بوستر مسلسل القاهرة كابول
0

إذا حالفك الحظ وكنت ضمن أي مؤتمر أو ندوة تناقش قضية الخطاب والفن ستجد فريقان في الأغلب يقتتلان حد الضرب بخصوص قضية الرسائل الأخلاقية وهل يجب على العمل الفني أن يصرح بها؟ هل يجب من البداية أن يحمل رسالة؟ أم أن الفن من أجل الفن؟ بالتأكيد لن نقوم بحل هذه المعضلة في هذا المقال ضئيل الحجم، ولكن عوضًا عن ذلك سنقوم بـ إلقاء الضوء على عمل يحمل في طياته الكثير والكثير من الرسائل والمواعظ، الكثير حد الرغبة في تكسير التلفاز..

تنبيه: يحتوي المقال على حرق للأحداث! 

القاهرة كابول: بين النمطية والتجديد..

بين صورة الإرهابي النمطية المكررة في كل الأعمال الفنية تقريبًا وصورة جديدة من نوعها لضابط الأمن الوطني الطيب يظهر لنا مسلسل القاهرة كابول من تأليف عبد الرحيم كمال إخراج حسام علي، العمل من بطولة مثلث جديد وممتع كذلك وهم: طارق لطفي في دور رمزي خليفة الجماعة الإرهابية، خالد الصاوي في دور عادل ضابط الأمن الوطني وفتحي عبد الوهاب في دور الإعلامي طارق كساب. بالإضافة للعديد من النجوم مثل نبيل الحلفاوي، حنان مطاوع وأحمد رزق -الذي قتل في الحلقة الثانية- في دور المخرج خالد عبد الرحمن.

مع انتهاء الحلقة الثانية، وبأكثر الطرق مباشرة يوضح لنا العمل شخصية كل من الأصدقاء الأربعة من خلال ومضات من طفولتهم ومراهقتهم بما فيها “قسم الباطنية السري”، فيقوم كل منهم بسذاجة الأطفال بتوضيح أولوياته في الحياة سواء المال، العدل، الفن وحتى الدين. يخيل لك أن هذا الكم من المباشرة فقط لأنهم أطفال ولكن الحقيقة أن هذا الأمر مستمر معهم حتى في جلستهم معًا وهم كبار، ليقوم كل منهم بالتعبير عن قضيته بأكثر الجمل “كليشيه” مثل “اللي ربه المال واللي ربه الفن واللي ربه الطاغوت واللي ربه ربنا” وكأن الشخصيات تكون بهذا الكم من الأبيض والأسود الخالص.

أقرأ أيضًا: بعيدًا عن الرومانسية.. مسلسلات تركية واقعية وخيالية تغيِّر نظرتك النمطية عنها

المخرج الطيب زيادة عن اللزوم

بالرغم من قصر دور أحمد رزق بموته في نهاية الحلقة الثانية، وكما يعتبر موته محركًا مهمًا للأحداث حتى تشتد العداوة بين رمزي وعادل فيكون الأمر شخصيًا أكثر منه واجبات وظيفية -إذا صحت التسمية- ولكن لا يمكن إنكار قوة مشاهد المخرج خالد عبد الرحمن ليكون حلقة الوسط بين التشدد الديني القوي وتقدير قيمة الفن. كما أنه الأكثر طيبة وحبًا لأصدقائه بينهم. بالفعل هو يمثل الخير المطلق، نوعية من الشخصيات لن تقابلها في حياتك اليومية بكل تأكيد!

خالد وعادل لحظة رؤية رمزي

ضابط الأمن الوطني، الملاك الأخير

وعلى ذكر الشخصيات الملائكية لا يمكننا إغفال الضابط عادل، ولا يمكن إغفال التغير الجذري في تقديم صورة الضابط. ولكن مرة أخرى! كيف لشخص أن يكون بكل هذا النقاء؟ أين السقطة الدرامية التي ستؤدي لتصاعد الأحداث؟ وبغض النظر عن الشخصية نفسها فـ أداء الصاوي في شخصية ضابط لم تكن مقنعة، ولا شك أن لديه موهبة تمثيلية قوية ولكنها لم تستغل كلها حتى الآن في المسلسل.

الإعلامي المادي عديم المبادئ

طارق كساب من مشهد الإجتماع القاهرة كابول

هل مللت من الشخصيات الملائكية؟ هيا بنا إلى النقيض التام منه وهو شخصية طارق كساب. هل تعلم المثل المصري “شبعة من بعد جوعة”؟ يمثل هذا المثل شخصية طارق الذي تربى في بيئة معدمة ماديًا فكبر ليكون من أكثر الشخصيات مادية في المسلسل، مادي ولا يراعي مشاعر الآخرين حتى أنه لكي يكسب السبق الصحفي لم يحترم حرمة موت صديق عمره وطلب من زوجته اثناء الدفن أن تظهر معه في برنامجه، ومازالت مفاجأت مستمرة. ومع ذلك لا يمكننا تجاهل أداء فتحي عبد الوهاب المتميز وحفاظه على اللزمات الموجودة عند الشخصية سواء الجسدية أو الكلامية، مع التمكن من الانتقال بين النبرات المنفعلة والحزينة مثل تلك الموجودة في مشهد الاجتماع عند ذكره لحكاية والده.

