من الأعمال الكوميدية التي تعتمد على ممثل كوميدي مركزي، وبقية عناصر العمل تساعده وصولًا للحظة ظهوره مرةً أخرى. لكنَّ صناع الكبير أوي كانوا صادقين مع أنفسهم؛ وأنهم لا يقدمون إلا إضحاكًا فقط. فصنعوا توليفات عديدة لكامل خطوط الدراما، وكل شخصيات العمل لتصبَّ في جانب الكوميديا وحسب. بالقطع هذا قد أفقد العمل صفات، بل حصره حصرًا في تصنيف "ترفيه كوميدي" لا "كوميديا"؛ حيث الأخيرة في الغالب يكون لها أغراض غير "مجرد الإضحاك". لكن بقي أن أقول إنهم استطاعوا النجاح في صناعة كوميديا متفجرة.

السبب الثالث جاء من فنية التنفيذ الإخراجي والأداء التمثيلي؛ حيث اعتمد العمل -كما قلت- على فكرة التقابل -الذي يصل إلى حد التناقض- بين شخصيات العمل وطريقة تفكيرهم، ومستواهم الثقافي والاجتماعي، وكافة الفروق الأخرى. مما ألقى عبئًا ثقيلًا على عناصر الإخراج والتمثيل، بل جعل عليهم الرهان الحقيقيّ. وهنا أتى دور المُخرجين: إسلام خيري، وهشام فتحي، وأحمد الجندي في تقديم كافة عناصر ثقافة الأحداث الأصلية لبيئة الأحداث، وكذا الحفاظ عليها إلى أقصى مدى ممكن.

بدءًا من اختيار أماكن التصوير، إلى تصميم المَشاهد، إلى الملابس والزينة، وصولًا لأحد أهم العوامل وهو إتقان اللهجة. والذي أرى أن جزءًا ضخمًا من نجاح المسلسل تمركز حوله؛ حيث ساعد على توليد الكثير من كوميديا العمل، وكذا أشعر الجمهور بالجهد المبذول في العمل، ومدى إخلاص الجميع في إخراج عمل حقيقيّ، غير التي الأعمال التي يُستهان بكل عناصر تنفيذها، ثم يطالب أصحابها الجمهور بالإعجاب بها قسرًا!

السبب الرابع لتميز الكبير أوي جاء من المهارة التمثيلية التي امتلكتها كل شخصيات العمل، ولعلَّ هذه المهارة لا تنفكُّ عن فكرة اللهجة؛ فكان على الممثلين جميعًا إتقانها في جُملهم قبل تنفيذ المشاهد. وهنا لا يمكن إغفال الإتقان البالغ الذي اتصفت به دنيا سمير غانم -إلى حد الإدهاش في الحقيقة-، وكذا الصانع السينمائي الماهر أحمد مكي، وبقية أبطال العمل ومُؤدِّيه. وينضم لإتقان اللهجة تلك القدرات الكوميدية التلقائية التي اتصف بها محمد سلام، وهشام إسماعيل، وبيومي فؤاد. وكذلك الاستغلال الكوميدي لمحمد شاهين، حسين حجاج. ويحسب لهم أيضًا قدرتهم على التمثيل الكوميدي ذي الطابع العفوي.

السبب الخامس جاء من خصوصية الحوار في الكبير أوي (وفي الأصل يجب ضم هذا للسبب الثاني، لكني أفرده بسبب وحده لما له من تأثير على نجاح العمل). فقد استطاع كُتَّاب العمل أنْ يصنعوا حوارًا متجددًا؛ واعتمدوا في ذلك على تضمين حوار المسلسل -ومواقفه العامة- الربط بالأحداث الجارية في المجتمع، والأحداث المتصدرة في المشهد الإعلامي (أو ما يسمى ترند)، والأغاني التي شاعت مع كل جزء.

كذلك ضفَّروا في حواراتهم النكات والألعاب الكلامية بمهارة. واعتمدوا كثيرًا على أوزان الكلمات في توليد الكوميديا، كذلك اعتمدوا على الجرس الموسيقي من توافق الجُمل (يسمى في البلاغة الازدواج)، واتفاق أواخر هذه الجمل أو الكلمات في الحرف الأخير أو المقطع الأخير (يسمى في البلاغة سَجْعًا). كما استخدموا غرابة الكلمات الناتجة عن اللهجة الصعيدية في توليد عديد الحوارات الكوميدية الناجحة. وأخيرًا نجحوا في استغلال الفروق الثقافية والاجتماعية في حوارات أثمرت كوميديا مبهجة.

