مراجعة فيلم صيف غير عادي للمخرج كمال الجعفري بعد عرضه مباشرةً في مهرجان vision du réel

كمال الجعفري فيلم ضيف غير عادي
0

قطبة خفية تُمتّن العلاقة بين الفيلم ومُشاهده، ليست تلك المتعلقة بِالتنظيرات السينمائية حول كيفية المُشاهدة وشروطها المستوحاة من النوع.
إنّما هي أشبه بِلعبة مقامرة يجربها صانعو الأفلام في موضوعات الطرح وأساليب السرد.

من الواضح أن المخرج الفلسطيني «كمال الجعفري» (1972) يمارس معنا تلك اللعبة في أحدث أفلامه «صيف غير عادي» (2020، 120د) الوثائقي الطويل الذّي حقق عرضه العالمي الأول في برنامج Burning Lights -المسابقة الدولية، من الدورة 51 لِمهرجان رؤى الواقع (Visions Du Reel (17 أبريل- 2 مايو 2020 في سويسرا.

فيلم ضيف غير عادي

يُلزمنا “الجعفري” بِكادر واحد وزاوية تصوير واحدة طيلة الشريط، هو الفناء الأمامي لبيت عائلته، وما نُشاهده ليس سوى تركيبة مواد أرشيفية مُسجلة بِكاميرا المراقبة المنزلية، والموضوع محاولة معرفة من يقوم بقذف الحجارة وتكسير زجاج سيارة والده.

مُبكراً نعلم أنّنا لا نشاهد فيلماً للجعفري، بل نجلس بجانبه ونتابع معه بعضاً من شريط ذاكرة الكاميرا المرتبط بشكل ما بِذاكرته العينية والوجدانية، وتلك هي حيلة الفيلم، فَالمُشاهد شريك أساسي في البحث، لا مسافة إطلاقاً بينه وبين الفيلم وصانعه.

يلعب “الجعفري” منذ افتتاحية الشريط على فضول المُتلقي، تظهر على الشاشة عبارة: “على الحياة أن تُعطَّل كي تُكشَف من جديد”، هو يعطي ويتشارك مع المُشاهِد السؤال المحوري، فَينجح بِكسب ارتباطه العقلي والحسّي، يُحاوره بِعبارات تظهر على الشاشة، يُعرِفه بِأفراد عائلته وجيرانه وسكان الحي، يسأله ويتقاسم معه الحيرة والظنون، يُسليه كي لا يُشعره بملل الكادر الواحد؛ يسمعه الأغاني والموسيقا، كما يرافقه تعليق صوتيّ حميمي وعفوي تؤديه «دارين دبسي» غير الظاهرة للعيان، حتّى يشعر المُشاهد بالانغماس الكامل، وكأنه يجلس والجعفري على شرفة المنزل يراقبان الفناء ويتتبعان وجوه المارة وحركاتهم.

من يقرأ عن الفيلم دون أن يُشاهده ويعيش حالته الفريدة؛ سيتهمه بِالملل والعبث ومضيعة الوقت، فَما جدوى أن تتسمر لتتبع شريط لا يعالج قصة ولا يوثق حدثاً!

جو روسو يبدأ كتابة الجزء الثاني من فيلم Extraction على نتفليكس

لكن الشريط حقق أبعد من ذلك، لعبة “الجعفري” داعبت الفضول الفطري للإنسان، وتطورت مع مرور المدة حتّى جعلت السؤال يتقلص أمام متعة التساؤل، وصرنا نودّ ألّا نعرف الجواب كي ننهل أكثر من لذة الترقب، وصار عنوان الحالة: “من راقب الناس عاش فرحاً” لا سيما أنّنا تورطنا بِمعضلة تكويننا السيكولوجي، فَنحن كَبشر كائنات اجتماعية بِالفطرة، وما الشريط سوى وقفة تأملية لنا لِمشاهدة بعضنا البعض، ويمكن القول أنّ تلك هي غاية “الجعفري”، أن يُثبِت الواقع كي نعاينه، يأخذنا من حكاياتنا ويومياتنا وذكرياتنا، أن يجعلنا نتوقف في زحمة صراعاتنا ونستريح قليلاً من أغوال أفكارنا، إنّه يريدنا أن نعود لبعضنا.