يا الهي! الراجل الواعظ مرة أخرى؟

تجميعة من مواعظ عم حسن القاهرة كابول

قدم الفنان نبيل الحلفاوي شخصية عم مخلوف في مسلسل لأعلى سعر عام 2017 التي كانت تقدم النصح والمشورة بطريقة درامية لأي شخصية في المسلسل ولكن في إطار المعقول، ويترقى عم مخلوف في مسلسل القاهرة كابول ليكون عم حسن، ينصح الجميع كذلك، وبنفس الطريقة الدرامية المبالغ فيها ولكن مع اختلاف حجم الدور، فالحقيقة أن هنا يكمن الترقي الحقيقي. فكم المواعظ والحكم التي وجهها عم حسن عن مصر وأهميتها وعراقتها ومكانتها التاريخية تعدت العشرة نصائح في أقل من ثمان حلقات لـ شخصية ثانوية في العمل. ونبقى هنا أمام سؤال “ما قيمة الدور الذي تلعبه الحبكة والصراع والإخراج والتصوير وعناصر الصورة بشكل عام والرمزية والدلالات إذا كان الكاتب خلق شخصية ترمي على المشاهد كل هذه المواعظ بهذا الشكل الصريح؟” ألم يكن من الأفضل لنا تجميع هذه العبر في كتيب صغير وتوزيعة على العامة إذا كانت بهذا الشكل الواضح؟ لماذا يتعامل الكتاب والقائمين على العمل الفني مع الجمهور على إنه بهذه السذاجة والسطحية ويحتاج من يضع الأفكار والأهداف في أما عينة مثل الطفل الصغير؟ متى يتم احترام عقلية المتلقي ويتركه -لا سمح الله- لعنان خياله؟

حنان مطاوع، لن تخذلك أبدًا!

بوستر خاص بحنان مطاوع من المسلسل

في بعض من المقالات النقدية الرديئة يستخدم مصطلح “أبناء عاملين” على أبناء الفنانين الموجودين في الوسط الفني، وبغض النظر عن القولبة التي تحتوي عليها الجملة سواء بالإيجاب أو السلب فيمكنك بكل سهولة استثناء القديرة حنان مطاوع من هذا القالب. فـ بالإضافة إلى حضور قوي وتمكن من اللغة العربية يظهر عند حنان\ منال جانب جديد من الشخصيات التي تتمكن منها وهي الفتاة والمرأة الرومانسية وفي مواضع أخرى المغرية التي تحاول أن تغوي الشاب المتدين الرافض حتى للنظر إليها. محزن للغاية أن نرى هذا الكم من التمكن في التمثيل يضيع في مشهد عاشقة تحاور حبيبها الإرهابي بعد غياب سنين وتعاتبه قائلة “مش كفاية ارهاب بقى يا وحش!”.

شخصية إرهابي متكررة- مختلفة

رمزي من مشهد الاجتماع مسلسل القاهرة كابول

طارق لطفي، جوكر المسلسل. بالرغم من أن لطفي قدم دور الإرهابي سابقًا ولكن هناك تطور واضح في تقديمه للشخصية. في الأساس كتبت الشخصية لتكون المزيج -ولعلها الوحيدة- بين الشر ولحظات الضعف التي تصيبه عن أحداث معينة تتقاطع مع مبادئه، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ منها مشهد موت صديقة عمره وبالرغم من أنه قبلها بأقل من 10 دقائق وضح له أن دمه مهدور إلا أننا نجده يكاد يتهاوى ساقطًا حزينًا عند رؤية جثته. وأما عن مشاهد ضعفه أمام حبيبة عمره آمال يظهر بها تمكن لطفي من التنقل بين المتدين العبوس والمحب مفطور القلب على فراق حبيبته.

ومن هنا بالأخص تظهر نقطة تشابه/ اختلاف الشخصية، فبالرغم من العدد اللانهائي للشخصيات الإرهابية في الدراما المصرية التي تتسم بالتطرف الفكري والشكل المنمط تقريبًا الذي ينطبق كذلك على رمزي، إلا أن هناك جزءًا جديدًا نوعًا ما في تقديم الشخصية وهو الجانب الإنساني وكأنه بين شد وجذب بين ما يؤمن به وما يشعر به. كما وضحه رمزي نفسه في مشهد مع مساعدة عندما أخبره بما شعر به بعد رؤية جثة صديق عمره وهو المتسبب في موته..

” كنت عامل زي العيل الصغير اللي زق صحبه وقعه واتعور فاتخض وجري”

 

ملخصًا، علينا الثناء الشديد على أبطال عمل القاهرة كابول فبالرغم من النص الضعيف والشخصيات ذات البناء المتهاوي إلا أنهم مع ذلك أظهروا قدرًا كبيرًا من التمكن في الأداء لشخصيات غير منطقية وغير متكاملة الجوانب. ويكمن العامل الآخر الذي جعل نصًا مثل هذا يظهر بشكل جذاب للجمهور في الإخراج برعاية حسام علي ليظهر لنا كادرات مقبولة واستغلال أقصى ما يمكن من قدرات أغلب الممثلين.

أقرأ أيضًا: مسلسلات رمضان 2021: إعلانات نجحت في جذب الجمهور وإثارة الجدل

0

شاركنا رأيك حول "القاهرة كابول: مواهب قديرة في نص مُتوقع مليء بمواعظ فارغة"