مراجعة مسلسل أرض النفاق: هل مازال هنيدي ورقة رابحة؟

مراجعة مسلسل أرض النفاق
0

يثير اسم محمد هنيدي في النفس نوستاليجا من نوع خاص. فأفلامه “اسماعيلية رايح جاي”، “صعيدي في الجامعة الأمريكية” “همام في امستردام” اقترنت بشكل جديد للسينما المصرية عُرفت اصطلاحاً بـ “سينما الشباب”.

ورغم خفوت بريق هنيدي نوعاً ما مقارنة بالماضي، ورغم تراجع الإقبال على أفلامه الأخيرة، إلا أن  قفشات أفلامه مازالت حاضرة وتُستخدم بكثرة في الكوميكس على مواقع التواصل الاجتماعي. ولقد كانت آخر أعمال هنيدي في التلفزيون هي فوازير “مسلسيكو” ولم تحقق نجاحاً يذكر.

مراجعة مسلسل أرض النفاق

ويبدو أن محمد هنيدي أدرك أن القصة الجيدة هي الأساس، لذلك استعان برواية شهيرة ليوسف السباعي، حولت لفيلم شهير قام ببطولته فؤاد المهندس وأخرجه فطين عبد الوهاب. لم يكتفِ هنيدي بقصة جيدة بها مساحة كبيرة من الفانتازيا الكوميدية بل استعان بالسينارست الشهير أحمد عبدلله الذي سبق أن تعاون مع هنيدي في فيلمي “فول الصين العظيم” و “عسكر في المعسكر”، وهذان الفيلمان تحديداً هما الأكثر حضوراً على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يجعلنا نعتقد أن استعانة هنيدي بأحمد عبدلله تهدف إلى اجتذاب هذه الفئة من الشباب وصغار السن الأكثر استخداماً لمواقع التواصل الاجتماعي. ومن المعروف أن هنيدي من أنشط النجوم وأكثرهم تفاعلاً على مواقع التواصل الاجتماعي سواء على فيسبوك أو تويتر. ولقد قامت بإنتاج المسلسل شركة العدل والتي بدأ معها هنيدي أول أفلامه وانطلق من خلالها إلى سلّم النجومية.

تصوير مسلسل أرض النفاق

إذاً نحن أمام خطة مُحكمة قام بها محمد هنيدي تتمثل في

  • قصة جيدة ليوسف السباعي بها مساحة كبيرة من الكوميديا.
  • سيناريست شاطر ايفيهات أفلامه هي الأكثر حضوراً وتداولاً على مواقع التواصل الاجتماعي (اللمبي –الناظر –فول الصين العظيم).
  • شركةإنتاج تُعتبر بمثابة تميمة الحظ .

فهل تساهم هذه الأضلاع الثلاثة في إعادة هنيدي إلى قمة الهرم مجدداً؟

 

قصة المسلسل

تدور الأحداث حول موظف بسيط يدعى مسعود يواجه خلافات دائمة مع زوجته وحماته ومعارفه المحيطين به. وفي أحد الأيام، تقوده الصدفة إلى مقابلة الدكتور ماضي، الذي يقدم له أخلاقاً للبيع على هيئة حبوب، فتتغير حياة مسعود تدريجياً بعد أن يأخذ حبوب الشجاعة والبخل والنفاق والسرقة ويستعين بها لمواجهة الواقع المحيط به.

تحليل القصة والسيناريو

توجد طريقتان عند التعامل مع النص الأدبي وتحويله إلى سيناريو:

الطريقة الأولى: النقل الأمين للرواية بحيث يصبح العمل الفني مجرد ترجمة بصرية للنص المكتوب، وهذا يحدث إذا كانت الرواية تمتلك الإمكانات الدرامية اللازمة لعمل فني ناجح دون الحاجة إلى تغيير يُذكر.

الطريقة الثانية: التعامل مع النص الأدبي كفكرة أو نقطة انطلاق تحتاج الكثير من الإعداد والإضافة والحذف والتكثيف بما يتناسب مع رؤية السيناريست وتعريفه للعمل الفني الناجح.

ولقد استعان الكاتب سعد الدين وهبة بالطريقة الثانية عند تحويل رواية أرض النفاق إلى فيلم من بطولة فؤاد المهندس وشويكار. فمثلاً قام بحذف حبة المروءة التي أخذها البطل في الرواية وأضاف من عنده خطاً درامياً كبيراً غير موجود في الرواية وهو أخذ البطل لحبة النفاق وتغيّره كلياً بعدها.

أما بالنسبة لمسلسل أرض النفاق فلقد جمع السيناريست أحمد عبدلله بين الطريقتين، فمثلاً ظهرت في المسلسل حبوب الشجاعة الموجودة في الرواية والفيلم معاً، ثم ظهرت حبوب النفاق الموجودة في الفيلم دون الرواية، ثم ظهرت حبوب المروءة الموجودة في الرواية دون الفيلم. ثم ابتكر حبوباً جديدة غير موجودة في الرواية والفيلم كحبوب السرقة والانتقام والحظ السيئ .