لكن تلك الغاية لا يمكن إدراكها سينمائياً دون اكتمال عناصر التكوين الأساسية، وهو ما قدمه لنا “الجعفري” في مزج مونتاجي دقيق!

أخبرنا بِالمكان والزمان في مستهل حديثه، عرفنا أنّنا في حي يُدعى «الغيتو» بِمدينة (الرملة) الفلسطينية، نحن في صيف عام 2006 وتحديداً في شهر يوليو، ذلك الصيف الغير عادي الذّي هطلت به الأمطار كما انهمرت صواريخ الاحتلال الصهيوني الحاقدة على لبنان.

حكايتنا تدور بِمعظمها في يوم الأربعاء 19 يوليو، مع تنقلات بِالأرشيف بين ما سبقه وتلاه من أيام قريبة.

لا وجود للشخصية الرئيسية بِالمعنى الدقيق في الشريط، فَالموضوع يتمحور بين شخصية الأب «عبد الجليل الجعفري» وسيارته، وشخصية الجاني المقابلة له في الصراع والمجهولة تماماً.

فيلم Jojo Rabbit كوميديا سوداء في هجاء النّازية

لكن التوليف هو البطل في شريط “الجعفري”، وينجح بِتحويل كل الشخصيات المارة في الفيلم لِشخصيات أساسية، تلك الشخصيات تُصنَف هامشية ضمن القالب الكلاسيكي، لكنها هنا تتصدر السرد وتدفعه للأمام.

يخبرنا “الجعفري” أنّه عثر على شرائط المواد الأرشيفية في صندوق ورقي بِمنزل أهله، لعله وجد بِها مواداً مغرية للاختبار، فَقام بِجمعها وتوليفها وسجل شريطاً صوتياً مزجه معها.

فيلم ضيف غير عادي

المغري في تلك المواد للسينمائي؛ هو تجربة إعادة الحياة لِما مضى واختبار القدرة على تحويل الهوامش والأرشيف الخاوي من المعنى إلى شريط مؤثر ومشوق، وهذا ما يفعله الفنان، يضع الواقع ضمن إطار جمالي.

لكن التحدي الأكبر لِصانع الفيلم كان بِاعتماده على مواد مصورة منذ 9 أعوام، ما جعله محدوداً بِحدث وتفاصيل محددة مُسبقاً، فَأجاد ابتكار استعادة خاصة للحكاية الموجودة سلفاً.

النجاح بذلك كان معتمداً على حسن التوليف كما ذكرنا سابقاً، ولعبة التشويق التّي ورطنا بِها صانع الفيلم، لكننا يجب أن نضيف على ذلك الحميمية التّي جعلت الحكاية رطبة وحيوية وحولت ذكرى الصيف الجاف لِاستعادة وجدانية تشاركية وتفاعلية، تلك التفاصيل التّي استرجعها “الجعفري” من ماضيه، علاقة الحبّ بين والديه، ذكرى شجرة التين، سلوكيات الناس، هوامش بلد، وغيرها من شذرات فلسطينية داعبت العاطفة وأربكت المخيلة، فَكان الشريط حنيناً للماضي وتحية لروح الوالد المتوفي، استعاد بِه “الجعفري” لقطات من ذاكرته الخاصة الموازية لِلذاكرة الجمعية لِلشعب الفلسطيني الذّي تمر السنوات وتتوالى ولا زال يعاني إجرام الاحتلال في محاولته لغسل ذاكرة هذا الشعب الصامد.

0

شاركنا رأيك حول "مراجعة فيلم صيف غير عادي للمخرج كمال الجعفري بعد عرضه مباشرةً في مهرجان vision du réel"