المخرج آلان سميثي Alan Smithee… تاريخ فني طويل لمُخرج مُنعدم الوجود!

المخرج آلان سميثي Alan Smithee
2

آلان سميثي سينمائي أمريكي يمتلك تاريخًا فنيًا مديدًا يضمّ عددًا كبيرًا من الأعمال الفنية، وفقًا لقواعد البيانات فهو أخرج نحو 102 عمل متنوع ما بين أفلام سينمائية وحلقات تلفزيونية، بالإضافة إلى إسهامه في كتابة سيناريو عدد من الأعمال، لكن رغم ذلك إن بحثت عنه – وحتى لو تعمقت بالبحث – لن تجد له أيّ مقطع فيديو، صورة فوتوغرافية، أو حتى تصريح صحفي أدلى به في وقت، وهذا لسبب واحد فقط، هو أنَّ المخرج آلان سميثي مجرد شبح لا وجود له بأرض الواقع!

تستعرض أراجيك فن معكم عبر الفقرات التالية لمحة تاريخية حول شخصية المخرج آلان سميثي، المخرج الأول والوحيد من نوعه!

آلان سميثي… انطلاقة قوية وإشادة نقدية!

فيلم Death of Gunfighter

بدأت قصة المخرج آلان سميثي – المخرج الوهمي – في عام 1969م قبل فترة قليلة من طرح فيلم Death of Gunfighter في دور العرض، حيث كان المخرج روبرت توتن هو المخرج الأصلي للفيلم، ولكنّه اضطر إلى مغادرة العمل قبل إتمامه بسبب خلافاته الحادة والمتكررة مع بطلة ريتشارد ويدمارك، وبناءً على ذلك حَلّ محله المخرج دون سيجل ليستكمل المشروع السينمائي.

بعد الانتهاء من فيلم Death of Gunfighter رفض المخرج دون سيجل إضافة اسمه كمخرج للفيلم، حيثُ قال بأنَّ المخرج الأول روبرت توتن كان قد قطع شوطًا طويلًا مع الفيلم، ولا يمكن بأيّ حال أن ينسب مجهوده لنفسه، لكن الغريب أنَّ توتن نفسه كان قد كره الفيلم ورفض هو حَمله لاسمه، طالما أنَّه لم يكمله حتى النهاية وفق رؤيته الخاصة.

تمّ عرض الأمر على نقابة المخرجين الأمريكية (DGA) التي انتهت في النهاية إلى عرض الفيلم تحت اسم مستعار ووقع اختيارها في البداية على “آل سميث”، لكنّها وجدت أنَّه اسمٌ شائعٌ، وقد يحدث في المستقبل خلطٌ بينه وبين أسماء بعض السينمائيين الحقيقيين. لذلك، قامت بتعديله إلى “آلان سميثي”.

بدأ عرض فيلم Death of Gunfighter الذي حقّق نجاحًا كبيرًا على المستوى النقدي، وحصل مخرجه (آلان سميثي) على إشادة واسعة، حتى أنَّ الناقد روجر إيبرت قد تحدّث عنه للصحافة مشيدًا بمستواه الفني، كما أشادت صحيفةُ نيويورك تايمز بآلان سميثي الذي قدّم تجربةً سينمائيةً بالغة التميّز بالنسبة لمخرج جديد، حتى أنَّ البعضَ بدأ يتساءَل عن مشاريعه السينمائية التالية، وإن كان له أيّ تجارب سابقة… إلخ، وكانت الصدمةُ شديدةً حين أدركوا جميعًا بأنَّ المخرجَ الذي انشغل به النقاد، وتحدثت عنه الصحف ليس أكثر من “خيال مآتة”!

إقرار اسم آلان سميثي رسميًا

صورة نقابة المخرجين الأمريكية (DGA)

كانت لائحةُ نقابة المخرجين الأمريكية (DGA) قبل عام 1969م تحظر استخدام المخرجين لأسماء مستعارة؛ وذلك بهدف حمايتهم من استغلال بعض المنتجين، وحرصًا على ألّا تُنسب أعمالهم لإبداعهم، خاصةً أنّها تعتبر المخرج هو الركيزة الأساسية التي يقوم عليها العمل الفني، والقوة الإبداعية الحقيقية بأيّ فيلم.

لكن منذ ذلك التاريخ تمّ استثناء الاسم المُستعار “آلان سميثي” من تلك القاعدة، مع إقصار استخدامه على الحالات التي يكون المخرج فيها غير راض عن فيلمه، أو في حالة تقييد حريته الإبداعية من قبل الأطراف الأُخرى داخل منظومة صناعة السينما، بشرط ألّا يتمّ ذلك إلّا بعد الرجوع إلى النقابة، ومناقشة الأسباب والدوافع التي قادته إلى ذلك القرار.