السبب السادس أرجعه لعنصر هام؛ وهو اختيار صناع العمل عدم مصادمة الجمهور العربي والثقافة العربية في منظومة أخلاقه أو دينه أو أفكاره الكبرى. والتي يختار كثير من صناع الدراما سلوكه في الفترات الأخيرة؛ فنجده ناقمًا على منظومة أخلاق المجتمع -التي يتخذها المجتمع ويرى فيها الصلاح، لا أقصد قطعًا السلوكيات السيئة التي فيه-، وكذا يضرب ضربًا في ثقافة المجتمع، ويقارنها بغيرها من الثقافات مُفضِّلًا الأخرى دومًا عليها. وقد يسير به نمط المصادمة إلى آخره فيضارب دينه أو أفكار دينه.

مثل هذه المصادمة كفيلة بخسارة المتابعين منذ لحظة البدء؛ حتى لتبدو بعض الأعمال تخاطب آحادًا من المجتمع العربي! وهذا الخيار ابتعد عنه تمامًا مسلسل الكبير أوي، وكان هذا من ذكاء صناعه.

ليست تلك كل أسباب نجاح المسلسل، لكنها الأهم. مع ملحوظة أنَّ هذه العناصر -خاصةً الكتابة- صارت ضعيفةً شيئًا فشيئًا مع توالي الأجزاء، وصولًا للجزء الخامس الذي هو أقل الأجزاء في كل العناصر.

الكبير أوي في جزئه السادس

في الجزء السادس يعود صناع المسلسل ليحاولوا تكرار نجاحهم السابق. وقد أعدوا إعدادًا جيدًا من الوجهة الناظرة الجهد الذي يبذل من الصانعين. ما زال المسلسل تحت إخراج أحمد الجندي، وانتقلت الكتابة لسارة هجرس، مع إشراف من مصطفى صقر ومحمد عز الدين (مع ملحوظة أن النجم المركزي دائمًا يكون له دور في الإشراف على الكتابة، لكنه دور لا يعلن عنه).

وقد زاد الصناع من مدة الحلقات (بلغت الحلقة الأولى 44 دقيقة عرض دون الشارتَيْن). وأدخلوا تشكيلًا في الأحداث جديدًا. فنرى ابنَيْ الكبير وقد صارا في السابعة، ومدى معاناته معهما. ثمَّ نرقب أول حدث هام؛ وهو تحوُّل أحدهما إلى شاب يافع إثر شربه حليبًا مصنوعًا من الدكتور ربيع. هذا الحدث لم يستغلَّ بصورة مُثلى؛ فسرعان ما مرَّ مرور الكرام فلا ساعد في توليد كوميديا (من خلال تعرف عناصر العمل على الابن الذي تحوَّل)، ولا ركَّزنا على أثره. وكأنَّه كان تطورًا استهلاكيًّا محضًا لنملأ به حلقة أو حلقتين، ولندخل به مصطفى غريب الذي قام بدور الطفل بعدما كبر.

ثمَّ اعتمد الصناع على إدخال عنصر نسائي يسد بعض الفراغ في العمل؛ فجاءت رحمة أحمد لتبهر المشاهدين في عرضها الأول، والذي هدأ فيما بعده بسبب اختيارات الكتابة لا بسبب عناصر العمل التمثيلية. ثمَّ اعتمدوا -كما ذكرت من قبل- على أحد أهم الأحداث الجارية؛ وهو النجاح الساحق الذي حقَّقه مسلسل لعبة الحبار. فقرروا صناعة نسختهم الخاصة بهم. وهكذا يمضي الخطّ العام للأحداث ملائمًا لتقديم عمل ترفيهي، وإن كان أقل إضحاكًا.

المشكلة التي تواجه الجزء السادس هي مشكلة الكتابة؛ فغالب الممثلين جيدون، ولديهم قدرات وقبول من الجمهور. لكنَّ الكتابة صارت أقل جدوى في صناعة الكوميديا. وامتازت بالتطويل والتزيُّد في صناعة المشهد الكوميدي أكثر من قدرة المشهد على الاحتمال، أو بما يدخل المشهد في الافتعال والتكلُّف، أو بما يخالف مقتضيات المشهد نفسه. ومن هذا أن نلقي نكتة ثم يمضي الممثلان في شرحها لإطالة المشهد، بل تحليلها وتقويمها واقتراح حلول تكون بها أشد فعالية!

جميع هذه العيوب قد تؤثر على تقبل بعض المَشاهد، لكنها لا تقدح في العمل كليةً؛ طالما اعتبرناه عملًا ترفيهيًّا لطيفًا يصنع كوميديا حقيقية. وقليل من الأعمال ما ينجح في هذا الأمر.

بواسطة الكاتب: عبد المنعم أديب

اقرأ أيضاً: مسلسلات رمضان 2022 المصرية.. 31 عملاً درامياً مع أبرز النجوم وأهم القنوات الناقلة