ويمكن القول إن هذا الأسلوب في التناول لم تفرضه ضرورة فنية، بل السبب الأساسي هو ظروف الإنتاج الرمضانية التي تفرض إنتاج 30 حلقة حتى لو تبع ذلك مطّ وتطويل وحشو فارغ. ولعل المشكلة الرئيسية في المسلسل هو تباين جودة الحلقات طبقاً لنوع الحبوب، فمثلاً كانت حبوب السرقة  والبخل بها قدر كبير من الكوميديا، في حين كان بحبوب النفاق قدر من الملل، وحبوب الشجاعة بها قدر من الإطالة الزائدة. وهذا الخلل في الإيقاع ليس بسيطاً يمكن التغاضي عنه، فالمسلسل بدأ بداية رتيبة ولم تتصاعد وتيرة الكوميديا إلا بعد مرور العديد من الحلقات وتحديداً مع بداية أخذ حبوب السرقة. فمثلاً في الحلقة الأولى يوجد قدر من التطويل المبالغ فيه في مشهد الحلم بشكل يجعل المشاهد يصاب بالملل ومن الممكن أن يصرف نظره عن مشاهدة المسلسل بأكمله.

على مستوى آخر، أجاد أحمد عبدلله في رسم الشخصيات وأبعادها بطريقة احترافية تمهّد لكوميديا الموقف وتثير الضحكات دون افتعال. فأحمد عبدلله – وهو مبتكر شخصية “اللمبي” – قادر دائماً على جعل الممثل الكوميدي في أفضل حالاته عن طريق ابتكار المفارقة المفجرة للضحك، كجلوس الطليق والزوج الحالي مع الزوجة في نفس الشقة أو سرقة منزل دكتور شهير بالتوازي مع زيارة أخيه الضابط في نفس اللحظة… إلخ.

 

الحظ السيئ

في أحد مشاهد المسلسل يطلب مسعود من الدكتور ماضي حبة الحظ السعيد، لكن يختلط الأمر على الدكتور ماضي ويعطيه حبة الحظ السيئ بدلاً عنها. ويبدو أن هذا ما حدث مع صناع المسلسل، فلم يثمر تعاون محمد هنيدي مع شركة العدل حظاً سعيداً كما حدث في فيلم “صعيدي في الجامعة الأمريكية”، بل واجه المسلسل العديد من العراقيل أولها أزمة المخرج سامح عبد العزيز وعدم تمكّنه من استكمال المسلسل وتولي المخرج محمد العدل استكمال الإخراج. لكن بشكل عام، تجاوز صناع المسلسل هذه الأزمة ولم يشعر المشاهد بالتباين الحادّ في أسلوب الإخراج وهذه نقطة تحسب للمخرج محمد العدل بالأساس.

لكن المشكلة الأكبر التي لم يستطع صناع العمل تجاوزها هي رفض القنوات السعودية ظهور إبراهيم عيسى بشخصية الدكتور، مما أدى إلى الاستعانة بسامي مغاوري، ولم يوفَّق سامي مغاوري في أن يترك بصمة مميزة في هذا الدور. وهذه نقطة لا يُلام عليها بالطبع، فلقد تم إعادة تصوير مشاهد إبراهيم عيسى في وقت سريع لكي تكون جاهزة للعرض، وهذه الظروف غير ملائمة لدراسة الشخصية وتقديمها بشكل جيد.

 

التمثيل

دلال عبد العزيز وهنا شيحة مسلسل أرض النفاق

أعمال هنيدي بشكل عام قادرة على إفراز نجوم جدد، ففيلم “صعيدي في الجامعة الأمريكية ” ساهم في تحقيق نجومية أحمد السقا وهاني رمزي وطارق لطفي، وفيلم “همام في امستردام ” ساهم في ظهور موناليزا وأحمد عيد، وفي هذا المسلسل يواصل هنيدي نفس النهج ويبرز العديد من الممثلين الكوميديانات، فهنا شيحة تقدم الكوميديا لأول مرة لكن بتمكّن واقتدار، ودلال عبد العزيز خفيفة الظل كعهدنا بها دائماً. لكن الاكتشاف الحقيقي يتمثل في الثلاثي الآتي:

  • محمود حافظ: ممثل ينتظره مستقبل باهر سواء في الكوميديا التي قدمها في هذا المسلسل أو في التراجيديا التي سبق وقدّمها في مسلسل هذا المساء.
  • محمد ثروت: خفيف الظل قادر على إثارة الضحك بدون كلام وبتعبيرات الوجة فقط، كما كان يفعل الراحل يونس شلبي.
  • محمد محمود:  المساحة المتاحة  لمحمد محمود  في هذا المسلسل ساهمت في إبراز قدراته التمثيلية.

 

بشكل عام، مسلسل أرض النفاق خطوة على الطريق الصحيح، ويثبت أن هنيدي قادر على العودة إذا توافرت له عناصر النجاح المختلفة. فهذا العمل أفضل من أعماله الأخيرة السابقة لكنه ليس الأفضل في مجمل أعماله.

0

شاركنا رأيك حول "مراجعة مسلسل أرض النفاق: هل مازال هنيدي ورقة رابحة؟"