بين حق التبرؤ ورذيلة التضليل

صورة المخرج الافتراضي آلان سميثي

تسببت شخصية المخرج الافتراضي آلان سميثي في إثارة الكثير من الجدل في الأوساط السينمائية بين المؤيدين والمعارضين، حيثُ رأى البعض وخاصةً فئة المخرجين والكُتّاب ألّا يحق لأيِّ شخص أن يُجبر مُبدعًا على إنساب عمل فني لنفسه، طالما تدخلت أطراف أُخرى – والمقصود المنتجين – في صميم عمله بالحذف أو الإضافة، أو أيّ شكل آخر من أشكال التعديل التي تخالف وجهة نظره، وحُجتهم في ذلك هو ألّا يُعقل أن يتحمل المخرج المسؤولية عن مستوى العمل السينمائي أمام الجماهير والنقاد، طالما لم تكن له صلاحية مطلقة في تقديمه وفق رؤيته الفنية.

على الجانب الآخر عارض البعض فكرة وضع اسم المخرج آلان سميثي على الملصقات الدعائية وشارات المقدمة الخاصة بالأفلام، حيثُ اعتبروا ذلك شكلًا من أشكال التضليل، إذ أنَّ معرفة أسماء القائمين على العمل الفني حق أصيل للمشاهد قبل أن يكون حفظًا للحق الأدبي للمبدعين أنفسهم، وبالتالي لا يصح ترويج عمل فني تحت أسماء وهمية، خاصةً أنَّ حالة آلان سميثي تختلف اختلافًا تامًا عن حالات استخدام المُبدعين لأسماء مستعارة، أو ما يُعرف بمصطلح “اسم الشهرة” أو “الاسم الفني”، حيثُ أنَّ في الحالة الثانية يشير الاسم في النهاية إلى شخص واحد، بينما “آلان سميثي” هو اسم مشاع يستخدمه الجميع، ولا يمكن من خلاله الاستدلال على المُبدع الأصلي.

قد ترى الأمر ليس بهذا الكم من التعقيد في العصر الحالي، حيثُ يمكن بسهولة التعرف على أسماء المخرجين الأصليين لكلّ عمل فني حمل ذات يوم اسم المخرج آلان سميثي، لكننا هنا نتحدّث عن ظاهرة بدأت منذ الستينات، حيثُ لا وجود للشبكة العنكبوتية أو مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ثم حين كانت تعرض الأفلام الأمريكية في الشرق الأوسط أو دول آسيا أو شرق أوروبا، كانت النسبة الغالبة من المشاهدين يتعاملون مع “آلان سميثي” باعتباره المخرج الفعلي للعمل!

الأثر التسويقي لاسم آلان سميثي

صورة اسم آلان سميثي على أحد الأفلام

لم يكن التضليل والخداع هو السبب الوحيد في الاعتراض على إدراج اسم آلان سميثي الوهمي كمخرج للأفلام، بل كانت هناك تخوفات من أن يكون لاستخدام هذا الاسم أثر سلبي على أداء الأفلام في شباك التذاكر، خاصةً داخل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا.

نتابع جميعًا في الزمن المعاصر مراحل تطوّر الأعمال السينمائية المختلفة، وكثيرًا ما تنتابنا الشكوك حول مستوى العمل السينمائي حينما تتوارد إلينا أخبار عن العراقيل الإنتاجية التي تواجهه، والتي قد تصل إلى حد استبعاد أو استبدال أحد عناصره البارزة في منتصف الطريق، مما يؤدي إلى ازدواجية في أساليب البناء والرؤية الفنية، وهو ما يؤدي – في أغلب الأحيان – إلى إحداث خلل في تكوين العمل الفني، وينعكس عليه بالعديد من الآثار السلبية.

بناءً على كل ذلك رأى البعض أنَّ نسب الفيلم إلى الشخص الافتراضي آلان سميثي يُعدُّ بمثابة اعتراف ضمني بكم العراقيل التي واجهها خلال عملية الإنتاج، وحجم المشاكل والصراعات التي نشبت بين صُنّاعه، والتي انتهت إلى تبرؤ أحدهم منه بشكلٍ كاملٍ ورفضه وضع اسمه عليه، وكأنَّ المخرج الأصلي يُخبر المشاهدين مُسبقًا “هذا الفيلم سيّئ فلا تشاهدوه”، وهو ما قد يتسبب في خسائر فادحة للصناعة.

اقرأ أيضًا: 10 أفلام سببت الإحباط لمنتجيها في عام 2017

استخدام اسم آلان سميثي بأثر رجعي!

صورة المخرج جود تايلور

لجوء المخرج إلى استخدام الاسم المُستعار آلان سميثي في حالة منعه من فرض سيطرته الكاملة على عمله الإبداعي يحمل قدرًا من المنطق، لكن الغريب حقًا هو أنَّ بعض المخرجين قد قرّروا استغلال ذلك الاسم المستعار في تعديل تاريخهم الفني، واستبعاد بعض الأعمال الغير راضين عنها.

قدّم المخرج جود تايلور طلبًا للنقابة بحذف اسمه من فيلمين سبق له تقديمهما خلال مسيرته الفنية لعدم رضاه عن مستواهما، أولهما هو فيلم Fade In من إنتاج 1968م، وثانيهما فيلم City of Fear إنتاج عام 1980م، وبعد النقاش مع لجنة النقابة تمت الموافقة على طلبه، وتمَّ استبدال اسمه باسم المخرج آلان سميثي.

أفلام سينمائية بتوقيع آلان سميثي

صورة أفلام آلان سميثي

لجأ عددٌ كبيرٌ من مخرجي السينما الأمريكية إلى حيلة آلان سميثي، ومع مرور الوقت أصبح ذلك المخرج الخفي يمتلك تاريخًا فنيًا يضمُّ كمًا هائلًا من الأفلام التي تحمل توقيعه، ومن بينها:

  • Fade In – 1968
  • Death of Gunfighter – 1969
  • City in Fear – 1980
  • Twilight Zone: The Movie – 1983
  • The Shrimp on the Barbie – 1990
  • Exit – 1996
  • Hellraiser: Bloodline – 1996
  • A River Made to Drown In – 1999
  • Woman Wanted – 2000

آلان سميثي رمز الاحتجاج بكلّ وقت وأيّ مكان

صورة مسلسل MacGyver - مسلسل La Femme Nikita

تم ابتكار اسم آلان سميثي في بادئ الأمر بهدف أن يكون بديلًا لأسماء المخرجين السينمائيين، لكن الأمور تطوّرت مع الوقت، وأصبح “آلان سميثي” ملاذًا لكلِّ مُبدع في أيّ مجال يرغب في إعلان احتجاجه على رأس المال صاحب السلطة الأعلى في مجال صناعة الترفيه، سواءٌ كان ناشرًا أو منتجًا أو قناةً تلفزيونيةً أو غير ذلك.

لجأ عددٌ كبيرٌ من المخرجين التلفزيونيين إلى حيلة آلان سميثي لتفادي التساؤل عن المستوى الفني لبعض الحلقات التلفزيونية ضمن مسلسلات شهيرة منها مسلسل MacGyver ومسلسل La Femme Nikita وغيرهما. كذلك، توجد العديد من الأفلام التي تمَّ إدراج اسم آلان سميثي ككاتب سيناريو لها.

امتدّ – مع مرور الوقت – لأبعد من ذلك ليشمل أسماء الموسيقيين، وكُتّاب القصص المصورة الصادرة عن كبرى دور النشر بما في ذلك شركة مارفل Marvel مثل: بعض أعداد كوميكس Daredevil وكوميكس Team X 2000.

اقرأ أيضًا: أراجيك فن يقدم لك أفضل المسلسلات الأجنبية في الثمانينات

نهاية الأُسطورة

صورة المخرج الافتراضي آلان سميثي

أصدرت نقابة المخرجين الأمريكية (DGA) في عام 2000م قرارًا بحظر استخدام الاسم المستعار آلان سميثي في أيِّ عمل فني مستقبلي، حيثُ رأت اللجنة – بعد عدّة نقاشات – أنَّ الأضرار الناجمة عن استخدام هذا الاسم تفوق حجم الفائدة العائدة منه، كما أنَّه يُعدُّ إهدارًا لحق المُبدع والمشاهد في آن واحد.

لم تنتهِ أُسطورة آلان سميثي بصدور ذلك القرار، حيثُ لا يزال بعض المبدعين يستخدمونه بمجموعة الأعمال التي لا يتطلب تقديمها الحصول على موافقة من النقابة.

2

شاركنا رأيك حول "المخرج آلان سميثي Alan Smithee… تاريخ فني طويل لمُخرج مُنعدم الوجود!"